اعتادت المجتمعات المتطورة على تطبيق الديمقراطية باعتبارها وسيلة من وسائل انتقال وتداول السلطة بطريقة سلمية متحضرة، وكما هو الحال في الديمقراطية الغربية العلمانية القائمة على مبدأ فصل الدين عن الدولة، على الرغم من أن الكثير من الأحزاب السياسية الغربية الديمقراطية تزخر بالثقافات الدينية حيث تنشط هذه التيارات داخل هذه الأحزاب من خلال أسس النظام الليبرالي الذي يسمح للفرد بحرية الرأي في عملية الإصلاح الاجتماعيّ بعيداً عن منطق التباين الأيديولوجي العقائدي والتدخل في السياسة العامة واعتباره الشكل المرغوب للنظام السياسي المتحضر لخدمة المصلحة العامة وسيادة الدولة.
على العكس، اعتاد المجتمع السياسي العراقي منذ تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في مشروع إعادة صياغة النظام السياسي العراقي، التي تضمنتها خارطة الطريق المشتركة التي جاءت بها عملية غزو العراق على رؤية نوع جديد من الديمقراطية المخفضة والسيئة الجودة تتمثل في إجبار العراقيين على الاختيار ما بين شيئين لا ثالث لهما، إما أن تكون قوميا كرديا أو أن تكون عربيا طائفيا.
ومن يقرأ المشهد السياسي بعقله لا يجد صعوبة في فهم وإدراك حقيقة عملية التحول السياسي والاجتماعي الذي وصلت اليه البلاد، من جراء التغير في معايير بناء الأحزاب السياسية لواجهة الدولة ومسؤولية مؤسساتها في الحفاظ على أمنها وسيادتها ووحدة شعبها. على الرغم من أن هذه الواجهة الرسمية العراقية التي اعترفت بها الأسرة الدولية، لا تمثل طموح الإنسان العراقي، وهي واجهة مصطنعة لا تمت بصلة للعملية الديمقراطية التي توفر للمواطن الاستقلالية في الرأي والاختيار وتسمح له بالتالي في انتخاب نظامه السياسي. وهي ديمقراطية محورة سلبيا حيث أجبر العراقيون على التصويت إلى أحزاب إسلامية تمثل التيارات الشيعية والسنية التي تم إشراكها ودعمها بقوة لهذا الهدف.
وهكذا بعد مرور أكثر من ثلاث عشرة سنة على سقوط النظام العراقي السابق، ونتيجة لهذه الطريقة الخاطئة والمتعمدة في إعادة بناء الدولة، لا يزال العنف والتوتّر بين السنة والشيعة والأكراد يهدّد استقرار ما تبقى من العراق وديمقراطيته السيئة، حيث فشلت الأحزاب الدينية في تطوير نظام حكم شامل للجميع، وتعزّزت الانقسامات الطائفية الداخلية نتيجة للإصرار المتعمد على إيجاد نخبة طائفية تتحكم في القاعدة الطائفية الشعبية بدلا من التركيز على أهمية وحدة القاعدة الجماهيرية الواسعة العابرة للطوائف.
وأضحت مؤسسات الدولة مراكز نفوذ للأحزاب المتصارعة التي تتنافس على السلطة والثروات والموقع الاجتماعي. حيث ساهم تعزيز حزب الدعوة في السلطة وتفشي الفساد وإثارته للنزاعات بين الشيعة أنفسهم على معارضة منافسيه من الأحزاب الشيعية الأخرى، وكما هو الحال في المشهد السياسي الشيعي، حيث ونتيجة لهذه الإشكالية أصبح زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر القوة البديلة التي تستطيع تحريك الشارع العراقي، خلافا لقابلية الأحزاب الحاكمة ومرجعتيها الدينية التي لم تعد تمتلك النفوذ لإدارة البلاد. بعد ان أثبت السيد مقتدى الصدر وتياره في التظاهرات الأخيرة قدرتهما في السيطرة على الساحة السياسية والشارع العراقي الثائر وعلى حساب حزب الدعوة الحاكم.
وهذا ما يرجح كفة التيار الصدري وزعيمه «لامتلاك القرار الشيعي» في محاولة قادمة لعملية التغيير السياسي والحرب على الفساد وانعدام الأمن في بغـداد. وهذا ما قد يدفع بالقوى الخارجية المسيطرة على العملية السياسية في العراق من إعادة النظر في دعمها لحزب الدعوة الحاكم وانتهاز الفرصة لعملية ترقيع جديدة تتلاءم مع رد فعل الشارع العراقي الشيعي الذي يقوده التيار الصدري أمام حاجز السياسة الطائفية التي رسمت للعراق؟
ومن يتابع المشهد السياسي السني في يومنا هذا، يرى بوضوح في وصول العملية السياسية الطائفية إلى نفق مسدود، بعد ان فشلت الأحزاب السنية ورؤساؤها في الحصول على دعم المناطق السنية التي أصبحت ضحية «تنظيم الدولة الإسلامية» والمليشيات التابعة لإيران. وكما أن فشل الأحزاب السنية الممثلة في الحكومة والبرلمان وعدم قدرتها في حماية المكون السني المضطهد والدفاع عنه، ساهم في إيجاد بيئة مناسبة للتيارات المتطرفة لتصبح سياسة الاختلاف والانقسام الطائفي في مركز الصدارة ناهيك عن فضيحة الفساد الأخيرة التي فجرها وزير الدفاع خالد العبيدي ضد سليم الجبوري وبعض النواب. حيث عكست تداعيات البرلمان الأخيرة وإشكالية شرعية رئيس البرلمان سليم الجبوري عن احتمال نهاية أحد أكبر رموز الأحزاب السنية المشاركة في العملية السياسية مما سيمهد لتدخل القوى الراعية للعملية السياسية سعياً إلى ترقيعها لكسب الوقت وإيجاد الحلول المناسبة من خلال شخصيات سنية بديلة للمستقبل، وفرضها على المشهد السياسي، بالرغم من هزالة وغموض مسيرتها السياسية ومصادر تمويلها وكما حدث في مؤتمر باريس الأخير.
وبانتظار نهاية «تنظيم الدولة الإسلامية» وتحرير مدينة الموصل يرى الكثيرون من أن القوى الخارجية، الداعمة للعملية السياسية في وضعها الطائفي، ستحاول إدامة أسس النظام الطائفي لفترة ما بعد «تنظيم الدولة الإسلامية» ولكن من خلال وجوه جديدة ترضي الشارع الطائفي بشقيه السني والشيعي وعلى حساب بناء دولة المواطنة وكبح جماح الطائفية ومعالجة التشرذم السياسي والمجتمعي نتيجة للتغييب المتعمد للتيارات السياسية الوطنية القادرة على رعاية وتنظيم مشروع الدولة البديل في إطاره الجامع.
وهذا ما سيدفع العراق لفشل جديد والذهاب بالتالي للهدف المرسوم في اتجاه نظام الكونفدرالية وصولا فيما بعد لعملية التقسيم التي بدأت فعليا بالتبلور والظهور إلى العلن من خــــلال التصريحات الرسمــية الغربية المستمرة والنوايا العربية الإقليمية التي كان آخرها سعي المملكة العربية السعودية إلى تنظيم مؤتمر لـ«القوى السنية» في مدينة الرياض في شهر آب/اغسطس الجاري لمناقشة مصير المناطق السنية بعد تحريرها من سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية»، لتثبيت شكل وحدود الإقليم السني القادم ومن ثم تقديم الدعم الدولي له سياسيا واقتصاديا.
٭ كاتب عراقي
أمير المفرجي
” وهذا ما يرجح كفة التيار الصدري وزعيمه «لامتلاك القرار الشيعي» في محاولة قادمة لعملية التغيير السياسي والحرب على الفساد وانعدام الأمن في بغـداد. ” أهـ
الذي يمتلك القرار الشيعي بالعراق هي إيران بلا منازع وبالتحديد الولي الفقيه الذي يتبعه الحائري مفتي مقتدى الصدر
ولا حول ولا قوة الا بالله
كل هذا للمرور للمرحلة القادمة ضمن صراع المكونات أنفسها لحجز على ما أعتقد المكان والموقع المناسب وعلى حساب شعب مسكين لا يثور من أجل الوطن بل من أجل من يمثله في العملية السياسية. وأنا اتفق معك عن التيار الصدري والسيد مقتدى الصدر الذي يجب النظر بعين الاعتبار مطالب جماهيره وليس الصدر نفسه لأنه من ضمن من شارك بهذه العملية السياسية ولمس نوابه فسادها .
يارفيقي كان احد مباديء حزبكم هو الحرية التي يجب ان ترتبط بالديمقراطية ! ماذا طبقتم منهما طيلة 35 أوكثر ؟! صدام كان يقول انتقلنا من الشرعية الثورية الى الشرعية الانتخابية عندما فاز بالانتخابات بنسبة 100بالمئة !!!
ردا على مهند..
اذا كان الدفاع عن العراق هي صفات من صفات البعث وكما ذكرت اذن انتم تقرون بأن البعث هم الوطنييون. لعلمك لم يكن كاتب هذا المقال من حزب البعث ولكنه وقف ضد احتلال العراق وهذا شرف له ولمسيرته الوطنية خلافا للكثيرين من الانتهازيين الذين كان يضمهم حتى حزب البعث نفسه. تحية للأخ والكاتب للوطني أمير المفرجي ولكل الشرفاء في العراق.