مر شهر على المقاطعة الشعبية لثلاثة منتوجات أساسية (حليب «سنطرال» الذي تنتجه شركة دانون، وماء «سيدي علي» الذي تنتجه شركة والماس، ومحطة البنزين «إفريقيا» التي يديرها الوزير الثري عزيز أخنوش). مقاطعة بدأت بفعل مجتمعي على وسائل التواصل الاجتماعي، وتواصلت دون تدخل الحكومة أو الدولة، ثم تحولت إلى حالة نفسية مجتمعية رافضة الاحتكار والاستغلال الجشع للمواطن البسيط.
بداية، كانت المعطيات مبهمة، فالشركات لم تعلن عن خسائرها، وإن كانت معطيات البورصة تشير إلى تأثير دال لهذه المقاطعة. لكن اليوم، لم يعد بالإمكان نكران أثر هذه المقاطعة، فشركة «دانون» حسب أرقام رسمية فقدت نصف مبيعاتها، أما شركة المحروقات «إفريقيا» وشركة «والماس» فتعرضت لنكسة كبيرة، سمحت لأرباب هذه الشركات بإثارة سؤال السياسة في فعل المقاطعة.
المقربون من الثري عزيز أخنوش، من وزراء حزبه «الأحرار»، تصوروا أن المقاطعة تتم في عالم افتراضي فقط، فسارعوا إلى وصف المقاطعين بـ«المداويخ»، أما أخنوش فركب لغة التحدي، ثم ما لبث هذا الحزب، بعد أن شعر بثقل المقاطعة، أن اتهم حزب العدالة والتنمية بقيادة المقاطعة الشعبية.
قيادة الحكومة، صمتت بشكل غير مبرر، إلى درجة أن صحافيين طرحوا على رئيسها سؤالا عن موقفه من المقاطعة، فرد عليهم بجواب عن حصيلة الحوار الاجتماعي!
مع اقتراب شهر رمضان، تغير الموقف تماما، بسبب الخوف من نقص مادة الحليب، ومن تضرر 120 ألف فلاح مغربي يتعاملون مع تعاونيات تبيع الحليب لشركة «دانون»، فخرجت الحكومة بلغة تهديدية، أشهرت فيها ورقة المتابعة في حق من نشر أخبارا زائفة تضر بالاقتصاد الوطني، وحصرت الموضوع فقط في الحليب، في الوقت الذي دخلت فيه أطراف غير مجتمعية على المقاطعة لإحراق ما تبقى من ورقة أخنوش الذي كان يُهيأ لرئاسة الحكومة في انتخابات 2021.
موقف حكومي أشعل لهيب المقاطعة، وحولها بفعل غضب شعبي، ودخول إرادات غير مجتمعية، إلى إدانة لحكومة العدالة والتنمية، والقتل الرمزي لبعض وزرائها من خلال شن حملة دعائية ضدهم.
العدالة والتنمية فهم الرسالة بسرعة واستدرك، فتوجه رئيس الحكومة بالاعتذار عما صدر من تعبيرات من بعض وزراء حكومته لا تليق في حق الشعب، مذكرا بحرص الحزب على حرية التعبير والاختيار، وبكونه يعبر عن الإرادة الشعبية، ولا يمكن له أن يكون صدى لغيرها.
تفاصيل التطورات، تشير إلى أن المقاطعة الشعبية، سرعت بوتيرة التجاذبات السياسية، وأوقعت المؤثرين في صناعة القرار السياسي في حالة من التردد والغموض، بحيث لم يعد أحد يتوقع أو يرجح أي سيناريو بسبب المؤشرات المتضاربة. فالمؤشرات التي كانت ظاهرة ومتواترة بشأن سيناريو أخنوش، تهاوت بسبب احتراق هذه الورقة قبل نضجها. فاليوم، ثمة توقعات بقرب مغادرة الرجل للحكومة أو ربما مغادرة حزبه لها بسبب الغضب الشعبي وغير الشعبي. أما حزب الأصالة والمعاصرة، التي استثمرت فيه الدولة كثيرا منذ انتخابات 2007 من أجل أن يصير حزب الأغلبية القائد للحكومة، احترقت ورقة قيادته بعد فشله في تصدر المشهد السياسي في انتخابات 2011، وبعد حراك الريف، وحديث عن شبهة ضلوعه فيها. ورغم بعض الحركات العنادية التي قام بها للضغط على أصحاب القرار لتبرير استمراره، بات مؤكدا اليوم مغاردته سفينة القيادة. أما العدالة والتنمية، الذي أصيبت بعض أسهم شعبيته بعد إعفاء رئيس الحكومة المعين عبد الإله بنكيران وتشكيل الحكومة الحالية، يحاول اليوم ترميم هذه الأسهم بعد الضربة الشعبية التي وجهت إليه بسبب مسايرته المقاربة الأمنية في التعاطي مع المقاطعة، إذ قدم الاعتذار للشعب المغربي، وبدأ يضع رجله، ولو بشكل نسبي، في الأرضية الصلبة من خلال موقف فريقه النيابي في مناقشته لتقرير اللجنة الاستطلاعية حول أسعار المحروقات، وذلك عند كشفه للأرباح الخيالية التي تجنيها الشركات من جراء استغلالها الفاحش لتحرير الأسعار وتواطئها في الاحتكار وقتل المنافسة (حديث عن 7 مليارات درهم سنويا تجنيها شركات المحروقات كأرباح)
المحصلة التي انتهت إليها المقاطعة الشعبية، أنها بالإضافة إلى تعريتها للسياسة، وضعت الأصبع على الداء، وذلك حين بدأ الجميع يتحدث لغة واحدة بخصوص فهم رسالة المقاطعة، وأنها لا تعني منتجات، بقدر ما تعني عطب السياسة التي تحمي التركيزات والاحتكارات، وتحمي لوبيات المصالح، وتعطل المؤسسات الدستورية التي يفترض أن تقوم بدورها في محاربة الممارسات اللاأخلاقية للشركات المتواطئة على الاحتكار وضرب القدرة الشرائية للمواطنين. أي أن المقاطعة، وصلت إلى المعضلة الخطيرة التي ما فتئ رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران ينبه عليها، وهي زواج السلطة بالثروة، وكونه خطرا على الدولة.
اليوم، الخيارات المتاحة محدودة، وهي نوعان، سياسية، وسياسوية. أما السياسية، فتبتدئ بتفعيل الدور الدستوري لمجلس المنافسة حتى يضع الشركات أمام مسؤوليتها القانونية، ويضمن حرية المنافسة، ويضع بذلك أساسات السلم الاجتماعي من خلال حماية القدرة الشرائية للمواطنين، ويسوغ لتدخل الدولة لتحديد هامش الربح حتى لا يتهدد السلم الاجتماعي والنسيج الاقتصادي بفعل المقاطعة الشعبية، وتنتهي بفهم رسالة المقاطعة المجتمعية، و الانتباه إلى مخاطر اختلال التوازن الاجتماعي بالدفع بلوبيات المصالح إلى الهيمنة على الحقل السياسي والتشريعي.
أما السياسوي، فهو الخيار السهل الذي يميل إلى استغلال المقاطعة الشعبية للتخلص مما تتبقى من الإرادة الشعبية في العملية السياسية، بالاشتغال على تكتيكات قريبة من التكتيكات التي اعتمدت في الحالة المصرية.
الخيار السياسي مؤسس واستراتيجي، ويساير منطق الإصلاح في إطار الاستقرار، ونتائجه مضمونة، لكن بالنسبة للخيار السياسوي فمخاطره كبيرة ومكلفة ولا يمكن توقع مداها، ليس فقط لأنه لا يقدم جوابا عن سؤال «وماذا بعد؟»، ولكن لأن القضاء على ما تبقى من المؤشرات السياسية في المغرب يؤذن بتهديد الاستقرار وضرب القاعدة الاجتماعية التي تؤسس له.
٭ كاتب وباحث مغربي
بلال التليدي
على أرض الواقع، في أي سوق محلي حر، الزبون لن يعود لتاجر يغشه، هذا ما لاحظت لم يخطر على بال أي موظف في النظام البيروقراطي، عند الكتابة والتعبير، عن مشكلة أي مقاطعة تجارية، نتجت من تدوين على الآلة في أجواء العولمة والاقتصاد الإليكتروني، فمفهوم لغة التدوين من خلال الآلة، يختلف عن مفاهيم لغة التدوين، على أرض الواقع في أي وسيلة للتعبير في دولة الحداثة، كرد على أفعال أي مقاول مثل الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، فلغة المقاول شيء ولغة رجل الأعمال شيء آخر.
فالكثير لم ينتبه إلى ما قاله وزير الاقتصاد الألماني بعد تعدد انسحاب أمريكا من الاتفاقيات الدولية من غير أسباب منطقية أو موضوعية وبالتالي له علاقة بالعلم، وآخرها الاتفاقية مع إيران، إلى أن لا يحق لأمريكا أن تكون شرطي الاقتصاد في العالم، وبعدها مباشرة في نفس اليوم نشرت شبكة الأخبار الأوربية تحقيق صحفي عن مصرف ألماني يضرب عرض الحائط مفهوم سويفت في التحويلات المصرفية، والذي من خلاله تتحكم أمريكا في كل ما له علاقة من نقل للثروة /المال حول العالم.
أظن هذه فرصة ذهبية لأي فكرة لمنتجات تتعامل مع بطاقة التعريف الإليكترونية والعملة الإليكترونية، كوجها عملة الاقتصاد الإليكتروني في أجواء العولمة، وهو ما نعد به في مشروع صالح التايواني (اقتصاد الأسرة كبديل عن اقتصاد الفرد)، والنموذج العملي لتطبيق ذلك هو مفهوم أم الشركات (على وزن أم المعارك لصدام حسين عام 1991) والهدف من الشركة هو تحسين مستوى الدخل للموظف من خلال أن يقترح مبادرة، لتحسين مستوى الخدمات بواسطة تطويع الأتمتة، فيكون شريك في زيادة الدخل للجميع، الإنسان والأسرة والشركة والمؤسسة وبالتالي الدولة بالضريبة والرسوم بعد أن تم تحسينها وتوفيرها للجميع، في تلك الحالة لن يكون هم الدولة إيجاد وظيفة للروبوت (الآلة) بواسطة الأتمتة، لا، بل أصبحت الأتمتة وسيلة لزيادة دخل الجميع داخل أي دولة، من خلال خمسة أركان هي: الحوكمة الرشيدة(هناك اختلاف بينها وبين الإدارة الرشيدة)، لوحة المفاتيح (الشفافية واللامركزية)، الحرف (الأصوات والموسيقى)، الكلمة (معنى المعاني التي في القواميس وهيكل اللغة)، الجملة (الحوار والتواصل والاتصال والتكامل بين ثقافة الـ أنا وثقافة الـ آخر من خلال التجارة بين منتجات بعضهم للوصول إلى ثقافة الـ نحن كأسرة إنسانية)، حيث يجب تطوير مناهج التعليم لكي نعمل على تخريج رجال (أعمال).