تونس وعواصف أيلول

في الجلسة الافتتاحية لندوة المحافظين اواخر آب/ اغسطس الماضي، كشف شفيق صرصار رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بأن من اطلق عليهم صفة «المختصين» قد توصلوا اخيرا الى ضبط وتحديد ست وعشرين خطرا يتهدد العملية الانتخابية المنتظرة في تونس. الاخطار المذكورة تتوزع، وفقا لما ذكره صرصار على اربعة محاور هي، المخاطر الامنية على الحدود، ومخاطر العنف السياسي، ثم المخاطر المتعلقة بالطبيعة والمناخ بارتفاع متوقع لمنسوب الاودية ببعض المناطق الريفية، بفعل امطار الخريف، واخيرا الضغوط والتحركات الاجتماعية ومطالب التشغيل والتنمية بالجهات. حجم التهديدات يبدو واسعا ومتعدد المصادر، بحسب ما اعلنه رئيس هيئة الانتخابات، لكن رئيس الحكومة ووزير الداخلية اللذين حضرا الندوة نفسها، كانا اكثر دقة في حصر ما بات يشكل هاجسا امنيا ووطنيا مزمنا في الجهة والمكان. فقد قال المهدي جمعة في كلمته امام الحشد نفسه من المحافظين بان «الدولة ستواجه تهديدات ارهابية كبرى خلال فترة الانتخابات على وجه الخصوص»، قبل ان يضيف بان تلك «التهديدات اقليمية وليست محلية». ثم مضى وزيره للداخلية ابعد من ذلك واشار في تصريحات صحافية على هامش الجلسة، بان التهديدات الامنية على الحدود مع الجزائر ومع ليبيا خلال شهر ايلول/ سبتمبر «مؤكدة وجدية لكنها تبقى بعيدة عن المدن والمدنيين»، على حد وصفه.
يوم واحد فقط بعد تلك التصريحات والتحذيرات سقطت تونس في الظلام الدامس، بفعل انقطاع «تاريخي» لشبكة الكهرباء عن معظم ارجاء البلاد، لأزيد من ساعتين من الزمن، كانتا كافيتين لان تنشط وتتعدد التأويلات بشأن حصول عمل ارهابي، او حتى محاولة انقلابية مباغتة، قبل ان يعود التيار من جديد وتصدر وزارة الصناعة بلاغا بعد يومين تؤكد من خلاله انه «وخلافا لما وقع تداوله فإن الحادثة، اي انقطاع الكهرباء، ليست بفعل فاعل او نتيجة مؤامرة مدبرة او ارهاب، ولا تمت بصلة بتلويح الجامعة العامة للكهرباء والغاز، اي النقابة بالاضراب». فتحت السلطات تحقيقين، الاول حكومي والاخر قضائي، لكن تبريرات الوزارة وتطميناتها لم تجد كثيرا من المنصتين او المتحمسين لها داخل تونس، اذ سرعان ما ارتدت سهام الانتقاد والتجريح لتصوب بشكل نادر وغير مسبوق نحو حكومة التكنوقراط هذه المرة، اذ كيف يمكنها ان تؤمن البلاد من مخاطر الارهاب ان كانت عاجزة، مثلما تقول بعض الصحف التونسية عن تأمين خدمات ومرافق يومية وحيوية للناس لم تصب بالشلل حتى في اشد الاوقات واكثرها صعوبة وحساسية؟
المستشارون الاعلاميون لرئيس الحكومة فهموا بسرعة، على ما يبدو، ما يمكن ان تخلفه مثل تلك السهام، لا على مستقبل الحكومة فحسب، بل حتى على مصير العملية الانتخابية وفرص نجاحها ايضا. فبعد ان نال السياسيون النصيب الاوفر منها وباتت صورتهم اليوم مهزوزة ومشوهة لدى جزء واسع من الرأي العام، فإن ضرب التكنوقراط وتقديمهم كفاشلين وعاجزين عن ادارة شؤون الدولة بشكل كاريكاتوري صارخ، يمكن ان يطيح بآخر ما تبقى من آمال التونسيين بان يقود المسار الديمقراطي الناشئ، ولو بعد حين الى تغيير او اصلاح حقيقي وملموس لاوضاعهم. في ظرف ساعات محدودة ظهر رئيس الحكومة على اكثر من قناة تلفزيونية، وفي اكثر من وسيلة اعلام ليقول كلمة واحدة لا غير وهي، انه لا يرغب بالاستمرار في منصبه بعد الانتخابات وسيسلم الامانة للحكومة القادمة، التي سيختارها مجلس الشعب المقبل. رسالة واضحة وبسيطة لكنها ثمينة ومحملة بالمعاني في هذا الوقت بالذات.
لكن رغم ان الظهور الاعلامي العاجل والمكثف للمهدي جمعة كان مطلوبا ومفيدا، الا انه لم يضع بالمقابل حدا لقلق الناس وحيرتهم امام التمدد الواسع لاخطبوط الشائعات على طول البلاد وعرضها. فقد اضطرت مصلحة الارصاد الجوية لان تصدر بلاغا في الثالث من ايلول/سبتمبر الجاري تعلن من خلاله انها «لا تتحمل مسؤولية الاشاعات والاخبار الخطيرة التي تبثها وتروج لها بعض المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي»، بعد ان تم تداول معلومات حول توقعات بحدوث عاصفة مدمرة ستضرب البلاد منتصف الشهر الجاري. اما شركة المياه فقد اصدرت بدورها بيانا تكذب من خلاله ما تم ترويجه على عدد من المواقع الالكترونية من انباء حول انقطاع وشيك لشبكة المياه ولمدة يومين كاملين. وفي مطار تونس قرطاج اثار بلاغ بوجود قنبلة على احدى الطائرات حالة من الارتباك، قبل ان يتبين في ما بعد انه مجرد بلاغ كاذب، وفقا لتأكيد السلطات.
ما بدا واضحا هو ان الامر يتجاوز تشخيص رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات للمخاطر في المحاور الاربعة المذكورة، ويتعدى ايضا محاولة رئيس الحكومة ووزير الداخلية حصر التهديدات في العوامل الاقليمية وخارج المدن. فهناك الان ما يشبه الحرب النفسية المفتوحة تستخدم فيها مختلف انواع التضليل الاعلامي ونشر الشائعات والدعايات الكاذبة من اجل هدف واحد وهو، افشال «استثناء تونسي» يتربص به الاعداء في الداخل والخارج. من يقود الحرب يستغل بدهاء وبراعة شديدين الهشاشة النفسية والاجتماعية لمعظم التونسيين، ويدرك ان مناعتهم وقدرتهم على صد الهجمات تلوح محدودة وضعيفة، رغم كل ما يردده السياسيون من حين لاخر حول ذكاء الشعب التونسي وبلوغه درجة عالية من الوعي.
فالتجارب على الارض تثبت ان ذلك الذكاء والوعي يظل مرتبطا، الى حد كبير، بارادات خارجية اخرى هي التي تقرر ان الشعب يريد او لا يريد، وهي التي تحدد له طرق واشكال التعبير عن تلك المواقف والاتجاهات وفي الاوقات التي تراها مناسبة وضرورية. ما الذي ينتظره السياسيون اذن من ناس فقدوا الارادة وانعدمت او كادت تنعدم قدراتهم على الاختيار والتمييز؟ لا شيء على الاطلاق غير ما يمكن جلبه طوعا او طمعا من اصواتهم يوم الاقتراع المنتظر. والمفارقة الغريبة التي تدعو لكثير من الألم والسخرية في الوقت نفسه، هي ان النظم الاستبدادية تستجدي الاصوات بالترغيب والترهيب، فيما تعجز النظم الانتقالية، مثلما هو الحال في تونس، عن كسب قسم واسع من الاصوات الحرة التي لا تنفع معها لا العصا ولا الجزرة، ولا تملك هي ايضا في المقابل الى الان علاجا ناجعا وفعالا لمعضلة عزوفها المفزع والغريب عن صناديق الاقتراع وكل اشكال المشاركة في الشأن العام. العزوف عن الانتخابات ومقاطعتها او التحمس لها والمشاركة فيها باتت اهدافا متناقضة لتقاطع ارادات دولية واقليمية ومحلية تخطط وتعدل ساعاتها، إما لاكمال التجربة والوصول بها الى نقطة مضبوطة لا يجوز تخطيها، او النكوص عنها ووضع حد لنموها الطبيعي والمعتاد في اسوأ الاحوال والسيناريوهات. لا فرق اذن وسط الضباب الذي يلف المشهد السياسي ويطوقه بالكامل بين برامج الاحزاب او برامج المرشحين للرئاسة، مادام حضور الشخوص والاسماء ثم الآلة الدعائية والاعلامية القديمة والمهترئة مع المفعول السحري للمال، هي المحددات الاولى والاخيرة لنتائج تبدو للكثيرين محسومة ومقررة سلفا داخل الغرف المغلقة لكبار الساسة ورموزها. اليأس من الديمقراطية والكفر بها وفقدان اي أمل او رجاء منها تلك هي في النهاية الغاية الخفية والمعلنة للحرب النفسية على التونسيين.
اما الإشكال الكبير الذي يواجه تونس فهو ان التعددية الحزبية والفكرية فتحت الابواب على مصراعيها امام الجميع بلا استثناء، لتقديم رؤاهم وتصوراتهم للمشاكل والحلول، لكنها اخفقت وعجزت عن فتح الاعين والقلوب والضمائر على بؤس الديمقراطية وسرابها، الذي يخاله الكثير من التونسيين ذهبا وفضة يغنيان عن تعب الكفاح وشقاء السعي. كم خطرا يتهدد العملية الانتخابية، وكم عاصفة هوجاء سوف تهب على تونس في سبتمبر؟ لن يكون كل ذلك مهما مادامت مساحة اليأس تتمدد بشكل خرافي يفوق كل التوقعات، وبيع الضمائر وشراؤها خاضعا فقط لقواعد العرض والطلب في ديمقراطية تلوح فيها الفروق بين السلعة والانسان منعدمة او تكاد.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الحبيب خضر. تونس:

    ان ما وصف من احباط او ياس يمكن ان يوجه من قبل النخب في اتجاه التحفيز على مشاركة اعلى في الانتخابات، فالتجربة التونسية اثبتت ان الثورة ما تزال تحتاج التفاف ابنائها حولها لحمايتها من رموز الاستبداد الذين عادوا يبحثون عن موقع بل وموقع متقدم ولن يكون متاحا التصدي لهم الا عبر صناديق الاقتراع، وان من محاسن تجربتنا انها تسهل التصدي الانتخابي لهؤلاء لانها سمحت لهم بالترشح بوجوههم الكالحة التي عرفها الشعب سنين. كما ان التقييم السلبي لحكومة التكنوقراط سيحث على مشاركة واسعة في حكومة سياسية تكون حكومة وحدة وطنية تتشكل بعد الانتخابات من الأحزاب البرلمانية الساعية لاستكمال الانتقال الديمقراطي.

  2. يقول محمد فوزي التريكي:

    تونس تعيش ديمقراطية الفاشلين ..
    الفاشلون هم الذين تصدروا المشهد الإعلامي والسياسي بعد الثورة التي تسمي نفسها ب”النُخبة” ..
    هذه النُخبة التي كفرت بالشعب وتعالت عليه وابتعدت عن همومه ومشاغله اصبحت مُصيبة المجتمع التونسي وهم من جميع التيارات السياسية والفكرية من اقصى الييمين الى اقصى اليسار .. فكل يدَّعي وصلاً بليلى …. وليلى لا تقر لهم بذاكا ..واعني بليلى (الثورة)..بعد ان ساهموا جميعا في سرقة الثورة وضياع اهدافها يطلبون اليوم من الشعب ان يصوت لهم ..
    فهل الفشل يكمن في النظام الديمقراطي نفسه ام ان الخلل في الاشخاص الذين تصدروا المشهد السياسي بعد الثورة حتى يومنا هذا ؟
    من تونس
    محمد فوزي التريكي

  3. يقول كمال بن صالح:

    لقد بدأ العد التنازلي للإنتخابات و معه سوف يتحدد مصير تونس والتونسين إما بإستكمال أهداف الثورة أو الإنقضاض عليها وإفشالها مثلما حدث في مصر.مقالك هذا يبين جانب كبير من هذاالصراع، وأنا واثق من وعي جانب كبير من التونسين وإصرارهم على النجاح والمرور الى العمل وبناء تونس جديدة. شكرا نزار على هذا المقال الثري.

اشترك في قائمتنا البريدية