في فلسطين قبلة المشرقين، أبدعت المرأة فنونها الخاصة، التي انفردت بها دون الرجال. ومنذ قديم الزمان، أخذت تجمل الحياة وتزينها بالغناء والنغم، والألوان التي ترسم بها فوق القماش، وتقدم لوحاتها المطرزة على ما ترتديه من أثواب، وكذلك بفنون الطهي، وكل أنواع الفنون الأخرى. فالمرأة الفلسطينية تتقن فن الحياة، وإن كانت هي الأكثر احتكاكاً بالموت، وتعرضاً لآلام الفقد وتوديع الشهداء، والحرمان من الأحباب، المغيبين داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية. هي من تختبر أعمق معاني الاشتياق، فإن كانت داخل الوطن على أرض فلسطين، اشتاقت لمن قتل وأسر وهُجّر، وإن كانت خارج الوطن، فإنها تشتاق إليه، وكل منهما تشتاق إلى فلسطين مستعادة بكامل أراضيها، وقد تحرر كل شبر منها. وتاريخ المرأة الفلسطينية، حافل بأمجاد المقاومة والبأس والصمود، فهي المثال والتجسيد الحي، لقوة المرأة في أوقات المحن والشدائد، وكم طالت هذه الأوقات على المرأة الفلسطينية، وكم كانت هي ولا تزال، تضرب المثل وراء المثل، فتبث الأمل، وترسخ الاطمئنان في قلوب المؤمنين بالحق، وتزرع اليأس والخوف في صدر العدو، وتذكره بحتمية ويقينية زواله، ولو بعد حين. ولا يعود تاريخ المرأة الفلسطينية في المقاومة، إلى زمن النكبة وحسب، بل يمتد قديماً إلى ما قبل ذلك، إلى زمن الاحتلال العثماني والاحتلال الإنكليزي، وها هي لا تزال تصنع أعظم الملاحم، في زمن الاحتلال الإسرائيلي، والاعتداء الصهيوني البغيض على قبلة المشرقين.
خصوصية الابداع
وكما أن للمرأة الفلسطينية خصوصيتها، وتفردها في الحياة والمقاومة، لها كذلك خصوصيتها الفريدة، في ما أبدعته من فنون. ومن هذه الفنون، ذلك النوع الغنائي القديم الذي يعرف باسم «الترويدة» ومنه ينبثق نوع آخر يعرف باسم «المولالاة». وهو غناء مشفر أبدعته المرأة الفلسطينية، وأوجدته مخيلتها خلال رحلتها في الحياة، وعلى الأرجح أنه لا يوجد مثيل لهذا الفن، في أي مكان من العالم. ومن يستمع إليه يدرك أنه شيء نادر بالفعل، على مستوى الكلمات، والتنغيم، وأسلوب الغناء. وهو فن أبدعته الجماعة، لا ينسب إلى شخصية بعينها، لذا نجد فيه روح المرأة الفلسطينية، وفطرتها الأصيلة، وما تتمتع به من مشاعر وذكاء وخيال، وكل ما أدى إلى إبداع هذا الفن، على هذه الصورة الجميلة. والترويدة نوع من الغناء البطيء، الذي يحكمه إيقاع معين، ويعتمد هذا الإيقاع على الإلقاء بدرجة كبيرة، فالإلقاء منغم ويحمل موسيقاه الخاصة، لأنه قديماً لم يكن يؤدى في الغالب، بصحبة أي آلات موسيقية، وكانت النساء تغنيه بشكل جماعي، وبأصواتهن يخلقن الإيقاع. أما أغراضه وما يتناوله من مواضيع، والمناسبات التي كان يغنى فيها، فالحب كان موضوعاً رئيسياً بطبيعة الحال، والأفراح وحفلات الزفاف، تأتي في مقدمة المناسبات الاجتماعية، لكن المناسبات السعيدة لم تكن هي وحدها، الميدان الذي يتسع لهذا الغناء، فقد كان لهذا النوع من الغناء، وتحديداً المولالاة، وظيفة سياسية منذ عهد الاحتلال العثماني، وكانت النساء تغنيه، بعد أن تقوم بتشفير كلماته، وتعتمد عليه في توصيل الرسائل السرية، إلى المقاومين في أماكن اختبائهم، والأسرى في سجونهم ومعتقلاتهم، عندما يذهبن إلى زيارتهم، وبهذا كانت النساء حلقة الوصل، بين المجاهدين والمقاومين الأحرار، والمجاهدين والمقاومين الواقعين في الأسر، ومن خلال النساء، كان المعتقلون يستطيعون المشاركة ولو بالتوجيه والمعلومات، في مسيرة الكفاح وأعمال المقاومة، وما كانت تتغنى به النساء، كان يحتوي على أكواد إخبارية، أو تفاصيل حول عمليات الفداء، أي أن الغناء تحول على يد المرأة الفلسطينية، إلى وسيلة تواصل، ونقل أخبار ومعلومات، بطريقة مشفرة لا يستطيع أن يفهمها العدو، والغريب أنها كانت تفعل ذلك، مع الحفاظ التام على جماليات الغناء، وشروطه الفنية، فهو غناء جميل ممتع، من النوع الذي تتعلق به الأسماع، ويظل يتردد في الأذهان، حتى بعد الانتهاء من الإصغاء إليه.

التشفير
ونلاحظ أن طريقة التشفير ذاتها، تكشف عن ذكاء فطري كبير، والتشفير ليس بالأمر السهل، إذ يعتمد على إضافة حرف «اللام» وتكراره داخل الكلمات، وفي نهاياتها أو مقاطعها الأخيرة، مع اختلاف تشكيل الحرف من كلمة إلى أخرى. فقد كانت المرأة الفلسطينية، تؤلف الكلام أولاً وتحبك معانيه، وتضمنه الرسائل المراد توصيلها، ثم بعد ذلك تعمل على التشفير وإعادة الصياغة، ويجب أن يتم هذا، مع خلق إيقاع نغمي للكلام، والمحافظة على موازينه، وخلق الجمال اللازم والجاذبية المطلوبة، وكل ما يحقق شروط الفن. ومن يستمع إلى هذا الغناء، يشعر بجماله وتأسره جاذبيته، وإن لم يفهم الكلمات في البداية، بل إن مسحة الغموض تزيد من الجاذبية. توارثت نساء فلسطين، فنون الترويدة والمولالاة، عن الأمهات والجدات، وإلى اليوم تجد هذه الفنون من يعتني بها، ويحفظها كجزء من التراث الفلسطيني الثمين. وإذا كان حفظ التراث بشكل عام، يعد من المهام العظيمة بالغة الأهمية، ففي فلسطين يتضاعف الأمر، ويتخذ أبعاداً أكثر دقة وحساسية، فهو فعل مقاومة وحماية للهوية والوجود، وتثبيت لجذور الماضي، وإحياء للحاضر والمستقبل. ومن أهم الفنانين الذين يعتنون بفنون الترويدة والمولالاة، الفنانة الفلسطينية والباحثة في التراث، سناء موسى، فهي تغني بصوتها بعض الأغنيات، وتقدم شروحاً لهذه الفنون، وتجوب مناطق فلسطين المختلفة، لتسمعه بنفسها من سيدات الأجيال القديمة، وتأخذ عنهن طريقة الغناء الأصلية. كما تعمل سناء موسى على العناية والتعريف، بالكثير من الفنون التراثية الأخرى في فلسطين، وما تقوم به في حقيقة الأمر، يعد أمراً مهماً ومحموداً للغاية، خصوصاً في ما يتعلق بفنون الترويدة والمولالاة، لأنها من الفنون النادرة، التي يجب الحفاظ على ما تبقى منها. وتقول الفنانة سناء موسى إن سبب الندرة، يرجع إلى صعوبة حفظ الكلمات.
ومن أغنيات المقاومة، ترويدة «يا طالعين الجبل» بإيقاعها المميز ونغمها الجميل، وهي من أجمل الأغنيات، التي أدتها بصوتها الفنانة الفلسطينية الراحلة ريم بنا.
الغناء ورسائله السرية
كما كانت المرأة الفلسطينية، تقوم بتشفير أغاني السياسة والمقاومة، كانت تقوم أيضاً بتشفير أغاني الحب، وتعبر عن مشاعرها بتمويه رقيق يغلفه الحياء، والخوف من افتضاح أمر الهوى. ومن أغنيات الحب، أغنية بعنوان «يا حلولبنا» أو «ترويدة الخليل» وهي من الأعمال التي أعادت الفنانة سناء موسى، تقديمها من خلال حلقات برنامج ترويدة، وقامت بتصويرها وسط الطبيعة الفلسطينية الخلابة، وهي ترتدي الثوب التقليدي الفلسطيني بتطريزاته الرائعة، وأرفقت بالفيديو كلمات الأغنية، وفكت شيفرتها، لكي تساعد المتلقي على الفهم، وتحقق له المزيد من المتعة، والاقتراب من هذا الغناء الفريد، وتقول كلمات الأغنية: يا حلولبنا، يا حلولبنا، (يا حبنا).. يا طيليري (طيري) خذ مكتولوبنا (مكتوبنا).. حطللي غربال، شيللي غربال.. مرجولوه (مرجه) رمان لحلوبنا (لحبنا).. يا أبو الويلويلرد، يا أبو الويلويلرد (يا أبو الورد).. على خدلو عطور منولرد (على خده عطر من الورد).. على المييلي، على المييلي (على المي).. بدرحهولوه (بدرج له) على المييلي (المي).. يا حلولبنا، يا حلولبنا (يا حبنا).. يا طيليري (طيري) خذ مكتولوبنا (مكتوبنا).
ومن الترويدات الأخرى، التي تغنيها الفنانة سناء موسى، ترويدة بعنوان «يا مريم» تعد من الأغنيات الرائعة والفريدة، بطابعها الخاص الذي يجمع بين الحزن والفرح، والكلمات التوديعية، التي تقال عند مغادرة العروس بيت الأب، والانتقال إلى بيت الزوج، حيث تختلط مشاعر السعادة، بدموع الحزن على الابتعاد عن الابنة، وهي من الأغنيات غير المشفرة، فلا حاجة إلى التشفير هنا، وتقول كلمات الأغنية: بالسما يا مريم.. بالسما نجمة ولوحي.. يا رويدتنا يا مريم.. يا رويدتنا يا هييه.. كد خيويتنا نحبك.. كد خيويتنا يا هييه.. مدي دياتك يا مريم.. مدي دياتك يا هييه.. كد خياتك نحبك.. كد خياتك يا هييه.. يا جرار الزيت يا مريم.. يا جرار الزيت يا هييه.. تطلعي من البيت يا خسارة.. تطلعي من البيت يا هييه.. في السما لوحي يا مريم.. في السما لوحي يا هييه.. شيخ تفوح سبيتي.. شيخ تفوح يا هييه.. في السما غيمة يا مريم.. في السما غيمة يا هييه.. جندي في الخيمة سبيتي.. جندي في الخيمة يا هييه.. مدي دياتك يا مريم.. مدي دياتك يا هييه.. حناكي مرطب يا مريم.. حناكي مرطب يا هييه.
ومن أغنيات المقاومة، ترويدة «يا طالعين الجبل» بإيقاعها المميز ونغمها الجميل، وهي من أجمل الأغنيات، التي أدتها بصوتها الفنانة الفلسطينية الراحلة ريم بنا، كما تغنيها أيضاً الفنانة الفلسطينية رولا ميلاد عازر بصوت رائع، وتقول كلمات الأغنية:
يا طالعين عين للل الجبل.. يا موللل الموقدين النار.. بين للل يامان يامان.. عين للل الهنا يا روح.. ما بدي منكي لللكم خلعة.. ولا لا لا لا بدي زنار.. بين للل يامان يامان.. عين للل الهنا يا روح.. ما بدي منكي لللكم خلعة.. ولا لا لا لا بدي ملبوس.. بين للل يامان يامان.. عين للل الهنا يا روح.. إلا غزال للللللذي جوين.. للللكم محبوس.. بين للل يامان يامان.. عين للل الهنا يا روح.. إلا غزال للللللذي جوين.. اللللللكم ما يدوم.. بين للل يامان يامان.. عين للل الهنا يا روح.
وتعد أغنية «ترويدة شمالي» من أهم وأجمل أغنيات الحروب والثورات والمقاومة، وهي من الأغنيات المشفرة أيضاً، وتقول كلماتها: شمالي لالي يا هوالي لديرة شمالي لالي يا رويللووو (شمالي يا هوا الديرة شمالي).. ع لالي للبواب هولولم تفتح شمالي يا رويللووو (على اللي بوابهم تفتح شمالي).. وأنا ليليلبعث معليلريح الشمالي لالي يا رويللووو (وأنا الليلة لبعث مع الريح الشمالي).. يا صليلار ويدور ليللي على لحبيليلابا يا رويللووو (يوصل ويدور على الأحباب).. وطالالالت الغربة الليللي واشتقنا ليللي للهم يا رويللووو (وطالت الغربة واشتقنا لهم).. يا طيرلرش روح للي للحباب واصلللهم يا رويللووو (يا طير روح للأحباب ووصل لهم).. واصلللهم ودورللي على ناسلللهم يا رويللووو (وصلهم ودورلي على ناس لي منهم).. وسلللملي على اللي للمحبوب ميلللهم يا رويللووو (وسلم لي على المحبوب وميل عليهم).. وسللرب لا تخيللرب يا معللراس يا رويللووو (وسرب ولا تخرب يا عالي الراس).. وإن سللريبت رولولح مع السللامي يا رويللووو (وإن سربت روح مع السلامة).
كاتبة مصرية
ما كنت اعلم من قبل اختي مروة ان اغنية يا طالعين الجبل التراثية الفلسطينية تنتمي لهذا النوع المتفرد من الغناء
–
فقد سبق لي الاستمتاع بها من صوت المطربة تيريز سليمان و المدهش هو اندماج الاغنية في اغنية شعبية اسبانية
–
عنوانها panadera و تفاعل الايقاعات بين التراثين مما يوحي بتصاهر الثقافتين https://www.youtube.com/watch?v=JvBUe6Ytj9U
–
مشكورة اختي مروة على التعريف يهذا الفن النسوي المعبر عن هوية الفلسطيني الاصيلة و الموثوقة بأرضه
–
مزيدا من التألق تحياتي
شكرا جزيلا أخي خليل. ومتأسفة جدا على هذا التأخير في الرد
جميل جدا… الهدف كان ايصال الرسائل والتواصل وبلغة غير مفهومة للأجنبي المحتل وبصورة جميلة… الطريقة بسيطة باضافة حرف معين إلى الكلمات … وبازالة هذا الحرف يفهم المعنى المراد.. أحيانا استخدم الأسلوب ذاته لفهم المغربية الدارجة .. فالاخوة في المغربيزيدون دائما حرف كـ .. إلى الكلمات ولفهمها كمشرقي احاول تخيل الكلمات دون هذا الحرف. .. للمهتمين رابط الراحلة ريم بنا https://www.youtube.com/watch?v=h9mhjHfRicQ
اهلا دكتور .. وشكرا على الرابط .. استمعت
واستمتعت بالصوت الجميل .. والشجن
المعبر عن شعب بكامله.. وقد سبق لي مرات
عديدة أن عشت على المباشر اجواء الغناء
الفلسطيني .. مع شلتي الفلسطينية في أيام
الجامعة في المانيا …
.
شلتي كانت هي أيضا تجد صعوبة في فهم
الدارجة المغربية .. إلا أن اعطيتهم مفتاحا
رئيسيا لفهما .. وبعدها … مشى الحال 🙂
.
وهو أن المغاربة يسكنون أول حرف في
الكلمة.. وهذا غريب وصعب في البداية .. لكن
بعد فترة يصبح سهلا جدا… عدى هذا
فالكلمات من العربية الفصيحة .. وربما بضع
كلمات لا تستعمل كثيرا.. زائد كلمات
أمازيغية .. أو عربية بأوزان أمازيغية .. وهي
سهلة عموما ..
.
المشارقة في المغرب عموما بعد بضع اشهر
لا يجدون اي صعوبة لفهمها..
.
وان فهمتك جيدا .. فزيادة حرف الكاف أو
ألتاء على الفعل في أول الكلمة هو للحاضر
المستمر … تانشوف … كانمشي … كانرجع …
مثل Present continous .. تقريبا ..
.
تحياتي ..
تحياتي دكتور علاء وشكرا لك على المداخلة القيمة. معذرة على التأخر في الرد
نهارك سعيد يادكتورة مروة…حبذا لو تناولت كسلسلة الدبكات والرقصات الجماعيّة في المنطقة العربيّة على التوالي… في المغرب العربيّ ثمّ في وادي النيل { مصر والسودان } ثمّ في بلاد الشام ثمّ في العراق ثمّ في الجزيرة العربيّة…وهكذا سيكون لديك { كتاب} مستقبلًا وفريدًا في تخصصه عن الفنّ الشعبيّ الموروث.فلكلّ دبكة حكاية من التراث ورسائل تبثّ…
معذرة … سأثفق معك هذه المرة .. ممكن؟ 🙂
.
الفكرة أكثر من ممتازة .. وربما لا يوجد
مؤلفات من هذا النوع .. ولا يستطيع الكتابة
ببراعة ثقافية نقدية فنية عن هذه المواضيع
سوى الدكتورة مروة..
.
على اي مروة تكتب مقالات كبيرة ومهمة
وغنية.. فقط إن وضعت في حسابانها كتابا
كهدف .. اظن ان الأمر سينجح.. وقد أصدرت
مؤلفات من قبل… ما يعني أن لها خبرة التأليف..
.
ننتظر رأيك مروة.. ما انت فاعلة…
تحياتي دكتور جمال وأشكرك على الاقتراح المفيد
إلى ابن الوليد
إن شاء الله ابن الوليد، سوف أتشاور معك. تعرف كم أثق في رأيك . وقد استشرتك في عدة مقالات من قبل. شكرا لك