البعث في سنته التاسعة والأربعين

حجم الخط
0

رياض معسعس في صباح الثامن من آذار/مارس 1963 استيقظنا كعادة السوريين تلك الأيام على البلاغ رقم واحد يعلن قيام ‘ثورة البعث’، وكنا نحن الطلبة الصغار نسعد بسماع هذه البلاغات المتكررة التي تمنحنا إجازة مدرسية نظرا لمنع التجول. لكن سعادتنا كانت أقل هذه المرة عندما أجبرنا على ترديد شعار البعث يوميا قبل الدخول إلى صفوف الدراسة. في الثالث والعشرين من شباط من العام 1966 استيقظنا مرة أخرى على بلاغ رقم واحد وسعدنا أيضا بالتخلص من حكم البعث، ولكن سعادتنا أقل عندما اكتشفنا أنها كانت ‘ثورة الرفاق على الرفاق’ بعـــــــد أن طرد رجال البـــــعث القومـــي، وسيطر البعث القطري. وسمعنا همسا أن هناك من يسعى لتطويف الجيش. منذئذ بتنا نسمع قرع طبول الحرب، ‘لتحرير فلسطين’، فسعدنا كثيرا عندما قالوا لنا بأننا سنستحم في مياه يافا بعد التحرير. كيف لا ووزير الدفاع حافظ الأسد يؤكد جاهزية جيشنا لخوض المعركة الفاصلة، رغم ما سمعنا همسا بأنه اغتال رفيق دربه محمد عمران في طرابلس في صراع على السلطة. في الخامس من حزيران/يونيو من ذاك العام استيقظنا على بلاغ رقم واحد يقول: ‘اسقطت طائراتنا الباسلة ثلاثين طائرة من طائرات العدو، ثم خمسين، ثم سبعين’. فهللنا وكبرنا وتساءلنا:’ هل طائرات العدو تسقط كالذباب لملامستها مبيدات حشرية؟’ ولم تمض أيام حتى سمعنا بالفاجعة: بيان يصدر من الإذاعة السورية ويطلب من الجيش السوري الانسحاب من الجولان بعد أن احتلت اسرائيل مدينة القنيطرة ، ولم تكن قد احتلت. ورحنا نشاهد طائرات العدو تحلق فوق سماء دمشق وتمطرنا بقنابلها، أما سلاحنا الجوي فلم نره في أرض أو سماء، واندثر حلمنا بالاستحمام في مياه حيفا ودخلنا في كابوس مرعب. في السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1970 استيقظنا على بلاغ رقم واحد آخر، هذه المرة ليست انقلابا إنها ‘ حركة تصحيحية’ أو ثورة الرفاق على رفاق الرفاق، حافظ الأسد الذي انتصر على اسرائيل في حرب حزيران (لأن إسرائيل لم تحقق أهدافها في إسقاط النظام البعثي الثوري، وإن احتلت الجولان فهذا يعد انتصارا حسب جهابذه البعث’ وسمعنا همسا أنه قام بتصفية رفاق دربه وسجن صلاح جديد الذي كان قد أعاد الأسد إلى الخدمة العسكرية وقام بترفيعه من رتبة رائد إلى رتبة لواء دفعة واحدة. منذ ذلك الحين لم نعد نسمع ببلاغ رقم واحد، فعائلة الأسد وضعت يدها على الجيش والحزب. فقط بتنا نسمع همسا بإعدامات بالجملة، التعذيب في أقبية المخابرات، إمتلاء السجون بسجناء الرأي. ثم تم تشكيل سرايا الدفاع برئاسة رفعت الأسد التي كانت مهمتها إخماد أية معارضة، فدخلت في صراع مع أكثر من قوة سياسية ومنها الاخوان المسلمون. فارتكبت مجازر مروعة في سجن تدمر، وسجن درعا، وسجن صيدنايا، ثم المجزرة الكبرى في حماة في شباط/ فبراير1982. في العام 1984 سمعنا همسا أن الأخ رفعت قام بمحاولة فاشلة للاستيلاء على السلطة بعد مرض أخيه، فأخرج من سورية مع ثلة من أتباعه ومع حقائب مليئة بالدولارات. ثم جاء الأخ الثاني جميل الأسد لينشيء جمعية طائفية تدعو إلى تنصير أهل السنة في مناطق الجزيرة بحجة أنهم كانوا نصيريين وأرغمتهم السلطنة العثمانية على اعتناق الإسلام السني، وباتت تصدر وثائق وشهادات طائفية لمنتسبيها، وبات جميل قائد المساء على غرار أخيه حافظ قائد المسيرة. كما شكل ميليشيات مسلحة وشبكة تهريب من قبرص إلى سورية يرأسها ابنه منذر، وسيطر على تجارة الموانيء التي كان يديرها ابنه فواز، وقد سمعنا همسا أن زوجته الثانية أمل نعمان قد دخلت في صراع مع أولاده على ثروة تقدر بأكثر من ستة مليارات دولار. في 21 كانون الثاني/ يناير من العام 1994 وبعد أن كنا نسمع همسا أن حافظ الأب يهيء بابنه باسل لوراثة الحكم من بعده، بأنه مات ‘ شهيدا’ في حادث مروع على طريق مطار دمشق، لكن الكثير من الهمس كان يشير إلى ان الحادث كان مدبرا من الأقربين. وكتبت صحيفة لو كانارد اونشينية الفرنسية العالية المصداقية بأن باسل ‘ الشهيد’ كان يملك في البنوك الفرنسية فقط ستة مليارات دولار حاول الأب استردادها سريعا دون ضجيج. ثم سطع نجم الأخوال (أل مخلوف، على نسق آل طرابلسي في تونس) وبرز رجل الأعمال رامي مخلوف الذي تشير بعض المصادر أنه يدير ثورة عائلة الأسد التي تصل إلى أرقام فلكية. في العاشر من حزيران يونيو (وهو يطابق الذكرى الثالثة والثلاثين لانسحاب الجيش السوري مهزوما من الجولان) من العام الفين توفي حافظ الأسد ، وورثه بشار بعد أن عدل الدستور السوري بنصف ساعة ليتطابق وعمر طبيب العيون الشاب الذي يرى المستقبل عن بعد بعينين سليمتين. بعد إثنتي عشرة سنة من حكم طبيب ثاقب النظر تعيش سورية اليوم أكبر ثورة عرفها التاريخ، تدفع كل يوم عشرات الشهداء الذين يسقطون تحت نيران الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، وتنادي جهارا نهارا، بإسقاط النظام البعثي الأسدي، فوقت الهمس قد ولى، ‘الشعب يريد إسقاط النظام’، ‘الشعب يريد إعدام الرئيس’، ففي الخامس عشر من آذار يكون قد مضى عليها سنة كاملة من القتل والدمار على مرأى ومسمع العالم أجمع دون أن يحرك أحد ساكنا مع ان كل منظمات حقوق الإنسان تؤكد أنه صفة مجرم حرب تنطبق على الرئيس الطبيب.’ كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية