اذهب واسعَ وراء المعني يا عابد الصورة….
وفاء مليحاذهب واسعَ وراء المعني يا عابد الصورة….هكذا تحدث الشاعر المتصوف جلال الدين الرومي عن استجلاء العمق الحقيقي للأشياء والنبش وراء الدلالة العميقة للموجودات وإشباع فضول النفس بالمعرفة.أستعير مقولة الشاعر جلال الدين الرومي هاته لأوظفها في مقام الكلمة، بما أن الكلمة فعل وموقف وتأثير، تتجلي قيمة رسالتها من خلال الأداء الصحافي والإبداعي، إلا أن المجالين يختلفان في توظيف الكلمة كأداة للتعبير، إذ في المجال الصحافي تقتصر علي نقل الخبر ويكون تأثيرها آنيا وزائلا، أما في المجال الأدبي والإبداعي فالكلمة تأتي بعد معاناة ومخاض طويل، لكنها الأبقي والأعمق لأن الكتابة تصبح أصعب وأكثر التحاما بالنفس وإمتاعا..فالأدب يبحث وراء الصور الإبداعية أي وراء المعني.السفر عبر الكلمة هو ما يسكنني، والكتابة هي دائما محاولة اكتشاف ومغامرة أبدأها في الحياة وأترجمها علي الورق، وهي مغامرة متواصلة لا أعرف إلي أين ستقودني، لكني أمارسها بعشق، فهي جرثومة تنخر جسدي، جرثومة عشق مجنون أحملها وأنا ألتحف أرض المدن النائية. البعيدة. بحثا عن أبجدية لوطن اسمه الكلمة وعن ثدي يرضعني لبن العنفوان والسمو ويوقظ في دواخلي معني الحياة.مسكونة بهذا العشق اندفعت وراء الكلمة فكان أول باب أطرقه كمهنة أحترفها هو باب الصحافة المكتوبة، اعتقادا مني أنها ستساعدني علي ممارسة الكتابة الإبداعية، ارتميت إذن بين أحضان التجربة أغرف من مياهها علي المستوي الإنساني والمعرفي والمهني، أحرك بين حين وآخر مجداف الكتابة الأدبية، وجدتني كلما غصت في الكتابة الصحافية أعجز عن الخلق في الكتابة الإبداعية، لذا صاحبني التوتر طيلة فترة التجربة، الشيء الذي جعلني أفكر في حدود الكتابة الصحافية والكتابة الأدبية..فما هي إذن حدود الكتابة الصحافية والكتابة الأدبية؟؟…كانت الصحافة في بداياتها الأولي تتميز بسمة التداخل بينها وبين الأدب، حيث كانت وسيلة ثقافة وأداة لانتشار المنتوج الأدبي بين شرائح واسعة من القراء، فقد بدأ الأدب كأساس من أسس الفن الصحافي في صورة مقال أدبي وفي ذيوع الأسلوب الأدبي في مختلف الكتابات السياسية والاجتماعية والفكرية…إلا أن الصحافة تطورت إلي صناعة تتاجر بالخبر، وأداة لإرضاء المستهلك ساعية إلي تقديم ما يرضي المتلقي دون الالتفات إلي تحسين مستواه الثقافي والمعرفي، مكرسة بذلك ثقافة الهامبرغر أي ثقافة الوجبات السريعة التي لا تعني بالعمق، لأنها مرآة للآني والحالي وسلطتها بذلك فعلية ومباشرة ذات لغة إخبارية تجمع بين اللغة الكلاسيكية ولغة التداول اليومي وهي لغة البين بين، أي لغة الأدب العاجل، الأدب غير الخالد….قد يكون اشتغال الأديب في فترة من بدايات الصحافة يقربه أكثر من الكتابة الأدبية، والأمثلة كثيرة في الأدب المشرقي والأدب الغربي، حيث كانت الصحافة الوسيلة الأساسية لتلميع وإبراز اسم الأديب، فقد بدأت الكتابة الصحافية علي أيدي كبار الأدباء والكتاب الذين ربطوا خيوط التواصل بينهم وبين القراء علي اختلاف مستوياتهم ومشاربهم، كان للأسماء التي تكتب في الصحف الدور الأساسي في تحقيق انتشار هذه الصحف بين القراء، لهذا نجد مثلا في المشرق العربي أسماء كثيرة من الأدباء ترأسوا تحرير العديد من الصحف والمجلات في بداية القرن العشرين، إلا أن التطور الذي حصل في العمل الصحافي وظهوره بالشكل الذي هو عليه الآن وبهذه الوتيرة والسرعة المذهلة في إيقاع العمل والضغط المتزايد أمام الثورة المعلوماتية، لم يعد يساعد الأديب علي شق طريقه كأديب مبدع، بل تأخذه دوامة الصحافة إلي عوالمها ويصبح محاصرا بإكراهات العمل الصحافي المرتبط بالحياة اليومية الروتينية.. غواية السفر من الصحافة إلي الأدب جاءت بعد اكتشاف المدنس والمقدس. كلما توغلت في الكتابة الصحافية أعيش داخل غثيانها اليومي بلغتها المبتذلة وإسهالها المتدفق لأنها تكتب لقارئ عادي متعجل، بمجرد ما يلتهم ما يهمه من صفحات الجريدة يلقي بها وراء ظهره، أما الكتابة الأدبية فهي حسب برناردشو التفكير في الصور ، وبعبارة أخري هي البحث عن الحقيقة بعيدة عن المباشرة، معتمدة علي تجسيد الصور. فالمجال الصحافي الآن يبحث عن الربح السريع دون مراعاة لتحسين ذائقة القارئ، لذا أصبحت المساحة التي تخصص للمجال الثقافي مساحة ضيقة والاهتمام بهذا المجال بين صفحات الجرائد يتراوح بين الإهمال والاهتمام لكن بخجل، ذلك للاعتقاد السائد بركود سوق المنتوج الإبداعي وبالتالي فهو لا يدخل ضمن اهتمامات القارئ العادي.الصحافة تستنزف الطاقات والجهد وتأخذ كل الانتباه والتركيز، واختيارها مهنة للعيش بالنسبة للأديب تحوله إلي آلة تدور رحاها في الممارسات اليومية التي تفقده سموه الداخلي والروحي أمام ضغط إيقاع العمل الموغل في الروتينية…إذن هجرت المجال الصحافي بعد تجربة قصيرة لكنها غنية، استطعت من خلالها تحديد علاقتي بالكلمة والتشبت أكثر بالأبقي والأنقي..أصبحت بعدها أسكن مملكة الأدب لا أخلط بينه وبين الصحافة. حاسمة اختياري. أشق طريقي عن عشق. مسكونة بهاجس الإبداع وبقدسيته. أتشبت بالعبارة الشاعرة. أولد فيها وأنبجس.أقرأ. أتأمل. أنصت. أناجي الإنسان. أصغي إلي خفقان الكون ثم أكتب. أكتب للحلم ولرقصة الزهرة عند انبلاج الفجر. أمارس الحب مع اللغة. مع الحروف. حين تأتيني ذات نشوة توقد فيّ كل مشاعل فتنتها. فرحها. ألقها. حينها أركض حافية القدمين فوق أرض اللغة العربية مفتونة بالدخول في صلب الأشياء. أستشرف الإنسان في حقيقته. أستشرف الحلم. أستشرف الوجدان. أقتحم قلاع الأدب وأباغت حصونه. هو ذاك السفر من أجل تأمل الحياة من الداخل وتجاوز ألمها.لكن في زمن ثقافة مضرجة بدماء التدجين، أصبح الكل يحمل القلم ويكتب، ساعدت الصحافة بمنابرها الإعلامية في نشر أفكار المثقف المدجن وفي تعميم الفوضي والتشويش علي الثقافة الحرة، صار المثقف المبدع أكثر عنفا وضراوة من السلطة. هذا الضباب الذي يغشي سماء الثقافة والأدب والذي تساهم فيه الصحافة بشكل كبير فيما برز هنا وهناك من أعمدة علي صفحات الجرائد لكتاب وشعراء لن يمنع من التشبت بالحلم، الحلم في الفكر والإبداع و من وجود مبدعين يخلصون فقط للإبداع، لأن الأدب في جوهره يبحث في القيم الجميلة للإنسان وفي إنسانية الإنسان. نحن في زمن متوتر، منطلق، تحركه المادة صعودا وهبوطا، نحتاج لكل أدب يغذي الحلم ويثري الروح وإن كان يساهم بشكل غير مباشر في ذلك، لأن سلطته لا تبرز في حينه، ذلك أن تأثيره يبقي لأطول أمد، لأنه يبحث في القيم والوجدان لا في الأحداث. علاقتي إذن بالصحافة كانت لأعبر إلي جسر الأدب، في البداية اعتقدت أن ممارستها ستسهل لي العبور، لكن اتضح لي بعد ذلك أن الانفصال عنها هو الذي سيؤهلني أكثر لخوض تجربة الكتابة الأدبية بعيدا عن المؤثرات الخارجية للصحافة..لكن أعتقد أنه إذا حرص الكاتب علي التخصص في الإعلام الثقافي سيحمي بالتأكيد كتابته الأدبية من اعتداء العمل الصحافي بحكم تواصله مع الأدب، حيث سيستمر تعاطيه للأدب كتابة إلي جانب مزاولة مهنة الصحافي المتخصص في المجال الثقافي.عموما الصحافة اليوم التهمت أقلام الكثير من الصحافيين الذين بدؤوا أدباء وانتهوا في المجال الصحافي. طه حسين يقول: الصحافة مفسدة للأدب ، لأنها علي حد قوله تؤثر سلبا علي اشتغال الأديب المبدع وتأخذ جل وقته وتركيزه. وللكاتب الأمريكي الراحل ارنست همنغواي الذي مارس الصحافة والأدب معا، مقولة في هذا الباب: إن الصحافة هي مقبرة الأدباء إذ من الصعب علي الكاتب الصحافي أن يبدع إبداعا خالصا ذا مستوي فني عال في الأجناس الأدبية، علي عكس الأديب المتفرغ من العمل الصحافي. غالبا ما يجد الكاتب الصحافي المرتبط بمهنة الصحافة نفسه مجبرا علي تأجيل أعماله الأدبية إلي حين، وهذا الحين غالبا لن يأتي لأن الأديب المبدع يموت مع مرور الوقت، وينمو الصحافي كاتب المقال وفي أرشيف بيته أنصاف أشعار وقصص وروايات مركونة في إهمال. كاتبة من المغرب