خطة ترامب للسلام المكونة من 20 بندا، يتم نعتها بشتى الأوصاف: بعضها إيجابي، والباقي سلبي، والبعض الآخر هو مزيج مثير من الاثنين معا. ومع مرور الأيام وتطور الأحداث، التي ستملأ الفراغات المقصودة في الوثيقة، ستحصد مزيدا من المديح.. ومزيدا من النقد.
كلمة وقاحة (Chutzpah)، التي يبدو أنها من أحبّ المفردات لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تلائم تماما المجموعة المتنامية من الصفات، التي تُطلق على هذه الخطة، إذ إن هذا المخطط المزعوم للسلام يجمع بين اعتراف صريح باتساع رقعة الخسائر التي مُنيت بها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023، ومحاولة جريئة للحد من هذه الخسائر إلى أقصى درجة ممكنة، في أهم موقع بالنسبة للدولة العبرية: بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن.
جرأة واضعي النص النهائي تظهر بوضوح في استبعاد حركة «حماس» كليا من عملية التفاوض، وأيضا في البند الأول، الذي يطالب الحركة بالإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيليين خلال 72 ساعة، من اعتماد المقترح، تحت تهديد تدمير غزة نفسها، أو ما تبقى منها. أما بقية البنود، فحتى حين تبدو وكأنها تميل لصالح الفلسطينيين، فإنها تفعل ذلك نيابة عن شعب حاضر في النصوص، لكنه صامت تماما على صفحاتها. حماس اليوم في القاهرة تتفاوض على لوجستيات تنفيذ هذا الإنذار، لا أكثر، وبعد إبعادها عن المحادثات الجادة، فهي مدعوة الآن لتنفيذ شروطها. وكأنّ الثنائي الإسرائيلي ـ الأمريكي يريد تحدي مسيرة التاريخ وإعادة عقارب الزمن إلى الوراء، ومعها كل التحولات الجديدة التي شهدها العالم، فهم لا يسعون لإعادتنا إلى السادس من أكتوبر 2023 فحسب، بل إلى البدايات الأولى للصراع على فلسطين، حين أفلتت إسرائيل، في أعقاب نكبة عام 1948، من تبعات ارتكابها للتطهير العرقي، الذي هجّر نحو 750 ألف فلسطيني، وفرضت فيه إيقاع الحياة على المستعمِر والمستعمَر معا، ورسمت قواعد الاشتباك بينهما لثمانين عاما تالية. وربما كانت أهم تلك القواعد هي القاعدة التي لم تتمكن إسرائيل قط من فرضها بالكامل على الفلسطينيين، رغم كل انتصاراتها وغزواتها: «الخضوع لإملاءاتها».
لا تسعى إسرائيل إلى نيل الغفران عن جرائم الحرب التي ترتكبها اليوم – كما نالته مجانا عام 1948 – بل إلى جعل هذه الجرائم بلا معنى، وبالتالي تبقى خارج إطار المُساءلة
الدولة اليهودية، التي تُوصَف اليوم – من قِبَل كل الهيئات الدولية المعتبرة – بأنها نظام فصل عنصري، ومُرتكِبة لإبادة جماعية ومُذنبة بالتطهير العرقي، تبدو – ولأسباب مفهومة – شديدة القلق على الحفاظ على استمرارية ذلك التاريخ. فهي تفعل ذلك على أمل ألا تتغلغل الإخفاقات الأخلاقية والسياسية والدبلوماسية العميقة التي شهدتها خلال العامين الأخيرين، في كل نسيج من أنسجة الدولة. وفي هذا المسار، لا تسعى إسرائيل بالضرورة إلى نيل الغفران عن جرائم الحرب التي ترتكبها اليوم – كما نالته مجانا عام 1948 – بل إلى جعل هذه الجرائم بلا معنى، وبالتالي تبقى خارج إطار المُساءلة. وبعبارة أوضح: من خلال صفقة ترامب، تحاول إسرائيل إعادة فرض هيمنتها، في صراع تاريخي فقدت السيطرة عليه. وكما قال إبرهام بورغ، أحد أبرز الساسة الإسرائيليين التائبين، فإن ما يُسمى مخطط السلام ليس سوى «أداء ساخر للقوة، مغلف بلغة إنسانية، ونص استعماري في عصر العلاقات العامة.» ومن هنا استدعاء توني بلير إلى «الإنقاذ» في هيئة نائب بريطاني معاصر على غزة. إن التعيين الوشيك لهذا المخضرم، في أسوأ تجليات ما خلّفه الاستعمار الحديث في العراق، الرجل الذي يعوّض انعدام حسّه الساخر بوفرة لا تنضب من الوقاحة، يثير حقا نوباتٍ من القهقهة، لكنه يُظهر الروح الإمبراطورية التي تسري في أوصال خطة ترامب، ففي ذهنية هؤلاء الذين ينتمون إلى عصور ما قبل الحداثة السياسية (أي العصور البالية)، تبقى (العقلية) الإمبراطورية، في أوج حيويتها على أرض فلسطين ـ إسرائيل، وبأوضح صورها فجاجة وبدائية.
في عام 2003، كتب المؤرخ والمفكر الأمريكي الراحل توني جودْت، أحد أبرز مؤرخي أوروبا الحديثة، مقالا شهيرا في مجلة» نيويورك ريفيو أوف بوكس»، وصف فيه إسرائيل، بأنها «كيان متأخر عن زمنه». إذ قال إنها دولة إثنو – قومية وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية، تنتمي إلى فئة الدول القومية الأوروبية التي نشأت من رماد الإمبراطوريات المنهارة، عقب الحرب العالمية الأولى، فهي «استوردت مشروعا انفصاليا من طراز القرن التاسع عشر، إلى عالم تجاوز تلك المرحلة، وهو عالم الحقوق الفردية والحدود المفتوحة والقانون الدولي.» ومن ثم، فإن الخطة – التي يُقال إن نتنياهو أعاد صياغتها بنفسه – لا بد أن تكون هي الأخرى «كيانا متأخرا عن زمنه».
النظام الدولي المترنح قد يكون منح نتنياهو- المطلوب للعدالة الدولية بتهم جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية – ما يكفي من الجرأة لتحدي هذا النظام. لكنه، على الأرجح، لم يفعل سوى ما يجيد فعله دوما، وبمساعدة أمريكية سخية. في الحالتين، يبدو أن نتنياهو أساء قراءة التحولات الجارية في الغرب، الذي يُصّر على ربط مصير إسرائيل به. فحكم توني جودْت على إسرائيل قبل 22 عاما، بات اليوم أشبه بـ»حكمة متفق عليها»، ومن الصعب للغاية قلبها، وهذا ما يفسر الغضب العارم من جرأة الخطة حتى خارج الشرق الأوسط. فحتى المحللين الغربيين التقليديين يشيرون إلى النبرة الاستعلائية التي تتخلل بنودها وشروطها، بما في ذلك تلك التي تدّعي حماية الفلسطينيين في غزة من التهجير، وترفض ضم القطاع «كليا أو جزئيا»، على حد تعبير اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948.
أما حركة «حماس»، التي تبدو وحيدة في الساحة، فهي تقرأ المشهد بذكاء، لقد قبلت خريطة الطريق وتقدم لترامب ما يريده بشدة، أي الاستعداد لإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين فورا، بينما تعمل على كسب الوقت في القضايا الأخرى المتعلقة بالحركة والفلسطينيين عموما. من المستحيل التنبؤ بما ينتظر حماس وشعب غزة بعد تطبيق هذه المرحلة. وبالقدر نفسه، يصعب التنبؤ بما ينتظر الإسرائيليين أنفسهم. على أية حال، قد يشعر نتنياهو برضى كبير للغاية في الطريقة التي تمكن من خلالها من الحفاظ لإسرائيل على الهامش اللازم لتعطيل الاتفاق، إلى جانب انتزاع شروط الاستسلام المفترضة التي يرغب فيها بشدة ليظهر بمظهر المنتصر. ومع ذلك، لا يستطيع الشعب الإسرائيلي في هذا الرضا، أن يرى حتى لمحة عن تصفية القضية الفلسطينية. وهذا درس قاسٍ ربما كان بإمكانهم تجاهله عام 1948 وعلى مدى العقود التالية، لكن لا يمكنهم تجاهله في عام 2025.
كاتبة لبنانية
دس السم في العسل هي المهمة القذرة التي تقودها عصابة البيت الأسود الصهيوني الأمريكي لإطالة عمر عصابة الاحتلال الصهيوني الفاشي الدموي المجرم الذي يبيد البشر والحجر في فلسطين منذ 1948 ✌️🇵🇸😎☝️⚔️
“(العقلية) الإمبراطورية، في أوج حيويتها على أرض فلسطين ..” لا أرى ” امبراطورية” في هذه العقلية بقدر ما أراها خادمة. اذا كانت أمريكا و توابعها الاروبيات امبراطورية و بعقليتها فالارادة فيها قطعا ليست هي من يمليها.هناك من صنع له منها مركبه للسطوة و للهيمنة بعد ترويضه لها.
يبدو من الجنون الذي ابداه امام استعصاء غزة الاسطوري على مثل هذا الترويض انه كان لخشية على المركب اياه. كثير من رعايا تلك ” الامبراطوريات” اهدتهم غزة نظارات.