ليبيا التي تلتقط انفاسها وتنتعش.. لا مناص من المأسسة لديمقراطية نموذجية

حجم الخط
0

زينب محمود امتلأت رئة بنغازي بنسيم الحريّة لتضّخها إلى باقي جسدها العليل ليبيا. ليبيا التي امتلأت بهواء ملوث لسنين عدة فاختنقت به، آن لها أن تلتقط أنفاسها وتنتعش، وتنفض عنها إخفاقاً وعجزاً كبلّها لسنين جعلها في الحضيض، تنفضه فتزيل عنها أدران الماضي البغيض، ماضٍ صنعه عابثون يرتدون عباءة العلم والمعرفة ويُقصون مثقفي الوطن وعلماءه، يرفعون شعار الحريّة وهم غائرون في استعباد الشعب وقمعه، ويرفعون شعار الاشتراكية وهم يضطلعون بكل نهب لثروات الشعوب والاستئثار بها.تلك السلطة التي لم تجتهد في خلق تجانس للوطن أو التأكيد عليه بل عكفت على تفعيل الانقسام بين أبنائه، بالرغم أنه لا توجد طائفية على أرض الواقع، بحيث يتم استنفارها ثم تسيسها لتقود إلى حرب أهلية. وهذا هو شأن الأنظمة الشمولية الاستبدادية التي جل همها تأجيج الروح الطائفية والقبلية وإن عُدمت فلا مناص من الانكباب على خلق أسباب وهمية لها، وهذا إفلاس سياسي أدى بأصحابه إلى ما وراء القضبان أو بعضهم مطارد يختبئ في جحور وأنفاق. غير أن الشعب الليبي عزز لُحمته الوطنية ولم يسمح باختراق نسيجه، مدعوماً بثوارنا الذين ضحوا بكل غالٍ ونفيس لحمايته والذود عن حرية كرامة شعب أبي، مع عدم إغفال دور حكمائنا من شيوخ القبائل في حبكة ذلك النسيج، وما المصالحة التي تمت بين مدن زوارة ورقدالين والجميل وغيرها إلا خير وأرقى مثال على ذلك وأسقطت الرهان على تفككه. إذ برهنت أن هذا الشعب عملاق بأبطال على كل الصعد، دفعوا بأنفسهم في أتون معركة حامية الوطيس، وضربوا المثل في مواجهة أعتاها عدوان، من أجل حرية كنا نظمأ لها ونتوق شوقاً إليها. وعليه لنقاوم محاولات شرسة للنيل من هذه الثورة وضرب منجزاتها، الثورة التي أدهشت العالم وكبار ساسته ككاميرون رئيس وزراء بريطانيا بوصفه أنها مصدر إشعاع للعالم وأبطالها ليسوا جرذان، كذلك الخبير العسكري المصري مصطفى الزيّات بأنها استراتيجية معركة تصلح لأن تُدرس في العالم، وقبلهما رأى فيها السيناتور الجمهوري الأمريكي جون ماكين أبطالاً أشاوس ولم يرَ فيها عناصر للقاعدة على حد قوله، الأحرى بنا ألا نطعن في هذه السمعة سواء أكانت من الغرباء أو الأقارب بألا نهدر وألا نتعدى على ما قدمه لنا شهداؤنا، بصلابة مقاتلين أشاوس،هم بنيان متماسك متلاحم تراصت لبناته حتى أصبحت صرحاً قوياً يعُزّ على الطاغية وأزلامه دكّه بترسانة معززة بكل أنواع العتاد. فضلاً عن ما يحمله ذلك من إيحاءات قوية وعِبرة لأي عدو خارجي أو داخلي تسوّل له نفسه المساس بكرامتنا وسيادة أراضينا الليبية.إنما يتأتى ذلك كله بالمضي في طريق الديموقراطية عبر نظام انتخابي تمثيلي، أي، الالتزام بالشرعية التمثيلية المستندة إلى إرادة الشعب كما تعبر عن نفسها في صناديق الاقتراع ويقننها الدستور. وبما أن الشعب هو مصدر شرعية أي سياسي أو حاكم. فمن المحتم تهيئة البيئة السياسية لتنبثق منها الحكومة المنتخبة بعد مرورنا بالمرحلة الانتقالية وإدخال إصلاحات سياسية تتناسب مع تطلعات شعبنا اعتماداً على تجارب سياسية لبلدان مرت بنفس الظروف والمحن وأثبتت تقدماً وحققت نجاحات في كل الميادين. فحياتنا السياسية كان يعمّها القحل، ولا نتوفر على مؤسسات فعلية تراقب عمل الحكومة ولا دستور يقولب قوانين تقنن للعمل السياسي كأحزاب حرة وتيارات سياسية تبرمج لمشاريع إصلاحية وتوعوية وإن كان هناك أي نوع ما يشبه المأسسة فهو مائع لا يسمن ولا يغني من جوع وإنما للتمويه واللعب بعقل المواطن للتنفذ والإيغال في قمعه. وعليه تصحرت البيئة السياسية، فنتج عنها فقر مدقع حال دون التمتع بممارسة حياة يشارك فيها كل ألوان الطيف السياسي. ومن الشطط والإجحاف القول بأن بناء الحياة السياسية في ليبيا هو من السهولة بمكان، فبؤس التجربة السياسية هذا لا محالة أنه سيساهم في تعثر تدشين الخطى الأولى لضبط الأمور في بناء الدولة على الصعيد السياسي والاجتماعي. لذلك تتحتم علينا الجدية اللازمة في أمور الإصلاح والتآزر وهي أشياء لا تنتظر واختيار الكوادر المؤهلة للاضطلاع بالمسؤليات الجسام بتحقيق مقولة الرجل المناسب في المكان المناسب، المقولة التي عبث بها النظام السابق أيما عبث، بحيث أجهض قدراتنا وهمّش مثقفينا ومبدعينا وحاول اجتثاث مبادئنا وإحباط مواهبنا والحجرعلى عقولنا وأطلق لعنجهيته العنان وضيق سبل العيش فأحكم حلقاتها. كما تحكم بمصيرنا بحل الجيش الليبي وتحويله لمؤسسة عسكرية تحتكر السلاح والعنف، لكتائب تحمي أمنه الشخصي فينكب جاهداً على مواصلة ممارساته السياسية والتدخل فيها ورفض أي توازنات داخلية تحد من سلطته، سياسية كانت أم غير سياسية، ويتبرّم بكل ما يمكن أن يثنيه عن التفرد بالسلطة كما يحكم بقبضته الفولاذية المجتمع، فيوحي بأن خصم بلاده داخلي وليس خارجياً.وفي هذا الصدد لا بد من إعادة تنظيم الجيش المنوط به الالتحام مع الشعب وعدم التماهي مع الحاكم وألا يتدخل في تقرير سياسة الوطن ودون أن يكون طرفاً في الصراعات السياسية فيه. لذلك اعتماد جيش بدل مؤسسة عسكرية يحمي الوطن ويدافع عن وحدة شعبه ولا يحكمه بشكل مباشر أو غير مباشر هو أمر ضروري لايمكن الحياد عنه. إذ غرقت مؤسسة ليبيا العسكرية في سياسات معادية للشعب، كان مصيرها الفشل والإخفاق، وتجاهلت فداحة الثمن الذي تدفعه وبالتالي ندفعه نحن، والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين. هذا إلى جانب أن الحكومة كانت تعترض على ما لا يروق لقيادتها كتأسيس الأحزاب بذريعة الدفاع عن ليبيا وحماية وحدتها الداخلية وأمنها القومي، وهذا هو جوهر مأساة ليبيا الحقيقي. لذلك تحويل الجيش إلى جيش محترف مهني هو شرط ضروري لنجاح الثورة الشعبية الديموقراطية وتحويل الدولة إلى قوة تكرس لحرية المواطن وتكفل حقوقه وازدياد مساحة الوعي لديه بعد خضوعه لمؤسسة كانت مصدر بؤسه وعقبة تعرقل تقدمه وحريته.وبما أن الثورات ظواهر طبيعية نتيجة الاحتقان والنظام الهش ونتيجة التململ الشعبي فكانت هذه الثورة الفذّة التي لم تكن لها أدبيات ولا صورة واضحة. إذ كان عنصرها شباباً طامحاً للتغيير ملّ عقم النظام وتهميشه له. ومن الإنصاف إقصاء مقولة الأجندة الخارجية عنهم بنسبتها المئوية التي تحمل في طياتها الطعن في نزاهة الثورة والنيل منها.ألا ننقطع عن الماضي باستيعاب الدروس وعدم تناسي محاسبة أنفسنا حتى وإن كنا تحت قمع، كما لا يجب إهمال وتعمد نسيان محاسبة المخطئين بالتلاعب بعواطفنا وإثارة الشفقة لتجاوز جرائم ارتكبت في حق مواطنينا. وعدم التسامح في ممارسات الاستحواذ على المال العام والربح السريع على حساب خزائننا واستغلال الوظيفة للوصول إلى مآرب خاصة ففرعوننا لم يجد من يصده، وسد المجال على محاولة إيجاد تسويات ملتوية لأي كائن من يكون تحت بند المصالحة الوطنية والتنصل من المسؤولية. ولا تثنينا عن المحاسبة إعادة أموال الدولة، ولا تغرينا فتموهنا ونغفل الشق الجنائي المتمثل في حق المجتمع، وهذا ما تضطلع به النيابة العامة. وكلنا سواء أمام القانون ويدركنا أينما نحن.’ إعلامية ليبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية