الحياة السياسية الباكستانية «فيلم هندي» لا تظهر له من نهاية، وليس من الأكيد أن ثمّة حبكة فعلية تمسكه. فمن الصعب أن يكون لمفهوم «الأزمات» دلالة وفائدة عند تناول تاريخ هذا البلد السياسي. فمنذ تشطير شبه القارة الجنوب آسيوية بين دولتين عام 1947، وإلى اليوم، لم يمرّ يوم طيلة الثمانية عقود الماضية كانت الدولة التي حلم بها إقبال اللاهوري، وأسّس لها محمد علي جناح، خارج الأزمات.
من غير المجدي في المقابل استقراء طبيعة المشكلة في باكستان من المعدّل المقدّر لها حسب «جدول مؤشر الدول الهشّة. « فمؤسسات الدولة الباكستانية على تصدّعها وكثرة تعطّلها ليست صورية أو كرتونية كما في بعض أنظمة «الحزب – الدولة» أو «العصبية – الدولة» في العالم الثالث. المحكمة العليا، أعلى الهرم القضائي، في إسلام آباد، تمكنت على مرّ المنعطفات من إيجاد حيثية جديّة لها. التاريخ البرلماني للبلد متعرّج، ومتقطّع، لكنه متوفّر وغير هامشيّ. الانتخابات قلما كانت فيها الأطراف المتنافسة تحظى بالعدالة من حيث الشروط المتوفرة لكل منها لأجل خوض الاستحقاق، لكنها لم تكن مع ذلك، في غالب الأحيان مقرّرة النتائج سلفاً، وعلى طول الخط.
والفدرالية في هذا البلد ليست على الورق فقط، ولو أن حملة مشعل الفكرة الباكستانية حاولوا من الأساس «فرض المستحيل»: إقامة المجانسة اللغوية بفرض اللغة الأردية كلغة توحيد وطني، في عملية بناء الأمة. دستورياً، الأردية هي «اللسان القومي» الوحيد. لكنها اللغة الأم لأقلية من 7 في المئة من السكان، هم بمعظمهم ممن هاجر من الأقاليم التي باتت تشكل «الهند» المستقلة بعد طي صفحة «الراج» البريطاني. المفارقة أن عدد المسلمين الذين يتكلمون الأردية في الهند نفسها اليوم يزيد عن ضعفي عددهم في باكستان، التي تأسست أساساً بدعوى أن يتمكن المسلمون فيها من أن يتكلموا الأردية بحرّية كلغة لأمّة، لا لأقلية. وهذه المفارقة فرع على أصل، وهو أن التنشيط من أجل إقامة باكستان كان ملحوظاً أكثر بين مسلمي المناطق التي باتت تشكل الهند اليوم، وليس في المناطق التي «استقبلت» فكرتهم بالنتيجة. ترك هؤلاء المتكلمون بالأردية ديارهم، لكنهم لم يتكمنوا من إقناع غالبية، المستقبلين لفكرتهم عن وطن خاص بمسلمي شبه القارة، أن يهجروا لغاتهم المناطقية ويقبلوا على الأردية. ولا هم استطاعوا إقناع أو حث أخوتهم في الدين وفي التحدث بالأردية من أن يتحولوا مثلهم إلى «مهاجرين» إلى «المدينة» الجديدة. خلفوا وراءهم في الهند نفسها زهاء مئتي مليون مسلم اليوم. أكبر أقلية دينية في العالم. أما في باكستان، فقد احتفظ كل بلغته، وحتى الكلام بالأردية كلغة ثانية، عابرة بين المناطق، فلا يجيده إلى الآن أكثر من ربع الباكستانيين. الكتلة اللسانية الأكبر منذ انفصال بنغلاديش (وكانت المشكلة اللغوية مفجراً للتناقض بين الجناحين الشرقي والغربي وقد فصلت آلام الكيلومترات بينهما) عن باكستان هي للسان البنجابي، ومعظم سكان باكستان اليوم هم من البنجاب، الذي ذهب خمسه إلى الهند (الأكثرية في البنجاب الهندية للسيخ، يليهم الهندوس). وسط العوامل الكثيرة التي تدفع في اتجاه الهشاشة، يشكل الثقل البنجابي عنصر تماسك محوري لباكستان، رغم ما يستثيره ذلك من حنق الأقاليم والثقافات الأخرى، ورغم أن توطيد الهوية الثقافية لشعب البنجاب غير قادر من أن يعبر عن نفسه بالكلية، إذ عليه أن يتعايش مع الهوية الجامعة الباكستانية، التي كثيراً ما تبدو أنها مصطنعة، أو أقلّه إرادوية.
الحياة السياسية الباكستانية «فيلم هندي» لا تظهر له من نهاية، وليس من الأكيد أن ثمّة حبكة فعلية تمسكه. فمن الصعب أن يكون لمفهوم «الأزمات» دلالة وفائدة عند تناول تاريخ هذا البلد السياسي
ورغم أن موضوع التعايش بين اللغة الرسمية «غير الأم» للسواد الأعظم من الباكستانيين غير «المهاجرين» منهم من الولايات التي باتت تتشكل منها الهند، هو موضوع مثار بشكل عاصف منذ الانفصال- الاستقلال، إلى اليوم، فالأمّية في باكستان لا تزال بحدود الأربعين بالمئة من السكان، وهي أعلى نسبياً من حال الأمّية في الهند، وربما حتى في بنغلاديش. وهذه الأمية تحولت في الأيام الماضية إلى موضوع مرتبط مباشرة بالنزال الانتخابي التشريعي. إذ حرمت لجنة الانتخابات الباكستانية حركة الإنصاف التي يقودها الرئيس السابق عمران خان من سجنه، منذ اعتقاله في الربيع الماضي، من الرمز الانتخابي الخاص بها، وهو كناية عن مضرب كريكيت في إشارة إلى هوية خان سابقاً، كنجم لهذه اللعبة التي يصعب أن يلاقي النفر غير الناشئ في بلدان الكومنولث البريطاني أين تكمن حلاوتها، ولماذا ينقسم الهنود والباكستانيون حول كل شيء، إلا الكريكيت يمضون الساعات الطوال يتابعون مجريات بطولاتها.
حرمان حركة الإنصاف من رمز مضرب الكريكيت كانت الغاية منه حرمان الملايين من الأميين من القدرة على التعرّف على الخانة التي ينوون الاقتراع لها، ما اعتبر تمييزاً مقصوداً بحق جزء أساسي من الأمة، أقل بقليل من نصف ناخبيها، ومعظم الناخبين الذين ينوون الاقتراع لخان.
فالأخير نجح في تقديم نفسه على أنه داعية عدالة اجتماعية، مع شيء من المسحة الإسلامية الخفيفة، التي لا يشي نمط حياته بأن لها قالبا عقائديا يسندها. بمثل ما أن السياسات التي أتُّبعت يوم كان خان في الحكم لم تحد عن منهاج النيوليبرالية بشكل جدي. إنما للفقراء في هذه الدنيا، وكلما أتيحت لهم مواسم انتخابية، أسماء يشعرون حيالها بالحاجة الى «تبادل الودّ». وعمران خان أحسن من فهم ذلك.
ما لم يتمكن عمران من إدراكه هو أن المؤسسة العسكرية الباكستانية مزاجية. قد تتقاطع معه في لحظة ضد نواز شريف، ثم توصي بحبسه وتعطي الضوء الأخضر لتجميد الملاحقات بقضايا الفساد ضد شريف، وتسهل للأخير الأمور لكسب السباق، وإن لم يتمكن من ذلك، يعاد فينظر في كيفية تمكينه بشكل آخر!
الجيش في باكستان ما زال اللاعب السياسي الأول. يغضب من هذا ويبعد ذاك، ويسند هذه الفئة على حساب تلك. في المقابل، ما عاد مطروحاً أن ينقلب العسكر على اللعبة السياسية جملة، ولا تنصيب واحد منهم للحكم مباشرة، ولا هم قادرون على إقامة شراكة جدياً مع أي كان من القوى السياسية لتشكيل رؤية.
بالمطلق، ليس من مصلحة العسكر أن تقوى «الرابطة الإسلامية» بقيادة نواز وشهباز شريف على حساب دورهم هم. فهي تتمتع بقاعدة زبائنية محافظة قوية في البنجاب، وقوة الرابطة ستزيد من الطابع الطرفي لبقية الأقاليم نسبة للبنجاب، بل إعادة العاصمة اسلام آباد إلى بيت الطاعة البنجابي هذا. فالعاصمة لم تُفصل عن ولاية البنجاب إلا عام 1981 لتشكل بعد ذلك التاريخ إقليماً إدارياً منفصلاً. لكن ما إسلام آباد أساساً؟ لا يصل عدد سكانها كمدينة لمليون نسمة، في بلد من 240 مليون نسمة!
أما كبرى مدن باكستان فهي بعيدة تماماً عن البنجاب كله. هي على ساحل السند: كراتشي التي يتراوح عدد سكانها بين 15 مليونا و20 مليونا حسب المدى التي يمكن اعتباره داخل فيها كمدينة. والسند تقليدياً هي معقل لسلالة بوتو ولحزب الشعب. مع أنه يصعب القول إنه لآل بوتو في موطنهم السندي ما لآل شريف في البنجاب من قوة ولاء اجتماعية محافظة ومثابرة. وبالنتيجة، لا شريف بمستطاعه الوصول «شعبياً» إلى السند، ولا آل بوتو وسواهم من خارج البنجاب كان باستطاعتهم الوصول شعبياً إلى البنجاب.
الاستثناء الوحيد في كل تاريخ باكستان في هذا المجال شكله عمران خان. ليس فقط لنجوميته الرياضية في الأساس، ولا لأنه عرف كيف يبني على خطاب شعبوي، احتجاجي اجتماعي، وذي نفحة إسلامية، بل اقترن بشيء من مناهضة الإمبريالية فوق ذلك. بل كذلك لأنه مولود في البنجاب، إنما من أسرة باشتونية، وقادر في وقت من الأوقات على محاكاة النمط الشعبوي الذي شكله ذو الفقار علي بوتو، ما لم يجده أي نفر من ذرية هذا الأخير. لأجل ذلك، عندما يجري «قمع» عمران خان بالأحكام القضائية المتتالية، وتجري المحاولة لحرمان حركة الإنصاف من التمثيل الشعبوي الذي يعود لها، فهذا يعني بشكل أو بآخر قمع جهاز الدولة الباكستانية، القضائي والعسكري، لظاهرة تفيد بأن الهوية الوطنية الباكستانية قابلة لأن تنوجد بالفعل، وليس فقط «من فوق إلى تحت» ولو بعد 77 عاماً على قيام الدولة.
كاتب من لبنان
عمران خان يشكل نمط لرجل الدولة خارج آطار المناطق والآقطاع السياسي. هو أمل باكستان نحو بناء دولة حديثة وعصرية متحلل من الهيمنة الأمريكية وبعيد عن المؤسسة العسكرية. هل ستنجح هذه الحركة ؟ من الصعب أن يقول القضاء الباكستاني كلمته الأخيرة، القرار للمؤسسة العسكرية.
لأن الإشكالية عندما، يرفض أي طرف، إنجاز أي شيء، وفق خطة زمنية محددة، كما هو حال هذا المصري (التسعيني)،
وفي الجانب الآخر، وهنا إشكالية كل مقاول، مع أي حكومة أو دولة، عندما يُنجز أي شيء، في الموعد،
ويجد المسؤول قد تصرّف، في أموال ميزانية المقاولة، كما حصل معنا في (السودان)، شركة صقر قريش، فأفلس بالنتيجة معنا، ست مصارف/بنوك، بسبب سوء الإدارة والحوكمة (داخل الدولة السودانية (المُفلسِة) في كل شيء، الآن).🫣🤭🤣🤯
لتوضيح أهمية لغة الأولويات، وموقع لغة القرآن وإسلام الشهادتين، عند إتخاذ أي قرار في عصر الآلة/الروبوت/A.I.،
حتى تستطيع التمييز بين ذكاء الإنسان، عن ذكاء الآلة، عن ذكاء الحيوان، في الوصول إلى تعريف معنى القرار الأصح في أي سياق، عند إدارة وحوكمة أي دولة أو وزارة أو محافظة أو شركة أو أسرة، على أرض الواقع، لمن يبحث عن حلول إلى الإشكالية، في أزمة الإدارة والحوكمة (الأتمتة/Digitisation)، هل هي الحل أم المشكلة؟!.🤨😉
🤑🙉🙊🙈🇺🇳📟✒️📓
مقال ثري بالمعلومات لعموم القراء العرب الذين يسمعون بالباكستان ولم يزوروها او يدرسوا تاريخها.