رفقي عساففيلم المخرج ‘جافين أوكونور’ ‘المحارب’ يبدو للوهلة الأولى فيلم حركة عادي، فاسمه وملخص قصته لا يدلان على غير ذلك، ولكن ما أن تبدأ بمشاهدته، حتى تكتشف بأنك أمام فيلم إنساني عميق بامتياز. فيلم يتناول المجتمع الأميركي بعد حرب العراق وفي خضم الأزمة المالية، ليروي قصة أخوين، أحدهما مواطن عادي، أستاذ الفيزياء ‘براندون’ الذي أنهكته الأزمة المالية في ظل مرض ابنته الصغيرة، ويجد نفسه على شفا خسارة بيته، والآخر جندي البحرية (المارينز) تومي، العائد من حرب العراق بعد أن قام ببطولات عسكرية ولكن أثناء هروبه من الخدمة، الشقيقان مقاتلان سابقان في لعبة الملاكمة الحرة (الكيك بوكسينغ)، رباهما أب سكير، يعودان للعبة كل لأسبابه الخاصة، ليجدا نفسيهما في بطولة العالم معاً، في ترميز عبقري للمواجهة ومعرفة البطل الحقيقي في عالم اليوم، هل هو الجندي والمقاتل الشرس، أم هو أستاذ الفيزياء كمثال للمواطن العادي الذي يكافح كل يوم ليحافظ على أسرته ومنزله من الضياع والإفلاس.الجميل في الفيلم، أنه يقدم لك رؤيته الفلسفية دون أن تشعر، بل يقدمها في قالب مثير جداً من الحركة في فيلم قتال ممتع ومشوق ومليء بعناصر الجذب المعتادة سينمائياً والتي ستجعله قِبلة للجمهور العادي، ولكنه بسلاسة يمرر فكرته القوية والغنية، عن مجتمع أميركا اليوم. ما بين سخط المحاربين العائدين على المجتمع، كما كان الأمر في فيتنام، ويتجلى هذا السخط في مشهد القتال، وبين معاناة المجتمع من تبعات الأزمة الاقتصادية، ويتجلى هذا في أسلوب ‘براندون’ المعتمد دائماً على المقاومة والصمود.السيناريو الذي تولى كتابته المخرج أوكونور نفسه، بالتعاون مع أنتوني تامباكيس وكليف دورفمان، بناء على القصة التي كتبها دورفمان وأوكونور، سيناريو ذكي وعميق في رموزه، وفي مزجه المدهش بين ثلاث مستويات للقصة، المستوى التشويقي العالي، لقصة مكررة عن عودة بطلي ملاكمة، والمعالجة الإنسانية المبدعة لهذه القصة من خلال ماضي البطلين وعلاقتهما بأبيهما الذي كان سكيراً وسخطهما عليه، والمستوى الثالث هو المستوى الرمزي العالي جداً، حيث تناول فكرة أبطال الحرب، وأبطال المجتمع، وحيثيات ما يجري في المجتمع الأميركي اليوم، وتقديم المواطن العادي كبطل حقيقي جنباً إلى جنب مع أخيه الجندي في أسلوب تلميعي برعت فيه هولييوود دائماً، ولكن والحق يقال، ليس إلى هذا الحد.اختيار الممثلين جاء من أفضل ما في الفيلم، فالقرب في الملامح واضح بين توم هاردي، الذي تولى دور تومي، وجويل إدجيرتون الذي أدى دور براندون، فيما جاء اختيار المبدع نيك نولتي في دور الأب خياراً رائعاً أضفى من خلاله الممثل الكبير ثقلاً إلى الفيلم وترشح عنه دون فوز للعديد من الجوائز، كما تميز برأيي فرانك جريللو، في دور فرانك مدرب براندون. إدارة التصوير تولاها الياباني ‘ماسانوبو تاكاياناجي’، الذي سبق وأن شارك كفني كاميرا في الجزء الياباني من فيلم بابل!، وهاهو اليوم يقدم فيلمه الهوليوودي الأول كمدير تصوير بتميز كبير، الموسيقى لمارك إيشام، الذي سبق أن قدم موسيقى فيلم ‘كراش’، جاءت موسيقى مميزة ومعبرة جداً عن اللحظات الإنسانية الكثيرة في الفيلم، أما المونتاج في الفيلم فتولاه أربعة مولفين دفعة واحدة، شون ألبرتسون ومات تشيز، وجون جيلروي وآرون مارشال، وأعتقد بأن ذلك يعود لوجود العديد من المشاهد ذات النوعية الخاصة في الفيلم، تحديداً مشاهد مباريات الملاكمة الحرة.المحارب، فيلم يحاول أن يقول لنا بأننا لا يجب أن نكون جنوداً لنكون أبطالاً حقيقيين، يكفي أن نكافح من أجل حيواتنا وعائلاتنا، ونقدم دورنا في المجتمع لنكون أبطالاً، لأن صورة البطل الحقيقي ليست في قوته ولا شراسته، بل في صموده ومقاومته وكفاحه من أجل من وما يحب، والرجولة الحقة تكون بالحب والعطاء أكثر من أي شيء آخر، وبأن علينا في لحظة ما ان نتوقف أمام الماضي، ونسامح، ونطوي الصفحة، لأننا جميعاً في مركب واحد، إذا غرق فسيغرق بنا جميعاً، وإذا نجا، فسيصل بالجميع إلى بر الأمان.* شاعر ومخرج أردني/فلسطين