برهان الخطيب: السيرة الذاتية.. داخلية وخارجية

حجم الخط
0

بروكسل ـ ‘القدس العربي’: قبل أيام، وبدعوة من الصالون الأدبي العربي لبروكسل في دورته الخامسة، تحدث الروائي برهان الخطيب في موضوع سيرته الذاتية، إضافة لحديثه الآخر عن راهن الرواية العربية، وذلك بطلب من اللجنة الإدارية للصالون، لكن الخطيب شاء تجاوز تجربته الذاتية إلى تجربة غيره أيضا، فكانت هذه الكلمة التي أشاعت المرح غير مرة بين الجمهور المستمع إليه..هنالك سيرتان لكل شخص، داخلية وخارجية. الداخلية تغطي المشاكل، الأفكار الأساسية، كفكرة الخلق، تحقيق الذات، العلاقة بالسلطة، بالصواب والخطأ، كيف واجهت الشخص، كيف تفاعل معها، استقطبته، بمعنى استسلم لصورتها السائدة، أو ابتكر تصورَه عنها، وكيف أثر ذلك في حياته، أو في غيره. أما السيرة الخارجية، فهي إضافة لاستيعابها الداخلية تتضمن ماذا أنجز في حياته، كماً، أكثر مما بالكيف، الكيف لا تعني هنا طبعا الطرب، بل بلوغ الأرب، متى، وعلى أي مستوى. عادة يُطلب منا تقديم استعراض للسيرة الخارجية. الداخلية تعتبر شأنا خاصا، متحققة ضمن وضعنا الاجتماعي. مهذبون أو.. لا، ذلك كاف لتعريف اجتماعيا! زوغان عن ذلك عيب، تجديف. و لو التجديف والعيب وراء ستار ما اهتم أحد بذلك. خارج المألوف تبدأ محاسبة. فعن أي سيرة داخلية نتكلم! هي شبه محرمة في الشرق، بل وأبعد. نُظهر القليلَ غالبا، ونخفي الكثير. هكذا قد تكشف السيرةُ الداخلية أسرارا لا نستطيع كشفها. كذلك تقتضي السيرة الذاتية مراقبةَ النفس والعالم، متابعة التغيرات الفكرية، ومع تراكم المعرفة يُعاد إدراك المُدرَك، فيكون تغير المدرِك من الداخل، بعد أن كان من الخارج. ذلك متيسر لقلة، لثبات حياتِنا الفكرية عادة على المعدل المتوسط، أكنا داخل أو خارج منظومة فكرية، في سلطة أو خارجها.باختصار نادرا ما نغير أفكارنا، بتصحيح طوعي منا. فلا سيرة داخلية سوى استثناء. ثبات القيم الاجتماعية العامة، وقيم مجموعة ننتمي إليها، يؤطر أفكارنا، ضمن حدود نعتاد عليها ونرتاح فيها، لا نتجاوزها غالبا إلى الاستثنائي. بتعبير آخر، سبب غياب السيرة الداخلية لشخص هو عدم ثراء أو تنوع حياته الداخلية، بفقر مادي كابح، لا ندخل في أسبابه هنا، أو بكسل روحي منه، سببه شخصي غالبا. زد على ذلك غياب الانتقاء تقريبا في حياتنا العلنية، كما في الديمقراطية حين لا تكون نظيفة. ذلك يجعل شخصا ينشأ ويموت وهو فكريا في نفس المكان والزمان. بل قد يدهش كيف يمكن تغيير الرأي طوعا؟! تغير يمكن أن يحدث بإكراه، كما في فترات عدم الاستقرار الاجتماعي والحروب.كثرة رفعت شعار ‘مع الدولة.. أو الحزب، على صواب أو خطأ’ على نهج ‘مع أخي على ابن عمي’ فتحول أداة التغيير، حزب ما، سلطة ما، فكر ما، إلى عشيرة أو طائفة، إلى أداة تخريب بالتالي للعام المشترك. في ذلك أيضا أحد معاني عدم اهتمامنا بالسيرة الداخلية.تبقى علاقة الفرد والمجتمع متراكبة. نعم، ضروري تبني نظام أو حزب طموحات الناس وحاجاتهم المادية والروحية، تفكيرهم الحر، ضمن ضوابط إشاعة الحكمة بينهم، لا البأس من فوقهم.جمود حياة وتعاستها، خاصة وعامة، من نزعة إرغام مقابلنا، وامتثال منا. إنه بلاء اليوم والغد.التفاعل، بين الإرغام والموقف نحوه، إرغام من سلطة أو جهة لا نعرفها جيدا، يرسم السيرة الذاتية لحريص على تحسين الحياة، ذلك يتطلب روحا متحررة، أراها محافظة على القيم العالية، الصدق، النزاهة، احترام المختلف، ولا أقول محبته، لأن من حقك أن لا تحبه، تلك مسألة ذوق، لكن ليس من حقك أن لا تحترمه، خاصة حين يكون تصرف المختلف محترما. روح هي إذن مؤمنة بجدوى القيم الوسطية، مقاومة لشرور متزايدة مع تزايد قهر، مع نزعة مادية لحضارتنا، تسبب تلوث البيئة، استفحال مشاكل اجتماعية وحروب. كل ذلك ينحت في السيرة الداخلية، يرسم بورتريه ذاتيا، أنهيه بعرض خلفيته، أي وضع حضارتنا.حضارتنا، تحديدا القوى المؤثرة فيها، تضع المكونات التي تريدها على هذا الجانب من معادلتها، أي ما يصب في مصلحتها، وتهمل الطرف المقابل، هكذا رأينا على الساحة العراقية والأفغانية وأبعد. بدل المنافسة الأنانية لو اتفقت تلك القوى على فكرة الخير للجميع لرأينا الحال على الطرف المقابل أيضا كما يرام للجميع..أوسع، على ساحة مستقبل الحضارة ككل، نرى انتشار النووي، التفاوت الاجتماعي الكبير، اغتصاب الغابات والبحار، التصحر، قلة المياه العذبة، وغير ذلك كمحصلة، لمعادلة رسمت تلك القوى طرفها الأول خطأ. الأفضل تحديد ماذا نريد؟ علنا، بصدق، ثم تغذية طرف المعادلة الأول، أو التطور الحضاري نسميه، بالعناصر المؤدية للنتيجة المرجوة على الطرف الثاني. صاحب السلاح الأمضى يرد طبعا، هذا كلام أدب، لنا معادلتنا ونحقق النتيجة المطلوبة لنا بالقوة. ضمنا قوة الإعلام طبعا، المناورات، إلى الكذب، بوش صرح مبارك أخبرهم بوجود أسلحة دمار شامل عند صدام، والمصري يقول بوش كذب، من نصدق؟ نصدق الاثنين طبعا، يعني كلاهما كاذب، فالسياسة كاذبة، ذلك مجرد مثال، والتفاصيل لا تنتهي من محنة عراقنا، أمتنا، وحضارتنا ككل. في خلاصة أقول الإصرار على وجود أو خلق عدو لأمة، لتبقى منتجة، نشطة، وأن على العدو الانصياع، هو الذي يخلق النتيجة الخطأ للجميع، خاصة على مدى بعيد. الشريف لا يتنازل عن أرضه وكبريائه لأجنبي. الإغريق، بمناسبة حديث عن التاريخ، حلوا إشكالية العيش من زمان، بتبنيهم النزعة الوسطية، حوّلوا المعارك إلى مباريات رياضية. لكنا نقلب الصورة ثانية، حتى الرياضة والثقافة عموما نحولها إلى سلاح لخدمة أهداف نصف إنسانية، النتيجة ارتباك عيش وأمان وسعي إلى نووي لحماية. أقترب إلى السيرة الخارجية، قبل الانزلاق إلى سيرة عنترة وأبو زيد الهلالي ونقيضهما سيرة الحسين، لماذا نقيضة؟ لماذا عنترة قتل المئات والحسين استبيح؟ بين اغتصاب وصناعة تاريخ فرق تقول ويكيليكس، والقصص تجنح بخيال لتكسب معنى، كذلك قائد كبّوش بهوس من فكرة، لكن الظرف يفرض معناه أخيرا بتفاصيل، ليست ميكانيكية جبرية حتما، بل تعتمد على قدرات الفرد والظرف. كل منهما ينحت في الآخر، وكلما زادت معرفة فرد أي قدرته ترك بصمته أعمق من الظرف في مصيره، ولو خسارة، نيّرة تسطع سيرة، مُظلمة تُلعن، ثم تُكتب وتُشهر. السيرة الداخلية هي سعي الذات لتوسيع حريتها. و.. طبعا، نحن في عالم يتعرض كثير منه لتزييف، من العُملة إلى أطروحات أكاديمية، إلى تصريحات سياسية، ذلك قد يمكن أيضا عرضه في سيرة داخلية، لشخص له محنة بذلك الشأن. إذن السيرة الداخلية هي عراك شخص مع مصيره، ليصنعه بنفسه، بجهده، لعدم قبوله كيفما كان أو مفروضا عليه. ضخ المعنى ممكن في صيغة وأخرى، ليكون صالحا لأسماع مختلفة، لتجنب احتكاك يولد حرارة.سيرتي الداخلية لم أكتبها، لصعوبتها، لصعوبة الحياة التي عشتها رغم نعومتها في الظاهر، أربعون عاما في غربة، ماذا يريد كاتب أكثر من ذلك ليدبج ملحمة. لكن يمكن استشفاف مفردات تلك السيرة مما ذكرت، أي عدم تقبل الحال كما هو، القصد الجانب السلبي من الماضي، ومن الغربة. ولو عدت بفلاش بل كلاش باك إليه، أجد أني حاولت في صغري فهمه جيدا، عبر المدرسة والطريق ومكتبة البيت، لذلك تفاصيل مثل حلقات سلسلة، دوخت والدي ونفسي بالأسئلة، لم أرضخ للسائد، حلمت في فك أصل المادة وتغيير العالم ليكون أفضل للفقراء في البداية، ثم للجميع بعد حين، وما زال الحلم يتسلل عندي من النوم واليقظة إلى الكتابة، وبالعكس. لو صعدت منه إلى سيرتي الخارجية، أي ماذا كان وماذا فعلت، اختصرت مآثري مرة بالشكل الآتي: ما زلتُ حيا. يا للعجب! وليس كما اتفق، بل باختيار الصائب والنبيل الأصعب، كما أفتخر وأقول: توجت حياتي بالبساطة. تاج الفقراء تعلمون. هم أيضا لهم مطلق الحق في الافتخار بحياة شريفة. لكن إلى الأرقام للاختصار:عام 1944 ولدتُ في بيت جدي لأمي، قائم حتى الآن في مركز مدينة المسيب، سبعون كيلومترا عن بغداد، قرب الموقد، على بقعة شهدت ولادة كثيرين من أقربائي، على يد جدتي لأمي، خريجة أول دورة في العراق لتأهيل القابلات المرخصات رسميا لتلك المهنة المقدّرة، مهنة رفعت معرفتها وجعلتها كتومة. سألتها وأنا صبي عن أسرارها، لعلي أتعلم ما ينفعني في كتابة رواية في المستقبل، قالت: استحي، هذا ما كلام لزعاطيط. لكنها لم تبخل عليّ في سرد حكايات مبهرة جعلتني اعترف: سوف أصبح روائيا رغم أنفي. فترةَ الصبا كان لعمي أيضا، عبد الله الخطيب، الباحث والفيلسوف، تأثير عليّ، كذلك لأبي معلم الانكليزية ومدير مدرسة تاليا، ولخالي المتحرر، جميعهم لفتوا انتباهي إلى عوالم غير مرئية لصبيان حارتنا، مع الحارات المجاورة، والحروب بيننا وبينها، رأيتها مصغرا للعالم، وأهل سوق الدجاج الإغريق القدامى، وبغداد أوروبا، ثم بفضل أوروبا والغرب أعادوا بغداد اليوم إلى القرون الوسطى، بل إلى عهد المدن المتناحرة، بينما تخلوا هم أنفسهم عن حكمة أمهم، اليونان القديمة، الوسطية وفضائلها، وتبنوا التحرر الفالت أحيانا، وتغليب المادية على الروحانية، ومركزة أنفسهم وترييف منطقتنا العربية. عام 1962 انتقل أهلي من مدينتنا الأولى الحلة إلى بغداد لمواصلة دراستي الجامعية، حزنّا ليس لأننا فارقنا بيتنا الأول بل لعدم اصطحاب طير السنونو وكتاكيته وعشهم هناك معنا، كنا ننتظر عودته كل عام إلينا وغادرناه، الحياة أخذ وفقدان نعم، مع الأعوام رأيت انها تأخذ من العراقيين والعرب أكثر مما تعطي لهم، فتغلبت عراقيتي وعروبتي على سواهما فيّ. إحساس كان أساس أفعالي لاحقا.عام 1967 تخرجت في كلية الهندسة العراقية بعد دورة تدريبية في مصر، قبل ذلك صدر كتابي الأول ‘خطوات إلى الأفق البعيد’ وما زلت في الكلية صدرت روايتي الأولى ‘ضباب في الظهيرة’ خدمت في دورة ضباط احتياط وعملت مهندسا وخلال كل ذلك الوقت كتبت في الصحافة، صار لي عمود يومي بصحيفة ‘صوت العمال’ ثم أوفدت إلى روسيا مشرفا على دورة تدريب عمال الوزارة حيث عملت، وهناك استقلت من وظيفتي وانضممت إلى المعهد الأدبي وتفرغت للرواية والترجمة والكتابة الصحافية.عام 1975 بعد التخرج من المعهد الأدبي عملت بدار نشر التقدم عشر سنوات، ترجمت خلالها ثلاثة عشر كتابا في الأدب، إضافة لكتب أخرى راجعتها ونقحتها. وكتبت أطروحة في القصة العراقية الحديثة، معتكفا كل الوقت على العمل، بموازاة مضايقات نحوي، تكللت بتسفيري إلى الشام قبل الدفاع النهائي عن أطروحتي بيوم، بذريعة نفاد إقامتي، وهي كانت نافذة فترة طويلة. ثم اعتذروا.خلال العام 1986 عملت في الشام على روايتي (ليلة بغدادية) كما نُشرت روايتي (نجوم الظهر) في الإمارات مسلسلة بمجلة أوراق الأدبية الأسبوعية، وقبيل نهاية العام عدت إلى روسيا لأرى ما صار من شقتي المستباحة هناك، كانت الحرب العراقية الإيرانية ما زالت مشتعلة، أرسلت إلى مجلة ‘الأقلام’ التي راسلتها آخر مقال تضمن: ثمة حروب عادلة وغير عادلة. وأنهيت علاقتي مع الماضي أو هكذا تصورت وجئت إلى السويد أول أيار/مايو 1987، تجنست، أسست دار نشر أوراسيا ونشرت رواياتي: الجسور الزجاجية، بابل الفيحاء، ذلك الصيف في إسكندرية، وغيرها. لم تنته المنغصات، وما زلت أكتب متظاهرا بأن كل شيء على ما يرام، ذلك هو الشيء الوحيد المتبقي ليفعله إزاءها كاتب يحترم نصه.تزوجت وطلقت مرتين، لأسباب قاهرة. وما زلت أبحث عن ثالثةِ الأثافي فهل مَن يدل على الجوابِ الوافيماذا نفعل حين يُسلب خبزُنا الحافينسكت؟ أو نلعن حتى الدواء الشافي؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية