أياً كانت المظانّ التي تطعن في مصداقية جوائز بولتزر الأمريكية، أو المحاسن التي تمنحها فضيلة الشكّ لصالح الجدارة؛ فإنّ لائحة الإصدارات الجديدة التي تتوّج في كلّ عام توفّر بضع مؤشرات دالة، لأنها ببساطة تعكس الكثير من المعطيات السياسية والثقافية والاقتصادية والمهنية (في قطاع النشر تحديداً). وثمة، استطراداً، مشهد يتكامل سنوياً حول ما يُنصح الأمريكي (والقارئ الكوني؟) بقراءته؛ أو ما يُكرّم، من جانب لجان التحكيم على الأقلّ؛ في فئات القصصي، وغير القصصي، والمذكرات، والسيرة الذاتية، والشعر، والسيرة، والتاريخ.
وهذه سطور تبتهج، على نحو خاصّ واستثنائي، لأنّ جائزة الشعر ذهبت هذه السنة إلى الشاعرة الأمريكية جوليانا سبار Spahr، عن مجموعتها الشعرية «فنّ الشعر»، التي تستوحي العنوان الشهير Ars Poetica من الشاعر والناقد الأدبي الإيطالي هوراس (65 ــ 8 ق. م.). وليس هنا المقام المناسب لتعريف بالشاعرة يُدرج مقادير الحدود الدنيا من خصوصياتها في قلب المشهد الشعري الأمريكي الراهن عموماً؛ وذاك الذي لا يخصّ الشاعرات النساء فقط، بل اللواتي يعبّرنَ خصوصاً عن هواجس الشعريات النسوية وإشكاليات تعبير المرأة في معترك (لأنه هكذا في ناظرهنّ!) العلاقة بين الشعر والسياسة.
وأن تفوز سبار بالجائزة، عن هذه المجموعة تحديداً، في هذا الزمن الأمريكي (الواقع تحت نير دونالد ترامب، في كثير وليس في قليل)، أمر فارق وحمّال مستويات متراكبة من المغزى؛ معظمها إيجابي، لأنه بادئ ذي بدء يطمئن قارئ الشعر حول محدودية الأذى الذي يمكن أن تُلحقه الترامبية بهذا الفنّ النبيل، كما ينتصر، تالياً، إلى نهجّ في التفكير حول الشعر لا ينأى به عن عناصر الضرورة في السياسة والتسييس. وقد يصحّ، عند هذه النقطة، التشديد على أنّ لائحة الفائزين بالجائزة تضمّ أسماء كبيرة، أمثال بول مولدون، و. س. مروين، مارك ستراند، شارلزرايت، يوسف كومنياكا، لويز غلوك، شارلز سيميك، ريتا دوف، غالاوي كينيل، ش. ك. وليامز، وسواهم؛ الأمر الذي يتوجب أن يشكل فارقاً نوعياً لصالح شعرية سبار، وشخصيتها الثقافية والنقدية والسياسية أيضاً.
والشاعرة لا تتردد في إطلاق صفة «أزمنة الظلام» على العصر الأمريكي الراهن، ولا عجب استطراداً أنّ مجموعتها الشعرية الفائزة، كما هي الحال في معظم مجموعاتها السابقة، محشوّة حرفياً بالسياسة؛ حيث لا تكترث سبار كثيراً بتصنيفات تلك السياسة، بين يومية وقائعية أو عابرة للأزمنة والسياقات والفضاءات، وداخلية نفسية تخصّ الوجود الفردي أو خارجية عمومية تشمل البشر والمحيط والإنسانية. وفي مقالة فارقة، لأنها كُتبت في أزمنة الظلمة داكنة السود هذه، بعنوان «الشعر في زمن الأزمة»؛ تحثّ سبار على كتابة مزيد من القصائد ذات الصلة بهذه «اللحظات الشاقة» بهدف «تلمّس الصعوبة» و»التطلّع إلى ما هو خارج الداخل».
وكان لافتاً على نحو خاص، وذاك أحد أسباب ابتهاج هذه السطور بفوز سبار، أنّ حيثيات لجنة التحكيم تقصدت عدم التعامي (وكان في وسعها أن تفعل، مجاراة لتقاليد أمريكية راسخة) عن روابط عميقة تشدد عليها مجموعة «فنّ الشعر» بين الاستبداد والانعتاق، الطبيعة والبيئة والتخريب الرأسمالي، الإمبريالية والعسكرة، صعود التيارات الشعبوية وأنماط المقاومة اللازمة… باختصار، على ذمّة سبار نفسها: هذا شعر يتوجب أن يشقّ دروبه في غابة من الأسئلة الشائكة، فيبحث عن دور أو حتى طراز من «التواطؤ» حول دوره الاجتماعي والجمالي في آن معاً.
وليس تفصيلاً عابراً أنّ الموقع الرسمي لجوائز بولتزر ينشر هذه الفقرات من استهلال مادة فوز سبار: «خلال زمن يمين متطرف تتزايد قوّته باضطراد، وكان أيضاً زمن تسارع انقراض الأنواع، كانت جوليانا سبار تعكف على قراءة بريخت. كانت تبحث عن إجابة على سؤال بريخت حول أزمنة الظلام، وما إذا كان الغناء متوفراً أيضاً خلال أزمنة الظلام. الإجابة التي قدّمها بريخت كانت نعم، وأنّ الشعراء يمكن أن يغنوا في أزمنة الظلام. وفي مجموعتها السادسة، «فنّ الشعر»، لا تغنّي سبار في أزمنة الظلام فقط، بل تشدو بالكورال وأغنية التحرر وحبّ الرفاق. إنها لا تكتفي بالكتابة عن التاريخ الغني لما فعلته السياسة بالشعر والعكس، بل عن مزيد يمكن أن يفعلاه معاً».
وإذ تميل هذه السطور إلى تفضيل مجموعتها «ذلك الشتاء حين أتى الذئب»، 2015، بالنظر إلى الأقاصي العالية التي سعت إلى ارتيادها في ربط القصيدة بمعضلات الواقع ومآسي الوجود؛ فإنّ مجموعاتها الأخرى، على غرار «نووي» و»هذا الرباط للكلّ مع الرئات» و»استجابة» ليست أقلّ انخراطاً في تلك الهواجس، حول الإقامة على الأرض كما الترحال فيها عبر القصيدة. ميولها التجريبية الطاغية لا تتوقف عند التبصّر الواعي في تحميل اللغة بطاقات إيحائية عابرة للمألوف، أو بالأحرى مُثرية لما تألفه الدلالة؛ بل تذهب أبعد إلى ما يشبه جرّ قارئها إلى ملاعبة المعنى والشكل معاً، وبعثرة السطور أو ضغطها، وتسخير علامات الوقف لصالح معمار تعبيري مفاجئ بقدر ما هو صانع للاستجابة.
ويبقى أنّ إهاب الشاعرة عند سبار لم يطمس شخصية الناقدة الأدبية والأكاديمية، وكتابها «برقية دي بويس: المقاومة الأدبية واحتواء الدولة»، 2018، مدماك نوعي في الاستئناف النظري لكثير مما عكفت القصائد على التبشير به، خاصة مقارعة الترامبية وضروبها.
اختيار راءع للموضوع ومزج ذكي بين السياسة والشعر
من خلال نموذجين: منهج الترامبية ورؤية السيدة جوليانا.واعجبني المجيء بمصطلح القاريء الكوني.
نتمنى في مناسبة صدور نصّ أدبي لافت كهذا أن نرى تعقيبات نقدية بناءة تبيّن حقا مدى فهم القارئ لهذا النص ومدى تفاعله الجادّ مع فكرته أو فكراته الرئيسية لكي يستفيد في الأخير كل من القراء الآخرين والكاتب نفسه – لا أن نرى بدلا من ذلك مجرد مديح بات حقيقةً مملا في أحسن أحواله !!
اتفق مع مضمون تعليق السّيد إسماعيل…فالتعليق إضافة رؤية للمقال وإضاءة ذات جمال؛ لا مجرد تنضيد كلمات .
الكاتب لا يمدح و لا يقدح بل يعرف القراء العرب على شاعرة أمريكية أراهن أن الكثير لم يسمع بها حتى الذين ينتقدون الكاتب. على كل حال إذا كان المعلقين الذين ينتقدون الكاتب يجيدون الكتابة أفضل منه فليتفضوا و ليدلوا بدلوهم على صفحات هذه الجريدة التي تعطي الفرصة للجميع بدل النقد الأجوف الذي لا يضيف شيئا و لا يجيودن سواه. تحية للكاتب صبحي حديدي على إطلالته الإسبوعية.
(1)
كلام جميل ونحن نتفق بكل الجوارح مع التزام الشاعر أو الشاعرة بأن تؤدّي قصيدته أو قصيدتها ذلك الدور الاجتماعي والجمالي في أزمنة الظلام المُشار إليها في متن النص وما إلى هنالك. ولكن، كما نوّه مرارا المفكّر السوري الراحل جلال صادق العظم، من العسير جدا على القصيدة أن تفعل شيئا نافذا في زمن اندلاع الثورة الشعبية، وبالأخصّ أمام بطش آلةٍ حربيةٍ لا ترحم صادف لها أن تكون في حوزة طبقةٍ حاكمة طغيانية مستبدّة لم يسبقْ لها نظيرٌ (وكان قصدُه بالطبع، آنئذٍ، أزلامَ النظام الأسدي الفاشي الساقط الهارب). فقد صدق المفكّر العظم في تنويهه الملحاح الذي جاء حقيقيةً بمثابة نبوءةٍ أو استشرافٍ واقعيَّيْن، إذ كُتبت بالأقلِّ عشراتُ القصائد التي كانت تساند الثورة و/أو تناهض النظام إلا أنها انعكست كارثيًّا، لا بل جحيميًّا على معظم قائليها (وحتى غُنِّيَتْ شتّى الأغنياتِ التي انتهت بالاقتلاع الوحشي لحَنْجَراتِ مغنِّيها، بالمعنى الحرفي لا المجازي).
(2)
فما نراه هنا من استخدامٍ متواترِ الحميّةِ والحماسِ لمفردة «السياسة»، في متن هذا النصِّ الأدبي البهيج تفاؤلًا، إنما هو في أبهى حُلَّته استخدامٌ رِخْوٌ فضفاضٌ يكاد أن يفرغَ هكذا مفردةً من محتواها الفعليِّ كليًّا، وبخاصةٍ إزاءَ فحوى عبارةِ «ما فعلته السياسة بالشعر وبالعكس»، على وجهِ التحديد. حتى الشاعرة جوليانا سبار نفسُها كانت قد أقرَّت في أكثرَ من مناسبةٍ بحقيقةٍ لا مراءَ في مفادِها إطلاقا – حقيقةِ أن يكون المرءُ شاعرًا وأن يكون ناشطًا سياسيًّا في الآن ذاتهِ إنْ هما، والحقُّ يُقال، إلّا طرفا نقيضٍ محفوفٍ بكافة أشكال المخاطر، والشاعران ماياكوڤسكي ولوركا خير مثالين دالَّيْنِ في هذه القرينة بالذات.
أخيرا، أتفق هنا كليا مع الأخ إسماعيل، فالتعقيب في منبرٍ ملزومٍ بالركبِ الحضاريِّ كهذا لا بُدَّ أن يكون قيِّمًا ونيِّرًا برؤيةٍ جديدةٍ، أوَّلًا وآخرًا، لا أن يكون مجردَ مديحٍ أجوفَ مجتَرٍّ ما بين كلماتٍ نضيدةٍ، على حدَ تعبير صديقي جمال.
تحية للأستاذ صبحي حديدي على مقال أثار ملاحظات ألمعية بحق من لدن أستاذنا غياث المرزوق.. تحية أيضا لأستاذنا غياث المرزوق على توضيح ما اعتراه من غموض والتباس.. القصيد المناهض للسلطة في دولة “ديمقراطية” كمثل أمريكا شيء، والنظير في دولة أوتوقراطية فاشية طغيانية كمثل سوريا (القديمة) شيء آخر.. الأول يمكن له أن يتشدّق معارضا بكلمة “السياسة” كما يحلو له، والثاني يُقتل أو يُذوّب أو يختفي حتى لمجرد المعارضة “اللاسياسية”.. كثير من القصائد قد قيلت، دون أن تزحزح النظام الأسدي الفاشي قيد شعرة على مدى أكثر من خمسين عاما، ولكن حين اقتربت قوات الجولاني/الشرع من قصر الجمهورية هرب رأس النظام كالقنّ الجبان بين ليلة وضحاها – فلا يفلّ الحديد إلا الحديد.” !!
لا ننسى أن الأدب والادباء في الولايات المتحدة يخضعون للولاء الحزبي بين جمهوري وديمقراطي. ويبدو أن الشاعرة جوليانا بوصفها للعصر الأمريكي
بأنه عصر الظلام أقرب للرؤية الديمقراطية. من هنا
أن شعرها يقارع الترامبية.
جوليانا سبار لا تكنّ أي ولاء حزبي سواء كان جمهوريا أم ديمقراطيا .. جوليانا سبار شاعرة تقدمية يتجذّر شعرها في الرؤية اليسارية الحقيقية التي تسخر من أي خيال، أو بالأحرى كفاف، منسوب إلى أيما رئيس أمريكي كان – توصيفها للأزمنة الأمريكية بـ”أزمنة الظلام” قد أطلقته حتى قبل ترامب بزمان ليس بالقصير، فهذا قول من يعيش هناك ويعرف ما يجري ولا يتشدق بالكلام !!
أخيرا، تحية لكل من الإخوة ليلى الصباغ وغياث المرزوق وإسماعيل الدكالي وجمال البدري وصبحي حديدي..
ما دامت الشاعرة جوليانا ذات نزعة تقدمية يسارية
حقيقية فهذا وصف لمن ينتمي للحزب الديمقراطي.