مسلسلات الحارة اشبعت النوستالجيا العربية وابو جعفر المنصور الأول في الاستطلاعات

حجم الخط
0

أنور بدر حين أعلن المدير السابق للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ماجد حليمة عن نيته تطوير التلفزيون السوري، تحدث عن فكرة تحويل القناة الثانية إلى فضائية للأسرة أو للدراما السورية، وهذا المشروع كان يتم تداوله قبل ذلك بكثير، حتى أن التغيرات الأخيرة في الهيئة العامة لحظت هذا الأمر، وتم استعادة الإعلامي أنس أزرق من مراسل لتلفزيون ‘المنار’ إلى إدارة الفضائية الجديدة، دون أن يمنع كل ذلك الإعلام السوري من المفاجأة باجتماع السيد وزير الإعلام مع طاقمه التلفزيوني وبحضور صناع الدراما السورية من فنانين وفنيين وكتاب دراميين للإستئناس بآرائهم ومقترحاتهم بشأن إطلاق فضائية سورية للدراما، دون أن يتساءل هذا الإعلام عن تأخر هذا الاجتماع، وتأخر إجراءات إطلاق هذه الفضائية الجديدة لما بعد الموسم الرمضاني الدرامي الحافل، إلا أنها سطوة الوزير في إعلام تابع له وموظف ضمن تابعيته المهنية التي تتقلص صفتها المهنية باستمرار. ربما لا يماري أحد في أهمية إطلاق هذه الفضائية، خاصة وأن فضائية تعليمية سبق وأُطلقت منذ فترة، لكننا نخشى أن تقع الفضائية العتيدة بالمطب ذاته للفضائية التعليمية، حيث استجرت كل كادرها وأدوات عملها من الهيئة العامة، بما فيها أسماء محررين وفنيين ثبت عدم صلاحيتهم في التلفزيون السوري، لكن هذا لم يمنع من إعادة اختيارهم مجدداً طالما لم يبلغوا سن التقاعد القانوني. المصيبة الاكبر لكن الأهم من هذا وذاك أن قناة الدراما على أهميتها غير قادرة على حل إشكاليات الدراما السورية، والتي برزت العام المنصرم في العجز النسبي عن التسويق عربياً، لكن الأزمة تأخذ بعداً أخطر هذا العام في سوية أغلب الأعمال المقدمة، حتى ‘باب الحارة’ الذي حظيّ بأعلى نسبة مشاهدة عربية في العام المنصرم لجزئه الثاني، تراجعت سوية الجزء الثالث منه هذا العام، كما تراجعت سوية كل الأعمال التي تتناول البيئة الشامية، إذ غلب عليها الاستنساخ والتقليد الساذج، لكن المصيبة الأكبر كانت في سوية الأعمال الكوميدية التي أنتجت لهذا العام، وثالثة الأثافي جاءت من الرقابة التي منعت أكثر من عمل، وضيعت أكثر من فرصة أمام الدراما السورية. فلماذا تهتم وزارة الإعلام بإطلاق قناة للدراما السورية، وهو حدث مهم، لكنها لا تهتم بمطلب الدراميين السوريين المتكرر لإيجاد هيئة مشتركة ما بين القطاع العام والخاص تكون معنية بالإنتاج والتسويق الدرامي. كما هو حاصل في مصر مثلاً؟! هيئة تكون معنية بمراقبة النصوص وإجازتها ومتابعة الإنتاج الدرامي وصولاً إلى تسويقه عبر الفضائيات العربية كافة، هيئة تمنع إنتاج عملين عن موضوع واحد كما حدث مع صلاح الدين الأيوبي، وتحد من استنساخ الحارة الشامية بطريقة متخلفة وتقليدية، وتمنع تحكم الفضائيات الخليجية تحديداً بالمنتج الدرامي المحلي. وتكون إحدى مهامها إيجاد مهرجان سنوي للدراما السورية يتضمن سوقاً للعرض والبيع أيضاً. اعتقد أن هذه الاقتراحات تلبي حاجات الدراما السورية المستعصية على الحل راهناً، بحيث يكون إطلاق قناة للدراما السورية مكملاً للإنجازات السابقة الذكر وليس بديلاً رسمياً عنها. الشاميات الرمضانية يتساءل المشاهد لأي عمل درامي عن الرسالة التي يحملها العمل، أو مقولته الفكرية، دون أن ينسى المتعة البصرية والسوية الفنية للعمل، وتبرز هذه الإشكالية بشكل خاص فيما بات يعرف بالشاميات الرمضانية التي شدتنا إليها منذ ‘أيام شامية’ و ‘الخوالي’ مرورا بحمام القيشاني ووصولاً إلى ‘ليالي الصالحية’ و ‘باب الحارة’حيث أشبعت نوعا من النوستالجيا عند المواطن العربي، لتلك البيئة النظيفة والجميلة، بناسها وقيمها وعلاقاتها، بعمرانها وعاداتها وتقاليدها، لكن التكرار والاستنساخ الذي شهدته تلك الشاميات الرمضانية، وبشكل خاص هذا العام حين يتصدى مخرج واحد لعملين، وكاتب واحد لعملين أيضاً. وتتكرر أسماء الممثلين وبشكل خاص وفاء موصلي في أكثر من عمل، وسليم كلاس حلاق في كل الأعمال، إضافة لأسماء وائل شرف، أناهيد فياض، وفيق الزعيم، حتى أن ممثلة شابة مثل لمى إبراهيم لا تعد من نجوم الصف الأول، ومع ذلك لعبت هذا الموسم في (14) مسلسلا، بينها ثلاثة أعمال بيئية هي: ‘بيت جدي’، ‘الحصرم الشامي’، ‘باب الحارة’، واعتقد أن ذلك رقم قياسي لموسم رمضاني واحد! مع استغرابي كيف لم تشارك في مسلسل ‘أهل الراية’ الذي نجا من غوايتها التي امتدت للأعمال البدوية ‘كصراع على الرمال’، وأعمال كوميدية متعددة لم يكتب لأي منها النجاح.مع ذلك كي لا نظلم هذه الأعمال نقول أن لها مشاهدين كثرا في مساحة الوطن العربي، وان نسبة المشاهدة كما دلّت إحصائيات العام المنصرم لا تتعلق بجودة العمل وأهميته، فالإعلان وكاريزما الأبطال وذهنية المشاهد كل هذه الأسباب تساهم في صياغة نسب المشاهدة التي تفرزها استطلاعات الرأي، وإلا كيف نفسر الإقبال الشديد الذي عرفته المسلسلات التركية المدبلجة مؤخراً ‘نور’ و ‘سنوات الضياع’، حتى أن عائلة أردنية سارعت إلى مشاركة لميس ويحي فرحتهما بإنجاب طفل عبر التضحية وذبح كبش غنم فداء له. لدرجة أن الممثلة التركية التي لعبت دور لميس ابتسمت بسخرية عندما سئلت عن الموضوع على قناة ‘العربية’، بحيث أن هذا المشاهد لم يستطع أن يميّز ما بين واقعة الإنجاب وتمثيل الإنجاب، وهي ذات الإشكالية التي دفعت أحد شيوخ الأزهر لتحريم عقد القران ضمن المسلسلات، إذ يُصبح الزواج قائماً شرعاً، ويحتاج ممثلو هذه الأدوار إلى طلاق شرعي ودفع المقدم والمؤخر، وعلى الممثلة تحديداً أن تقيم العدة في منزلها وهي مئة يوم لا تختلط بها مع أي مُحرم. كي تثبت صحّة الحمل في حالة حدوثه. لأنّ أجهزة الإيكو الطبية، وكل التحاليل المخبرية عاجزة عن تحديد وجود حمل من عدمه في هذه المسلسلات التي يختلط فيها الحابل بالنابل.ويورد الناقد الأردني محمد الحور شاهداً على تفاعل المشاهد العربي مع مسلسل ‘باب الحارة’ في جزئه الثالث، حين خطب عكيد الحارة ‘أبو شهاب’ شريفة ابنة ‘أبي حاتم’ صاحب المقهى، فقام شبان في إحدى قرى لواء الجيزة جنوب العاصمة عمّان بإطلاق النار والزغاريد احتفاءً بخطوبة العكيد، كما فوجئ زبائن إحدى المقاهي في العاصمة الأردنية حين أعلن صاحبها أنّ كل مشروبات هذه الليلة على حساب المحل، احتفاءً بخطوبة ‘أبي شهاب’.ويبقى الدليل الأقوى على المماثلة بين الواقع والمتخيّل في ذهنية المتلقي، ما لقيه الجزء الثالث من ‘باب الحارة’، فأغلب الاعتراضات التي قدمها مشاهدو العمل مبنية على رفضهم لموت زعيم الحارة ‘أبو عصام’، هذا الحدث الذي يذكرنا بموقف رواد مقهى الحكواتي أيام زمان، حين ينتصر فريق منهم للزير سالم وفريق آخر لجساس، وما تلبث أن تنشب المعارك بالهراوات وربما الخناجر بين الفريقين، وكأنّ معارك الزير وجساس واقع راهن علينا حسمها في هذه اللحظة. لكن هذه المفارقة تفيد أنّ ذهنية المشاهد العربي بداية الألفية الثالثة لم تتغيّر عن ذهنية جمهور الحكواتي قبل قرنٍ أو أكثر قليلاً من الزمان.كوميديا الحارة هذه المفارقة سارع منتجو اللوحات الكوميدية ‘بقعة ضوء’ إلى استثمارها مؤكدين مع ‘عباس النوري’ أنّ غياب ‘أبو عصام’ أقوى من حضوره، وإلا ما معنى هذا التهافت على استعادته بعدما أعلن المخرج وفاته في الحلقة الأولى من الجزء الثالث للمسلسل. إذ يخرج كل قبضايات وزكرتاوية الحارات الدمشقية التي أصبحت حارة الضبع عنواناً لها، يخرجون إلى كاتب العمل ‘مروان قاووق’ مطالبين باستعادة ‘أبو عصام’، لكن قاووق الذي أرعبه الهجوم بقيادة العكيد أبو شادي ‘باسم ياخور’ وابن اخته عزت ‘قصي خولي’ يتنصل من مسؤولية استشهاد الزعيم، محيلاً الموضوع إلى المخرج ‘بسام الملا’، وفي هذه الأثناء يبلغ أحد المخبرين الشرطة بتجمع مجموعة العكيد أبو شادي أمام باب القاووق، لكن المخفر يرجئ تدخله إثر هدية من أبو شادي للمساعد، وتنتقل العراضة إلى بيت المخرج الذي يتنصل بدوره من الموضوع محيلاً إيّاه إلى عجز الإنتاج عن دفع فواتير أبو عصام، إذ كانت ‘المصاري’ سبب الخلاف بين المنتج وممثل الزكرتاوية، فينبري أهل الحارة للتبرّع بجمع المبلغ المختلف عليه لإعادة أبو عصام إلى بطولة المسلسل، وينتقل الجمهور المحتج إلى الاعتصام أمام بيت المنتج، حيث ينضم إلى المعتصمين عناصر دورية الشرطة بعدما تلقى المساعد فاروق خاروفا مكتفا من العكيد أبو شادي، وهنا يقترح قصي خولي ‘عزت’ تطوير المطالب الاحتجاجية على ‘باب الحارة’، مطالبين كذلك باستعادة ‘الاحدعشري’ بسام كوسا بطل الجزء الأول من المسلسل.هذه المعركة الإعلامية بين المخرج بسام الملا والممثل عباس النوري والتي وصلت إلى كوميديا بقعة ضوء، أحالت المسألة إلى كوميديا الحارة إن صحّ التعبير، وعكست تلك العلاقة الملتبسة بين الجمهور والممثل، ذلك الجمهور الذي كان ينفعل لسيرة عنترة والزير، ويبكي مع تراجيديات فريد الأطرش، ويتابع بشغف رومانسيات نور ومهند أو لميس ويحيى، هو الجمهور ذاته الذي يرفض قسم منه مجرّد متابعة مسلسل ‘باب الحارة’في جزئه الثالث احتجاجاً على غياب الزعيم أبو عصام، مع أنّ مخرج العمل بسام الملا ما زال يُراهن أنّ مفاتيح العمل بيده وليس بيد ممثليه، بل هو ما زال يُراهن على إنتاج جزء رابع وحتى خامس من باب الحارة، مع أنّ الاستطلاعات الأولى لاحدى الصحف الإماراتية تشير أنّ مستوى متابعة ‘باب الحارة’ تراجع من المرتبة الأولى في العام المنصرم إلى المرتبة الرابعة هذا العام، فيما حلّ المسلسل التاريخي ‘أبو جعفر المنصور’ أولاً في هذه الاستطلاعات. والطريف في هذا الاستطلاع لو صحّت النسب فيه أنّ عباس النوري المستعاد من باب الحارة هو من قام ببطولة ‘أبو جعفر المنصور’، ويحمل العمل توقيع المخرج التونسي اللامع شوقي الماجري. وفي استمرار الاستطلاع تكتشف أنّ مسلسل ‘الحوت’ وهو دراما بيئية عن الساحل السوري، جاء في المرتبة الثانية، ومسلسل ‘أبله توره’ الكويتي في المرتبة الثالثة. بالمقابل نجد أن فؤاد حميرة الذي كتب الجزء الأول والثاني من مسلسل ‘الحصرم الشامي’ الذي يخرجه سيف الدين سبيعي لمحطة ‘اوربيت’ أعلن أنه لن يكتب جزءاً ثالثاً أو رابعاً لهذا العمل، وأنّ بين يديه الآن ثلاثة أعمال كتابية، ترجو أن تعيده إلى الدراما المعاصرة التي لمع فيها بأعمال مثل’رجال تحت الطربوش’ أو’غزلان في غابة الذئاب’.كاتب من سورية2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية