الطفل الفلسطيني المعجزة أبناء و قتلة .. و أبناء بيكيه و ميسي!

حجم الخط
4

الصورة الأولى: بحر الظلمات ‘ليست الحرب وحدها، و لكن المعاملة السيئة التي يلقاها هؤلاء اللاجئين من بعض الدول، هي التي دفعتهم إلى تجربة التيه في البحر اللجي’هكذا ختم مراسل سكاي نيوز عربية تقريره المؤلم عن عملية قامت بها قوات خفر السواحل الإيطالية، لإنقاذ ثمانمائة شخص سوري من بينهم نساء وأطفال، كانوا على مقربة من الموت المحتم، لولا لطف الله ورعايته. هؤلاء الذين قرروا أن يركبوا البحر ويكتظوا متلاصقين ومتعانقين وخائفين في ثلاثة مراكب، من أجل حلم الهروب إلى أي مكان يتسع لألمهم و نكبتهم، أو الموت والخلاص الأخير غرقا.
في الصور التي تضمنها التقرير لمحت فتاة تقريبا في الثالثة عشرة من عمرها، تمسك يد أحد المنقذين الطليان، وتقفز إلى اليابسة بحركة خفيفة. ما لفت انتباهي أن الفتاة لم تكن سعيدة ‘وطبيعي ألا تكون سعيدة’، إنما لم تكن مرتاحة لعملية الإنقاذ تلك، وكأنها تعاتب منقذيها على فعلتهم التي ضيعت عليها فرصة العمر، للوصول إلى اليابسة المرجوة، بل إلى النهاية السعيدة التي كانت تأمل. شعرت أنها غير ممتنة أبدا لمن أنقذ عمرها اليانع من الغرق، رغم أنها تقريبا حققت هي وباقي الثمانمائة، شوطا كبيرا من الحلم. لم تكن ممتنة كأنها لبقائها على قيد الحياة، وهي التي راهنت على الموت والانتهاء من الحكاية في عرض البحر، مثل بطلات الأعمال السينمائية والأدبية، التي شاهدتهن وهن يتحولن إلى زبد ومن ثم إلى حوريات منطلقات، يداعبن خيالات الأطفال بحكايا خرافية. إنما هي، ذات الأربعة عشرة عاما، لم تكن خرافية للأسف ولن تكون، لأن قدرا موجعا يلاحق ظلها، مذ كانت صورة في تقرير سابق عن مظاهرات للأطفال في محافظة درعا، تطالب برحيل رئيس البلدية، بثته إحدى الفضائيات يوما ما، وقت كانت تلصق فيه بطاقات عليها تواريخ التظاهرات، ويسمع في الخلفية أصوات تغني: سلمية سلمية!
الصورة الثانية: فلسطيني كبير
يوسف أبو عميرة، الطفل المعجزة الفلسطيني الذي اختاره تامر المسحال ليكون بطلا لتقريره الإنساني الجميل، الذي بث على قناة الجزيرة قبل أيام، وهذه عادة تامر طبعا، استطاع أن يعقد علامات الدهشة على وجوه المشاهدين كلهم. لم يصدق أحد هذا الصمود البطولي العظيم الذي أظهره يوسف ذي الإعاقة الجسدية المركبة، حيث ولد الصغير بدون أطراف أبدا، لا ذراعين ولا ساقين. ورغم ذلك وكما ظهر في التقرير، يناضل يوسف وهو في كامل ابتسامته الطيبة، في الصف المدرسي وبين أصحابه وأهله وجيرانه، بدون ان يشعر أحدا أو نفسه بأنه ينقص عن الآخرين بإصبع. الصورة التي لفتت انتباهي في التقرير هي اللقطة التي يصعد فيها يوسف أدراج منزله في مخيم الشاطئ في غزة. فرغم قسوة المشهد الإنساني، وصعوبة رؤية طفل بلا أطراف يصعد سلما، لكن الجبروت الفلسطيني يتجلى فقط في عيني هذا الصغير ‘الكبير’، وهما ترصدان حركة الكاميرا المصاحبة، و تؤكدان على تفاؤل الحضور وخفة الظل. يوسف في نهاية التقرير طلب أن يساعده أصحاب الضمير، لإجراء عملية زراعة أطراف اصطناعية بطريقة تبدو و كأنها فكرة خطرت على باله في حينها، إن وجدت طريقا فأهلا و سهلا، وإن لم تجد فمع السلامة! شعرت وكأنه يقول إنه على استعداد لتمضية باقي سنين عمره حافيا، طالما كل الأمور تسير بخير حسب مقياسه هو. هو طفل فلسطيني بلا أطراف، يعيد إلى الذاكرة صورة شعب أعزل مقاوم، قبل أن يصير شعبا متعدد الشُعب، فيما مواهبه النضالية منزوعة الأطراف!
الصور اللاحقة: مسلسل عربي
على ‘ON TV’ المصرية تقرير عن الطفل فارس الذي بترت ساقه، بعد إصابته الخطيرة أثناء محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري اللواء محمد ابراهيم. صراخ وألم وغضب وأصوات أهالي الولد على الهاتف تدعو على من كان السبب!، دموع المذيعة الصباحية وتحميل السبب لجماعة الأخوان، والأخوان يذيعون بيانا يستنكرون الحادث ويقولون إن الانقلاب هو السبب، تكرار عرض صورة الطفل وهو مستلق على السرير، فيما هو وحده هناك، يحمل نفسه السبب!
على العربية تقرير يظهر طفلة سورية لا يتجاوز طولها عقلة الإصبع، ولسانها شبرين! قدمت تحليلا واقعيا منطقيا مدروسا ومنظما، عن الوضع السوري الراهن وكيفية الخروج من الأزمة. الطفلة العجيبة ذات اللهجة الشامية الخالصة، قالت ‘في سوريا بقتلونا، ولا بنقدر نروح على الشام، صحيح.. مو أحسن ما يقتلونا، لكن إذا قتلونا معناتها ما رح نروح بيتنا، وإذا ًما بنقدر ناخذ معنا مروحتنا، وإذا كسروها ما بنحسن نجيب واحدة جديدة’. أما أهم ما جادت به قريحة الصغيرة على كل شيء، ما عدا الحرب أنها قالت ‘لأن نحنا إذا وقعنا ما فينا نقوم’!
على الشرقية العراقية الطفل الموهوب سيف حسن ذو الثماني سنوات، يعبر ضفتي نهر الفرات لأكثر من مرة، مستعينا بمهارات السباحة كافة والتي يجيدها بانسياب ومهارة فريدة، يستطيع أن ينافس بها أبطالا عالميين في السباحة. ولكن وبسبب غياب المسابح وأماكن التدريب الملائمة ‘هذا في العراق على فكرة!’، فإن أمل سيف ابن الفلوجة في الاحتراف، أصبح بعيد المنال. تخيلوا أن العراق .. العراق لم يعد يملك إمكانية تأهيل سباح وطني!! المهم أن الصغير لا تهمه أحلامه، بقدر ما يعنيه كما قال لميكرفون الشرقية الأسبوع الفائت، أن ‘يعبر’ سياسيو وطنه بالبلاد إلى ضفة الأمان.
الصورة الأخيرة: أندلسي صح!
حين دخل ‘بيكيه’ أرضية الملعب قبيل مباراة برشلونة وأشبيلة الأخيرة، كان يحمل طفله ‘ميلان’ الظريف بين ذراعيه، وهو يرتدي زي الفريق الكاتلوني الشهير، وسط تصفيق حاد من الجمهور ونظرات إعجاب من أم الطفل النجمة اللاتينية، ذات الأصول العربية ‘شاكيرا’. الطفل الذي هو نتاج علاقة عاطفية لم تتوج بالزواج بعد، أصبح حديث المدرجات الخلفية، بعد أن نال وسينال اهتماما واسعا من قبل الإعلام في اسبانيا وأوروبا والعالم أجمع. فالرضيع الذي لم يتجاوز الستة شهور يقولون عنه في تقرير خاص لـ’CNN عربية’ سيكون سر أبيه، لأن اهتماماته الرياضية وخاصة في كرة القدم، ظهرت جلية وواضحة للعيان وهو لا يزال باللفة! مثله مثل ابن ميسي وزيدان. طبعا لهم الحق أن يمددوا سيقانهم و يغيظوننا، بل ويقتلوننا كمدا وحسرة، بينما نحن نبرع في المقارنات ما بين العيش هنا، والعيش هناك. الطفل هنا والطفل هناك، المرأة هنا والمرأة هناك. الحقوق هنا والحقوق هناك، الحياة هنا والموت هناك ..’ مع القياس بهنا وهناك لأن المقال يصدر في العاصمة البريطانية’.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول رضوان:

    تعجبني هذه السيدة الرائعة ( الكاتبة)
    لا أعرف متي تجد وقتا لتشاهد كل هذا، وتنقله لنا بل توجه ابصارنا نحو ما يستحق ان تصرف له وقتاً.

    لا أعرف كيف بامكانك ان تكون متصالحاً مع كل الفضائيات.
    من ناحيتي لا اشاهد العربية خوفا من الموت بارتفاع الضغط، ولا اشاهد القنوات المصرية خوفا من تفشي داء الاستحمار.

  2. يقول سامح // الامارات:

    مقال جميل للأخت الكاتبة شكرا .
    أقول لكل الظالمين : الظلم …ظلمات يوم القيامة …؟؟؟
    أقول لكل الطغاة : ( يوم لك ويوم عليك ) … وسيأتي اليوم الذي عليك
    أقرب مما تتصور …حيث لا ينفع الندم …؟؟؟
    أقول لكل الأغنياء وأصحاب الثروات الخيالية : ما أكثر فقراء العرب :
    وما أكثر المحتاجين للمساعدة أمثال ( يوسف ) الطفل الغزاوي أعانه الله وشفاه .
    سارعوا بعمل الخير …قبل قدوم ( ملك الموت ) …والله سائلكم :
    من أين جمعتم الثروة …وكيف ولمن صرفتوها …؟؟؟
    شكرا .

  3. يقول سفيان-الجزائر:

    كتاباتها رائعة….وإني لجد مستغرب كيف اجتمع لها الضدان: جمالها الساحر….وكذا والقلم الساحر…؟-ماشاء الله-.

  4. يقول ديك الجن:

    يا ست حنان إحنا ما صدقنا نهرب من الفضائيات المتقلبه المتحزبه عشان تعطينا سرد لبرامجها على صفحات القدس العربي؟ الله يسامحك يا حنان الشيخ، وعلى رأي توفيق الدقن، الأستيكه في المزيكه!

اشترك في قائمتنا البريدية