مع بدء الإعلان عن دخول وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ ظهر الخميس الماضي، بدأت عائلات في مدينة غزة البحث عن مفقودين في الطرقات وتحت ركام المنازل المدمرة، بعد أن شن الاحتلال النازي هجوما مستعرا على مدينة غزة وضواحيها، وقصف المنازل فوق رؤوس ساكنيها، وتعمد استهداف الشبان خلال تنقلهم بين المدن بحثا عن الماء والغذاء. وتركت الحرب أوجاعا كبيرة على آلاف الغزيين ممن فقدوا أبناءهم، عدا عن أكثر من نصف مليون ويزيد عن ذلك ممكن فقدوا منازلهم، حيث يعاني السكان ظروفا نفسية وجسدية صعبة، إثر الفقد الذي تعرضت له الكثير من العائلات، حيث لا تزال الكثير من الأسر تجهل مصير ذويها، بسبب تعمد الاحتلال إعدام الشبان ودفنهم في مقابر جماعية، عدا عن الاعتقال والإخفاء القسري داخل السجون الإسرائيلية.
وتشير تقديرات إحصائية حديثة أعدتها الأمم المتحدة، إلى وجود ما بين 9 إلى 11 ألف مفقود من الرجال والنساء والأطفال داخل قطاع غزة منذ بداية الحرب، في المقابل قال المكتب الإعلامي الحكومي، إن الاحتلال ارتكب مجازر فظيعة بحق المدنيين، وقام بعمليات إخفاء قسرى لجثث الشهداء والعديد من الأسرى، ولا يسمح بتقديم أي معلومات حولهم، وهذا ما كرس من معاناة السكان الذين يواصلون بذل الجهود للكشف عن مصير أبنائهم.
في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تتعدد القصص المأساوية التي تسبب بها القصف العنيف للمخيم، حيث تعرض المخيم الساحلي لموجة قصف للمنازل المأهولة بالسكان، عدا عن استهداف كل من رفض النزوح نحو جنوب قطاع غزة، وكل من حاول الوصول إلى بيته لتفقد ما تبقى، وبعد انسحاب قوات الاحتلال والسماح بعودة المواطنين إلى المخيم وباقي مناطق المدينة، كانت المشاهد صادمة، نتيجة تناثر جثث وأشلاء الشهداء في الطرقات وبين ركام المنازل.
المواطن هاني خليل رفض النزوح من مخيم الشاطئ رغم تحذيرات الجيش المتكررة لمن تبقى بالخروج، وعند خروجه قبل أيام قليلة للحصول على الغذاء لأسرته، عاد ووجد المنزل الذي تتواجد بداخله أسرته وعدد كبير من النازحين كومة من الركام، ليفقد جميع أفراد أسرته المكونة من زوجته وأربعة من أبنائه..
يقول خليل والدموع تذرف من عينيه، انتظرت بفارغ الصبر إعلان الهدنة ووقف إطلاق النار لكي أذهب إلى المنزل وأبحث برفقة طواقم البحث والإنقاذ عن رفات أفراد أسرتي.
ويقول لـ«القدس العربي»: «لم يكن هذا الواقع المرير مقتصرا على أسرتي فقط، بل أن هناك العديد من الجيران هدم الاحتلال المنازل فوق رؤوسهم، وبعض الجثث تناثرت خارج المنازل وتم دفنها بصعوبة، فيما لا تزال هناك العشرات من الجثث تحت المنازل التي تعمد الاحتلال تدميرها، كعقاب على رفض السكان الامتثال لأوامر الجيش».
حال المواطن مفيد الجمالي لم يكن مختلف كثيرا عن سابقه، فهو فقد أحد أشقائه الذي رفض الخروج من المخيم لكن أثناء خروجه إلى منطقة آمنة بعد القصف العنيف الذي تعرض له المخيم، باغتته طائرة كواد كبتر مسيرة وأطلقت على رأسه طلقا ناريا أودت بحياته، ولم يعثر الجمالي على جثة شقيقه، التي دفنت في مقبرة جماعية يجري البحث عنها.
يقول لـ«القدس العربي»: «الفقد لا يمكن تحمله، برغم ما حل بنا من مصائب على مدار عامين من حرب الإبادة، وفقدنا خلالها منزلنا واثنين من أبنائنا، فلا يمكن أن تجف دموعي إلا بالوصول إلى جثة شقيقي ودفنه في قبر لوحده، وانتظر قرارا من الجهات المختصة لإجراء عمليات بحث عن جثث شهداء دفنوا في مقابر جماعية داخل مجمع الشفاء الطبي، بالإضافة إلى وجود مقابر جماعية أخرى في طرقات العامة».
وبين أن الاحتلال المجرم تعمد إيقاع الضرر النفسي بسكان قطاع غزة، من خلال قتل الشبان وهدم البيوت المأهولة فوق رؤوس السكان، ومنع الطواقم الطبية والدفاع المدني من إنقاذ أرواح الجرحى وانتشال الشهداء ودفنهم، فهناك المئات من جثث الشهداء تبخرت ولم يتبق منها أي أثر بعد أن نهشتها الحيوانات وتحللت، ولم تجد العديد من العائلات في غزة أي أثر من المفقودين لديها.
ويقول الناطق باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل، إن الاحتلال منع طواقم الدفاع المدني التي بقيت داخل مدينة غزة ورفضت الخروج من حرية التحرك وتلبية نداءات الاستغاثة من مواطنين عالقين تحت منازلهم المهدمة، فيما اقتصر عمل الطواقم على عمليات الإنقاذ السريعة، التي لا تحتاج إلى معدات ووقت طويل وفي ظروف خطيرة.
وقال لـ«القدس العربي»: منذ اللحظات الأولى من إعلان وقف إطلاق النار، بدأت طواقم الدفاع المدني بالتعاون مع الإسعاف والطوارئ إعداد خطة بحث وإنقاذ وتلقي اتصالات من مواطنين يريدون انتشال ذويهم وبالتحديد في مناطق الشيخ رضوان ومخيم الشاطئ، حيث ارتكب الاحتلال عشرات المجازر بعد أن استهدف مربعات سكنية مأهولة بأحزمة نارية.
ولفت إلى أن طواقم الدفاع المدني تعمل بإمكانيات متهالكة، وغالبا ما يتم الحفر والبحث باستخدام أدوات بدائية، وهذا يؤخر من عمليات انتشال الجثث والمفقودين، وربما عجزت الطواقم في كثير من الحالات عن إنقاذ أرواح مصابين عالقين تحت الركام لصعوبة الوصول إليهم، ويعود ذلك إلى منع الاحتلال منذ سنوات إدخال السيارات الحديثة وكافة المعدات اللازمة لعمل فرق الدفاع المدني.
ويخشى بصل من «العثور على مقابر جماعية داخل المناطق التي كان يسيطر عليها الجيش في عمق مدينة غزة، كما فعل خلال عمليات سابقة في المدينة والمناطق المحاذية لها، حيث يصعب على الطواقم العاملة إلى جانب الطواقم الطبية تحديد هوية الجثث، لمحدودية الخبرة والإمكانيات داخل المنظومة الصحية المنهكة، وهذا يزيد من الضغط النفسي والجسدي على أهالي المفقودين، الذين يعولون على فرقنا في الكشف عن مصير أبنائهم».
وبعد عامين متواصلين من حرب الإبادة على غزة، توصلت حماس وإسرائيل إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق نار دائم على مراحل بوساطة مصرية قطرية تركية، يسمح بعودة سكان مدينة غزة ووقف شلال الدم والمجازر الدامية بحق المدنيين العزل، فيما يأمل الغزيون أن يستمر وقف إطلاق النار، وألا تخترق إسرائيل الاتفاق كما فعلت مطلع آذار/مارس الماضي، عندما خرقت الهدنة وواصلت الحرب.