هل الحاكم العربي غير وطني أم ممنوع أن يكون وطنياً؟

لا يمكن لأمة أن تنهض إلا بعقول وطاقات وقلوب أهلها. وحتى لو كانت الشعوب تحب أوطانها، وتريد أن تبينها، ولديها كل ما يلزم للنهوض بها، لا شك أنها ستفشل إذا كانت الطبقات الحاكمة غير وطنية، أو أن دوائرها الانتخابية خارج أوطانها، كما هو الحال بالنسبة للعديد من الأنظمة العربية. السمكة عادة تفسد من رأسها، وكذلك الأوطان. فإذا كان الحكام يعتمدون في وجودهم على قوى ودعم خارجي، فإنهم، دون أدنى شك، سيكونون أكثر اهتماماً بتحقيق أهداف الخارج في بلادهم من تحقيق أهداف شعوبهم. فكما هو معلوم، فإن السياسي يخدم في العادة الدائرة التي انتخبته. وبما أن مصير العديد من القيادات في العالم العربي مرتبط بقوى أجنبية، فعلى الأغلب أن الأوطان والشعوب ستعاني، وستتخلف عن ركب التقدم واللحاق بالأمم الوطنية المتقدمة.
من أعظم بركات الثورات العربية أنها كشفت بشكل فاضح عمالة الكثير من الأنظمة العربية، وخاصة تلك التي رفعت شعارات قومية ووطنية فاقعة كالنظام السوري مثلاً. فعندما كنا نسمع الشعارات الوطنية والقومية التي كان يرفعها، ويرددها نظام الأسد في سوريا، كان المرء يأخذ الانطباع أنه نظام لا يباريه نظام في العالم في الوطنية وحب الوطن، خاصة وأنه كان يسحق أي أصوات معارضة بحجة أنها غير وطنية وخائنة للوطن. لكن الثورة أظهرت للسوريين لاحقاً أن النظام له علاقة بالوطنية كما للسوريين علاقة بكوكب المريخ. لم يكن حتى نظاماً طائفياً فقط، بل كان يأتمر، ويعمل لصالح قوى خارجية أولاً وأخيراً. لم يكن ينقص الشعب السوري أبداً لا الطاقات، ولا الإرادة ولا الذكاء والمثابرة، فهو شعب وطني خلاق وقادر على الإبداع والابتكار والتقدم، لكنه فشل على مدى نصف قرن في تحقيق أي إنجازات صناعية وتكنولوجية وسياسية واقتصادية معتبرة. لا بل إن السوريين باتوا يترحمون على النظام السياسي الذي كان يقودهم في منتصف القرن الماضي، حيث كان أكثر عصرية وتقدماً وديمقراطية وانفتاحاً وإنسانية، بينما أمسوا اليوم مضرباً للمثل في التشبيح السياسي والأمني.
لسنا بحاجة للكثير من الجهد كي نتعرف على مكمن الخلل في سوريا. إنه النظام الحاكم الذي كان دائماً يتهم العرب الآخرين بالعمالة والتبعية للخارج، بينما كان هو غارقاً حتى أذنيه في العمالة والتبعية للاتحاد السوفياتي سابقاً وروسيا وإيران وإسرائيل حالياً. لقد اكتشف السوريون على ضوء الثورة أن مهمة النظام الأولى على مدى نصف قرن كانت كبح قيام أي نهضة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو علمية في سوريا، لأنه مكلف بإبقاء سوريا وشعبها في حالة تخلف وتجمد لصالح جارته إسرائيل. ويرى بعض العارفين أنه لو لم يقم بذلك، لما بقي أصلاً في مكانه. وكما هو واضح، فإن النظام يعرف قدر نفسه جيداً، فهو لا يصلح لأن يقود وطناً نحو التقدم والازدهار، بل قادر فقط على ممارسة الهمجية والقمع والاضطهاد، لهذا تم تمكينه من رقاب السوريين كي يبقوا في الحضيض سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
طبعاً لا نقول أبداً أن النظام السوري هو الوحيد الذي يعمل لصالح قوى خارجية. لا أبداً، فهو مجرد نموذج فاقع للأنظمة المتشدقة بالوطنية والغارق بالعمالة والخيانة. هناك الكثير الكثير من الأنظمة الأخرى التي لا تحكم بإرادة شعوبها، بل بإرادات خارجية. وقد صدق الرئيس التونسي السابق الدكتور منصف المرزوقي عندما ألف كتاباً بعنوان «الاستقلال الثاني» يكشف فيه أن معظم الأنظمة العربية التي وصلت إلى السلطة بعد حروب الاستقلال المزعومة لم تكن وطنية أبداً، بل كانت مجرد وكلاء للمستعمر الذي خرج من الباب، ليعود من النافذة عن طريق عملائه الذين عينهم ممثلين له في مستعمراته القديمة. وبالرغم من أن بلداً مثل الجزائر مثلاً قدم أكثر من مليون شهيد لطرد المستعمر الفرنسي، إلا أنه انتهى في أيدي من يسمون بـ»بني باريس» أي الجنرالات والطبقة السياسية التابعة قلباً وقالباً للمستعمر القديم.
حتى الأنظمة المنبثقة عن بعض الثورات الجديدة فهي بدورها لا تمثل تطلعات الثوار، ولا الشباب الذين قادوا الثورات، بل هي مجرد واجهات لقوى خارجية. ولا شك أن المرء يشعر بحسرة وألم كبير عندما يسمع أن الكثير من القيادات التي تحكم تونس الآن مرتبطة بتوجيهات وتوجهات قوى خارجية أكثر مما هي مرتبطة بتطلعات الشعب وأحلامه. فهذا القيادي تدعمه أمريكا، وذاك تدعمه فرنسا، والآخر يتلقى تمويلاً عربياً لشراء الأصوات والفوز في الانتخابات. وكأن الثورة لم تحدث أبداً.
لا شك أن البعض سيقول لنا إن تركيبة العالم والقوى المتحكمة به لا تسمح بوجود قيادات وطنية خالصة، وخاصة في العالم العربي. يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي في هذا السياق: «الأهداف الرئيسية للسياسة الأمريكية هي منع وصول المغالين في وطنيتهم إلى الحكم في العالم الثالث. وإذا ما وصلوا إليه بطريقة أو بأخرى، فيجب عزلهم وتنصيب غيرهم. وتتحالف الولايات المتحدة مع العسكريين لسحق أي جماعات وطنية تفلت من قبضة اليد». وما ينطبق على أمريكا ينسحب على القوى العظمى الأخرى في تعاملها مع بيادقها. ويقول المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي هنا: «بشار الأسد دمية لا حول له ولا قوة: لو كان ذا سلطان حقيقي لكان فضّل النجاة بذاته وبأسرته، لأنه يعلم أن المآل في الغاية هو رأسه ورأس أسرته». وبناء على هذه الحقيقة المرة بوجود قوى خارجية تمنع الوطنيين من الوصول إلى السلطة في العالم العربي والثالث عموماً، ما العمل؟ هل الخلل في القوى المتحكمة التي تختار عملاءها حكاماً هنا وهناك؟ أم إن الخلل في الحكام الذين يقبلون أن يكون مجرد وكلاء؟ لا أريد أن أفتي في هذا الموضوع. أترك لكم الفتوى.

٭ كاتب وإعلامي سوري
[email protected]

د. فيصل القاسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    مشكلة الحاكم الوطني ببلادنا يا دكتور فيصل هي الدكتاتورية
    فيزعم أنه لا وطني غيره ويوزع ثروات البلد على أقربائه وقبيلته
    واذا ثار الشعب على هذا الحاكم الوطني اتهمهم بالعمالة للخارج ووو

    الوطن هو عبارة عن شركة مساهمة يشترك الجميع بالحفاظ عليه
    أي أنه يعتبر ملكا للجميع والفرق بينهم هو بعدد أسهمهم من التضحيات

    المواطن أغلى من الوطن – فلا وطن بدون مواطن
    فالوطن هو موطأ رجل المواطن الذي يتحكم بمقدراته !
    والمواطن وحده من يرفع من شأن الوطن ان أتيحت له الفرصة

    مع الأسف أن المواطن العربي بدأ يحس بأن الوطن من يقرر مصيره

    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول Hala abdulghafour:

    دكتور فيصل القاسم دعك من هؤلاء الحكام فهم فعلا دمى مبرمجة بيد الخارج هم من وضعوهم وهم ايضا من يشيلوهم متى أرادوا فقط …. ودعنا بمشكلة الجهل الفكري الذي اوصلنا الى هنا فبالمعرفة والعلم فقط ننتصر …. فالجاهل هو ضحية سهلة المنال والامتلاك ممن يملكون المعرفة …. تحياتي واحترامي لقلمك الابيض الرااااائع ….

  3. يقول سمير بريطانيا:

    اسمح لي ان افتي الخلل ليس في القوى المتحكمه ولا في الحكام بل في الشعوب
    صلى الله وسلم على من قال كما كنتم يولى عليكم

  4. يقول محمد بوفارس تونس:

    اخاف ان ضيع القادة العرب شعوبهم ..سيقفون على الربوة ينتظرون الطوفان

  5. يقول george hariss - USA:

    مشاكلنا مع حكامنا كثيرة جداً، أولها وأهمها أننا لم ننتخبهم وأنما يفرضون علينا من قبل قوى خارجية

    1. يقول جمال:

      george hariss – USA لا افهم ليش بتعمم كل واحد يحكي عن حاكم تبعو مابصير تحطو كل حكام العرب بنفس السلة العيب في شعوب العربية هاي شلنا القذافي شوصار هي راحت ليبيا القذافي طلع اعقل واحد في ليبيا العيب من الشعوب العربية الي غير ناضجة ديمقراطيا مش من حكام ودليل الشعب تونسي شالو بن علي وهيهم عن طريق الصندوق رجعو نظامو اغلبية التونسة اليوم نادمين وبترحمو على ايام بن علي ونفس الشيىء مصر

    2. يقول Mohamed. Tunis:

      يا جمال من الذي قال لك هذا او انها اظغاط احلام تتمنون فشل التجربة التونسية حتى لا ينسخ عليها بعض الشعوب العربية خليك انت وحاكمك تاج رأسك واتركونا فنحن لها الكل يحاول اجهاض التجربة التونسية ولكنكم لا تعرفوا الشعب التونسي سنعيش رغم الداء والاعداء كالنسر فوق القمة الشماء

  6. يقول مراد قادة فرنسا:

    الجزائر استناء في العالم العربي و مند الاف السنين ـ انها اسطوانة مشروخة قديمة بالية لو كان ضباط الجزائر كما تدعي لكانت فرنسا التي يقطنها ٥ مليون جزائري اول شريك اقتصادي للجزائر و ليس الصين و لا كان تسليح جيشها فرنسي بل هو روسي الماني و صيني و ايطالي و لو كانت نخبها كما تدعي لكانت مع فرنسا في تدمير ليبيا و سوريا و لا كان اغلب مشرايع الكبري لشركات الفرنسية بل هي شركات صينية و تركيا و كوريا و اسبانية الخ كفي زج بي الجزائر في سلة واحدة مع الغراب العربي فليست الجزائر من تشتري الرفال و لا الفرقطات و الميسترال و الميراج

    1. يقول siddig USA:

      مراد قادة فرنسا
      لايمكن إستثناء أى دوله فى الوطن العربى ، والعالم المتخلف عموماً من العماله . الموضوع واضح جداً . أسأل نفسك لماذا تستورد سلاحها من الدول التى زكرتها ولا تصنعه بنفسها ، وهى تملك موارد وفيره .ولها إحتياطى يصل ٢٠٠مليار دولار. الموضوع ليس هذه الدوله أو تلك بل الكل فى الحل والحال باين من عنوانه . الهبه الفسطينيه لها كثر من شهرين هل سمعت صوتاَ لأى حاكم عربى

    2. يقول zakaria algerie:

      الاخ قاد ه هل تريد ان تغطي الشمس بالغربال اذناب فرنسا موجودون و هي حقىقة لا ينكرها الا جاحد وازدادو قوه فى عهد بوتليقه عذرا انك في فرنسا لا يمكنك ان تري هذه الاشباء

  7. يقول ali --berlin:

    ممنوع ان يكون هناك حاكم عربي وطني لانه لن يعمل لصالح الصهاينه تماما مثل الرئيس مرسي فك الله اسره…

  8. يقول ضيف الله المطري (اليمن):

    الاعلام العربي يقدس في نفوس مواطنية حب الزعيم ليس حب الوطن جل كلام اعلامنا العربي يغرس الولاء فقط للرئيس وينسى اعمار ونهوض الدولة وبالتالي الفرق واضح بين الاعلام الغربي والعربي

  9. يقول د. راشد - المانيا:

    دكتور فيصل المحترم
    لقد فاتك أن نتنياهو طالب بضمانات لأن يشارك بشار بمستقبل سوريا هكذا يكون رد الجميل والعرفان يادكتور لنظام سهر الليالي لحماية حدود مشغليه بالأمس يتشدق المعلم بأن تركيا بإسقاطها الطائرة الروسية انتهكت السيادة السورية والطائرات الاسرائيلية تقصف من أول امس في سوريا وكأنها لم تنتهك السيادة ولم نسمع تصريح منه عن ذلك
    تحية للأسد أردوغان صاحب الحمية على وطنه الذي لم يستغرق رده أكثر من خمس دقائق بينما حافظ وابنه بشار يحتفظان بحق الرد منذ أربعين عاما ولم يأت ولن يأت
    لك التحية يا أسد أسد تركيا فلك هذه الألقاب وحدك

  10. يقول ناصر:

    اردوغان هو وولدة غلطانيين باسقاط الطايرة الروسية ويعتبر عملهم غير وطني بل اامممي

1 2 3 4

اشترك في قائمتنا البريدية