قضية البرلماني مصطفى النجار تعيد واقعة الاختفاء القسري في مصر إلى الواجهة

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: أعادت تصريحات الإعلامي المصري المقرب من السلطة محمد الباز، التي قال فيها إن لديه معلومات تفيد بمقتل البرلماني السابق ورئيس حزب العدل الأسبق مصطفى النجار على الحدود المصرية السودانية أثناء محاولته الهروب من مصر عام 2018، قضية الاختفاء القسري في مصر إلى الواجهة.
وطالبت أسرة النجار، بفتح تحقيق رسمي في التصريحات التي زعم فيها الباز، مقتل النجار على الحدود السودانية، معتبرة أن ما جرى تداوله يمثل رواية غير موثقة جرى التعامل معها إعلاميًا وكأنها حقيقة مؤكدة.
وقالت الأسرة في بيان، إن عددًا كبيرًا من المواطنين تواصلوا معها عقب ما ورد في برنامج «قعدة حكاوي»، إذ قدّم الإعلامي المذكور حديثه باعتباره «معلومة مؤكدة» ومطمئنًا لصحتها، رغم أن الدولة المصرية، عبر أجهزتها الأمنية والنيابة العامة، أعلنت رسميًا في أكثر من مناسبة عدم معرفتها بمصير مصطفى النجار منذ اختفائه.
وطالبت الأسرة الباز بالإفصاح عن مصدر معلوماته التي أعلنها للرأي العام، خاصة أنها تتعارض مع معلومات جرى تداولها في وقت سابق عبر صحف وقنوات قريبة من دوائر رسمية، تحدثت عن إلقاء القبض على مصطفى النجار في محافظة أسوان، ما يثير تضاربًا واضحًا في الروايات المتداولة.
ودعت النائب العام لتحقيق فيما ورد بهذه التصريحات، وإصدار بيان رسمي واضح بشأن مصير مصطفى النجار، سواء تأكيدًا أو نفيًا، استنادًا إلى أدلة وإجراءات قانونية معلنة.
وتطرقت الأسرة في بيانها إلى ما أُثير بشأن مزاعم تلقي حزب العدل أموالًا من المجلس العسكري، مؤكدة أن مصطفى النجار، بصفته مؤسس الحزب ورئيسه آنذاك، ظل طبيب أسنان شابًا يعاني ظروفًا مادية طبيعية، وكان أول نائب برلماني يقدم إقرار ذمة مالية قبل دخوله مجلس النواب، مطالبة حزب العدل بإصدار بيان يوضح هذه النقطة للرأي العام.
وأكدت الأسرة أن الحقيقة لا يمكن أن تُبنى على «معلومات مرسلة»، مشددة على أنها لا تبحث عن تطمينات، بل عن حقيقة موثقة بشأن ما حدث لمصطفى النجار، وهو ما تسعى إليه منذ ثماني سنوات عبر بلاغات رسمية للنائب العام والنيابة العامة وكافة الجهات المختصة، من دون تلقي رد واضح حتى الآن.
وشدد البيان على أنه، وإلى حين إجراء تحقيق رسمي وإعلان نتائج واضحة مدعومة بالأدلة، فإن الأسرة تعتبر مصطفى النجار حيًا يُرزق، ومختفيًا قسريًا، وتحمّل الدولة المصرية المسؤولية الكاملة عن سلامته وكشف مصيره.
وكان الإعلامي محمد الباز، عاد وبرر حديثه عن مقتل الدكتور مصطفى النجار أثناء محاولته الهروب إلى السودان، بأن ما قاله ليس جديدًا، مؤكدًا أنه تناول هذه الرواية في أكثر من مناسبة سابقة، استنادًا إلى معطيات وصفها بالواقعية والمنطقية.
وقال الباز إنه أشار قبل خمس سنوات إلى هذه المسألة خلال تقديمه برنامج «90 دقيقة»، مستندًا حينها إلى ما كتبه الناشط وائل غنيم، أحد أصدقاء مصطفى النجار، والذي ذكر أن الأخير قُتل أثناء محاولته الهروب إلى السودان. وأضاف أنه عاد للحديث عن الأمر خلال ظهوره في برنامج «كل الكلام»، عندما وجه له الإعلامي عمرو حافظ سؤالًا بشأن مصير مصطفى النجار، لافتا إلى أن طول فترة الاختفاء، من وجهة نظره، يعزز فرضية الوفاة، وأنه في حال كان النجار على قيد الحياة لكان قد ظهر أو أعلن عن نفسه خلال هذه السنوات.
وأكد الباز أنه حاول على مدار السنوات الماضية، البحث عن حقيقة ما جرى لمصطفى النجار، لافتًا إلى أن الجهات الرسمية، بحسب قوله، لم تكن لديها معلومات مؤكدة بشأن مكان وجوده، سواء كان حيًا أو متوفى، ولا عن مكان جثمانه في حال وفاته.
وشدد على أن مصير مصطفى النجار يظل لغزًا حتى الآن، في ظل غياب معلومات رسمية حاسمة، لكنه شدد على أنه يتبنى رواية مقتله باعتبارها، من وجهة نظره، الأقرب إلى الواقع، في ظل المعطيات المتاحة.

آخر اتصال

وكان النجار اختفى في 28 أيلول/سبتمبر 2018، أثناء تواجده في مدينة أسوان. وبحسب زوجته، فإن آخر اتصال هاتفي بينهما كان في اليوم نفسه، حيث أخبرها فيه بوجوده في أسوان ثم انقطع التواصل معه بعدها.
وتؤكد أسرته، أنها تلقت يوم 10 تشرين الأول/اكتوبر 2018 مكالمة هاتفية من شخص مجهول على هاتف المنزل يفيد بأنه قد جرى إلقاء القبض على مصطفى.
وكانت الهيئة العامة للاستعلامات أصدرت بيانًا في 18 تشرين الأول/اكتوبر 2018 تنكر فيه قيام الأجهزة الأمنية بالقبض على مصطفى النجار. لكن في آب/اغسطس 2022، أعلنت أسرته أن لديها معلومات مؤكدة أنه ما زال على قيد الحياة في أحد مقار الاحتجاز، مطالبة بعدم نشر أي أنباء مغلوطة عن وفاته أو هروبه. يذكر أن النجار كان قد اتخذ الإجراءات القانونية للطعن على الحكم الصادر ضده من محكمة جنايات القاهرة الصادر يوم 30 كانون الأول/ديسمبر 2017 وآخرين غيابيا بالحبس ثلاث سنوات في القضية التي عرفت إعلاميا بـ«إهانة القضاء» والتي حددت محكمة النقض تاريخ 15 تشرين الأول/اكتوبر لنظر الطعن على الحكم والتي بدورها أيدت الحكم بالحبس.

مطالبات حقوقية

وطالبت حملة «أوقفوا الاختفاء القسري»، بالتحقيق في تصريحات الباز بشأن مصير النائب السابق الدكتور مصطفى النجار.
وقالت الحملة في بيان، إنها تابعت تصريحات الباز، التي زعم فيها امتلاكه «معلومات يطمئن إليها» تفيد بمقتل النائب السابق مصطفى النجار على الحدود الجنوبية أثناء محاولته الهروب إلى السودان، وهو ما جرى تداوله باعتباره حقيقة مؤكدة من دون أي سند رسمي أو دليل قانوني.
وأكدت الحملة أن هذه الرواية قديمة ومكررة، فقد سبق تداولها قبل سنوات بشكل غير رسمي، بدون تقديم أي دليل مادي يدعمها، وأن الدولة المصرية سبق ونفت، عبر الهيئة العامة للاستعلامات، في بيان صادر بتاريخ 30 تشرين الأول/اكتوبر 2018، قيام الأجهزة الأمنية بالقبض على النجار أو علمها بمصيره.
وشددت الحملة، أن إعادة طرح هذه الرواية بعد مرور ثماني سنوات على الواقعة، وعلى لسان إعلامي بارز محسوب على السلطة، تفرض التعامل معها بجدية قانونية.
وزادت: «استخدام مصطلحات من قبيل قُتل، مقرونًا بالادعاء بامتلاك معلومات مؤكدة يُعد، وفقًا للقانون المصري، ادعاءً بالشهادة على جريمة قتل، ما يستوجب قانونًا تدخل النيابة العامة فورًا لاستدعاء مُطلق هذه التصريحات وسؤاله عن مصادر معلوماته، خاصة في واقعة لم يُفصل فيها قضائيًا حتى الآن».
وكانت محكمة القضاء الإداري قضت بقبول الدعوى رقم 56032 لسنة 73، المقامة من أسرة النجار ضد وزارة الداخلية، للكشف عن مكانه. وأصدرت دائرة الحقوق والحريات بمجلس الدولة حكمها في 20 كانون الثاني/يناير 2020 بإلزام وزير الداخلية بالكشف عن مكان احتجازه.
وأكدت الحملة أن آخر تواصل مؤكد بين النجار وأسرته كان من داخل محافظة أسوان، قبل أي شروع في مغادرة البلاد، ولفتت إلى أنه منذ انقطاع الاتصال به، لم تعلن أي جهة رسمية مسؤولة حتى اليوم عن مكانه أو مصيره، في مقابل نفي متكرر من جهات تنفيذية من دون إجراء تحقيق قضائي معلن، ما يُبقي الواقعة قانونيًا في إطار جريمة الاختفاء القسري وفقًا للمعايير الوطنية والدولية.
وشددت الحملة أن ترويج روايات غير مثبتة حول مصير المختفين قسرًا لا يمثل «معلومة مريحة»، بل يُشكّل إيذاءً مباشرًا لأسر الضحايا، وتطبيعًا خطيرًا مع الغموض والإفلات من المساءلة، ويقوّض الحق الأصيل في المعرفة.
وطالبت حملة «أوقفوا الاختفاء القسري»، بفتح تحقيق عاجل من النيابة العامة بشأن التصريحات المنسوبة للصحافي محمد الباز، وسؤاله رسميًا عن مصادر ما ادّعى أنها «معلومات مؤكدة»، وتحريك التحقيقات المقدمة في بلاغات اختفاء مصطفى النجار، وعلى رأسها البلاغ المقدم إلى نيابة أسوان، وإلزام وزارة الداخلية بتنفيذ الحكم الصادر من مجلس الدولة والكشف الفوري عن مصير النجار، أو الإعلان الرسمي عن أي معلومات موثقة حال وجودها، وفقًا للقانون.
وأكدت الحملة على أن الحق في المعرفة ليس منّة، بل هو التزام قانوني، وأن مصير المواطنين لا يُحسم عبر برامج تلفزيونية أو روايات إعلامية، بل فقط عبر تحقيقات رسمية شفافة. وتؤكد أنه إلى حين إجراء تحقيق رسمي مستقل، وإصدار إعلان واضح مدعوم بالأدلة القانونية، فإن مصطفى النجار يُعد حيًّا بحكم القانون، ومختفيًا قسرًا، وتتحمل الدولة المسؤولية الكاملة عن سلامته الجسدية والنفسية، وتطالب الحملة بالكشف الفوري عن مصيره.

بلاغ للنيابة

كما طالبت منظمات حقوقية مصرية٬ بفتح تحقيق عاجل في البلاغ المقدم من المفوضية المصرية للحقوق والحريات إلى نيابة أسوان، بالإنابة عن أسرة النائب البرلماني السابق مصطفى النجار، للتحقيق في التصريحات العلنية الصادرة عن الإعلامي محمد الباز.
وأكدت المنظمات في بيان، أن هذه التصريحات تمثل ادعاء مباشرا بوقوع جريمة قتل خارج إطار القانون، وشددت على أن هذا الادعاء خطير يستوجب المساءلة القانونية الفورية، سواء ثبتت صحته أو لا.
وجاء في البيان الموقع من 13 منظمة حقوقية مستقلة، أن الباز، بصفته صحافيا معروفا بعلاقته الوثيقة بمؤسسات الدولة، عندما يصرّح بامتلاك «معلومات» حول جريمة قتل، فإن ذلك يفرض على النيابة العامة واجبا قانونيا بالاستدعاء وسؤاله عن مصادر هذه المعلومات، وكيف حصل عليها، وعلى أي أساس جزم بوقوع الجريمة.
وتابعت المنظمات: «تزداد خطورة هذه التصريحات بالنظر إلى أنها تتعلق بمصير نائب برلماني سابق وشخصية سياسية عامة، مختفٍ قسريًا منذ سنوات، ولم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي أو حكم قضائي يحدد مصيره، وهو ما يجعل محاولة حسم القضية عبر روايات إعلامية أمرًا مرفوضًا قانونيًا وأخلاقيًا».
وتعرّض خلال الفترة من عام 2015 حتى آب/ الماضي، 4828 شخصاً للاختفاء القسري، من بينهم 185 سيدة، فيما لا تزال حالة 400 شخص مختف قسريا، بينما ظهر الباقون في أغلبهم في مقرات النيابات، وخصوصا نيابة أمن الدولة العليا في القاهرة، حسب حملة «أوقفوا الاختفاء القسري».

أداة قمع

وفي تقريرها السنوي العاشر، الذي يغطي فترة زمنية تمتد لعشر سنوات (2015-2025) من ممارسة «جريمة الاختفاء القسري» في مصر، تقدم الحملة تحليلا شاملا للظاهرة، مزاوجاً بين السرد الكمي والنوعي، بهدف رصد أنماط الجريمة والفئات المستهدفة وكيف تطورت، وتحليل متوسطات مدد الاختفاء والتغيرات التي لحقت بها عبر السنوات، ورصد سلوك الدولة وأجهزتها في التعامل معها، وتوثيق أثرها على الضحايا وعائلاتهم.
ويُظهر التقرير أن ظاهرة الاختفاء القسري بدأت كأداة رئيسية لقمع الأصوات المعارضة وتحولت إلى سياسة ممنهجة مدعومة من الدولة بأجهزتها المختلفة.
كما يسلط الضوء على الدور المقلق لمؤسسات الدولة، مبينا أن أجهزة الأمن والقضاء والنيابة العامة، وخاصة نيابة أمن الدولة العليا، تتعاون في ترسيخ هذه الممارسة وتجاهل إفادات الضحايا عن التعذيب والإخفاء. ويتناول كيف ساهم هذا السلوك في إضفاء غطاء من الشرعية على الجريمة بدلامن محاسبة مرتكبيها، كما يناقش كيف أن قوانين مثل قانون الإرهاب وقرار نظر جلسات تجديد الحبس عن بعد عن طريق «الفيديو كونفرنس» أضعفت سبل الإنصاف المتاحة.
وأكد التقرير أن هذه الممارسات والخيارات المحدودة لسبل الإنصاف بجانب ممارسات أخرى كاستهداف المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان أدت إلى يأس الضحايا وعائلاتهم من تحقيق العدالة، ما أثر سلبًا على حجم التوثيق والإبلاغ، وأن استمراره بهذا الشكل يهدد منظومة العدالة برمتها، ويمثل جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
وحملة «أوقفوا الاختفاء القسري» هي حملة أطلقتها «المفوضية المصرية للحقوق والحريات» يوم 30 آب/اغسطس 2015 بالتزامن مع اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، بهدف نشر الوعي بخطورة جريمة الاختفاء القسري على المجتمع المصري، وضرورة الوقوف أمام ممارسة تلك الجريمة في ظل توسع السلطات المصرية في ارتكاب الجريمة بحق المواطنين المصريين.
كما تهدف الحملة إلى تقديم الدعم النفسي والإعلامي والقانوني لضحايا الاختفاء القسري وذويهم، والسعي للكشف عن مصير الأشخاص المختفين قسريًا، وملاحقة مرتكبي الجريمة، ومكافحة الإفلات من العقاب، والحصول على تعويض وجبر الضرر للضحايا وذويهم، كذلك الضغط على صانعي القرار لمعالجة القصور التشريعي في القوانين المصرية من خلال إصدار قانون تجريم الاختفاء القسري، والانضمام إلى الاتفاقية الدولية بالشأن.
إلى ذلك، قال مركز «الشهاب لحقوق الإنسان» إنه وثق في الفترة من عام 2013 وحتى 26/ آب/أغسطس الماضي، 19.885 حالة اختفاء قسري، بينها 1.227 حالة منذ بداية عام 2025 فقط، كما تم توثيق مقتل 65 مختفيًا قسريًا خارج نطاق القانون، بينما زعمت السلطات روايات غير صحيحة حول أسباب وفاتهم.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية