الأمزجة الأربعة: من نظريات الطب القديم إلى فن الباليه

ربما تبدو المسافة بين العلم والفن بعيدة شاسعة، يحيا كل منهما في عالمه الخاص المستقل، هذا يتبع العقل والملاحظات والتجارب، وذاك يتبع الخيال والشعور والجمال. لكن كثيراً ما يتقاطع العالمان بشكل أو بآخر خلال مسيرة الحضارة الإنسانية، فكان العلم مصدر إلهام للفن، كلما اكتشف سراً جديداً من أسرار الكون، وجد الفن في بعض تلك الاكتشافات مادة مثيرة للتأمل والتعبير الجمالي، وميداناً خصباً لتوسيع آفاق الإبداع. وكان الفن مصدر إلهام للعلم أيضاً، يحفز بخياله الرغبة في تجاوز المألوف والقدرة على تحقيق المستحيل. قد يجد العالم في عمل فني مبحثاً علمياً جديداً، وقد يجد الفنان في نظريات العلم وأبحاثه فكرة فنية، كما حدث لمصمم الباليه جورج بالانشين، الذي ألهمته نظرية «الأخلاط الأربعة» تصميم باليه «الأمزجة الأربعة».

تعد نظرية «الأخلاط الأربعة» من أقدم نظريات الطب في زمن الإغريق، وضعها أبقراط وطورها جالينوس، تقوم هذه النظرية على الاعتقاد بأن جسم الإنسان يحتوي على أربعة أخلاط أساسية هي، الدم والبلغم والصفراء والسوداء، وأن الصحة الجسدية والنفسية تعتمد على التوازن بين هذه الأخلاط، وأن أي اختلال في هذا التوازن يؤدي إلى المرض والاضطرابات المزاجية. وربطت النظرية بين الأخلاط وعناصر الطبيعة الأربعة، فالدم يقابل الهواء، والبلغم يقابل الماء، والصفراء تقابل النار، والسوداء تقابل الأرض، وهكذا تربط النظرية الإنسان بنظام الطبيعة الشامل.
ارتبطت تلك النظرية ارتباطاً وثيقاً بابن سينا، رغم أنها ليست من ابتكاره، لكنه قام بتطويرها وأعاد تنظيمها وشرحها في كتاب «القانون في الطب»، فربط الأخلاط بمفهوم «المزاج»، والكيفية التي تتفاعل بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، داخل جسم الإنسان، ورأى أن لكل إنسان مزاجه الخاص من تلك الأمزجة الأربعة، وأن اختلاف تلك الأمزجة يفسر بعضاً من الفروق الجسدية والنفسية بين الناس. من خلال ابن سينا وتحديداً كتابه «القانون في الطب»، انتقلت النظرية مرة أخرى إلى أوروبا، بعد أن أخذها عن الإغريق، حيث ظل كتابه يدرس في الجامعات الأوروبية لعدة قرون.

رقص الطبائع
يعد باليه «الأمزجة الأربعة» من الأعمال التي غيرت شكل الباليه في القرن العشرين، ومن المحطات الفنية الفارقة في مسيرة المصمم جورج بالانشين، عندها اكتملت لغته الفنية الخاصة، التي تحمل فكراً بصرياً لا مجرد جمالية حركية. أثارت نظرية «الأمزجة الأربعة» خيال بالانشين، فكلف الموسيقار بول هيندميث بتأليف موسيقى للباليه الذي سيقوم بتصميمه. عرض الباليه للمرة الأولى عام 1946 بواسطة فرقته «باليه سوسيتي» التي ستصبح في ما بعد «باليه نيويورك». جاء الباليه قصيراً لا يستغرق عرضه سوى نصف ساعة، بلا شخصيات ولا حبكة ولا دراما ولا تسلسل أحداث، نكون فقط مع الرقص والموسيقى وموضوع الباليه المستلهم من النظرية العلمية. ينقسم هذا الباليه القصير إلى أجزاء تعبر عن كل مزاج، فهناك الدموي والبلغمي والصفراوي والسوداوي، لكن تجسيد بالانشين للأفكار وتعبيره عنها حركياً، لم يكن بالبساطة المتوقعة من خلال أجساد الراقصين، كأن يظهر الكآبة أو الحيوية وما إلى هنالك. وإنما كان تركيزه على الترجمة الدقيقة للبنية النفسية والمزاج الذي يتحكم في الجسد، فهو لا يرينا كيف يكون الجسد الحزين الكئيب، بل يرينا كيف تتحرك طاقة الحزن والكآبة داخل هذا الجسد وتعصف به. كما عمل على أن تكون الحركة تجسيدا بصرياً بارعاً لموسيقى هيندميث، حيث تكاد الحركة أن تكون هي الموسيقى. تألفت موسيقى هيندميث من ثيمة رئيسية وأربع تنويعات، لكنه لم يجعل تلك التنويعات مجرد إعادة تلوينية للحن الأصلي، بل جعل كل تنويعة بمثابة إعادة صياغة للميلودي وتناول جديد هارمونياً وإيقاعياً.

في الثيمة الموسيقية الرئيسية التي ستتولد منها كل التنويعات اللاحقة، نستمع إلى خطوط ميلودية من البيانو والوتريات، تمضي الموسيقى بصورة متوازنة محايدة، لا تعبر عن شعور محدد أو مزاج بعينه، كأنها تقدم لنا الجسد البشري قبل أن تتحكم فيه الطبائع. ونجد بالانشين يتبع هيندميث أيضاً، فنرى في هذا القسم ثلاث رقصات ثنائية، تقدم مجموعة من الأفكار الحركية التي سيتم التنويع عليها في ما بعد. نرى الخطوط الحادة المستقيمة، والميل الشديد للأجساد، والالتواءات واختلال التوازن المتعمد، والتجريد الحركي الذي يشعر المتفرج بأنه يطلع على النقاط العامة التي بني عليها العمل.
في القسم الخاص بالمزاج السوداوي تتلون الموسيقى بلون قاتم إلى حد ما، ونشعر بالتوتر أو الاضطراب الهارموني بين الخطين الميلوديين للبيانو والوتريات، وتتراوح الموسيقى بين البطء الشديد والإيقاع الأكثر سرعة، وتبدو الأنغام في حالة بحث دائم عن اطمئنان لن تصل إليه. وهذا ما نجده في الرقص أيضاً، حيث يبدو الجسد ضائعاً لا يعرف توازناً ولا استقراراً، يميل إلى الأمام ثم يسحب إلى الخلف، وتمتد الذراعان والساقان إلى أقصى حد، كما لو أن هناك قوة خفية تتنازع ذلك الجسد.

وفي القسم الخاص بالمزاج الدموي نستمع إلى موسيقى أكثر إشراقاً وتمتلئ بالطاقة، إيقاعات راقصة وألحان سريعة مرنة، تسير داخل بناء نغمي منضبط. وقد عبر بالانشين عن هذه الحيوية من خلال حركات سريعة، وبعض القفزات الخفيفة والانتقالات المفاجئة من وضع إلى آخر، هناك إحساس بالاندفاع والمرح بلا شك، لكن من دون التعبير المباشر المعتاد عن السعادة. وفي المزاج البلغمي أو الليمفاوي، يسمعنا هيندميث موسيقى معتدلة السرعة بإيقاع متزن، فالأنغام أقل اندفاعاً وأكثر استقراراً، تمنح الشعور بالهدوء والسكون إلى حد ما. لكن الحركة التي صممها بالانشين لم تعتمد على الخمول والبطء الشديد، بل كانت تتسم بالهدوء والاتزان والسيطرة، حيث يبدو الجسد وكأنه يتحكم في كل شيء، من دون انفعالات حادة أو تقلبات مفاجئة. وفي القسم الأخير الخاص بالمزاج الصفراوي تتوتر الموسيقى ويصبح الإيقاع أكثر حدة وسرعة، ويزداد الإحساس بالقوة والاندفاع. أما الرقص فيعتمد على الأداء الغاضب إلى حد ما، والقفزات القوية والتغيرات المفاجئة في الحركة، والتشكيلات الجسدية حادة الزوايا، والتكوينات الجماعية المتغيرة باستمرار.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ALI ALI:

    * * التقدير و الإحترام للدكتوره مروه ، عن هذا المقال الهام ، الذي موضوعه إتصال العلم بالفنون ، و منها عرض من عروض الباليه ، عنوانه ” الأمزجة الأربعة ” ، و إختارت الدكتوره مروه فن الباليه ، كفن رفيع نقي مجرد ، يتواصل بين الإيقاع الزمني و المكاني ، و في بنائه يتوازن الحسي و الروحي ، ليثير المقال قضية علاقة العلم بالفنون ، و هي قضية ، مازالت قيد النقاش و البحوث حتي عصرنا اليوم .
    * * و أشارك الدكتوره مروه الرأي ، بتقاطع عالم العلم و عالم الفن خلال مسيرة الحضارة الإنسانية ، سعياً لتوصيل المعرفة و نشرها ، بإعتبار المعرفة مقصد مشترك لعالمي العلم و الفن .
    * * مقال هام يا دكتوره مروه ، يعرض بسطوره موضوع حيوي ، عن علاقة و تواصل عالما العلم و الفن .. ، سلم يراعك يا دكتوره مروه ، و لا إنقطع مدادك ، و شكراً .

    1. يقول مروة صلاح متولي:

      شكرا جزيلا يا فندم 💕🙏

  2. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، «الأمزجة الأربعة: من نظريات الطب القديم إلى فن الباليه». إلى ابنتي الجميلة الدكتورة مروة صلاح متولي، علينا أولًا أن نعترف بأنه مقال يحتاج إلى قراءته مرتين حتى يستوعب القارئ فكرته كاملة. رأيي الصريح أن المقال جميل وممتع ثقافيًا، وفيه جهد واضح ومعرفة جيدة بتاريخ الطب والموسيقى والباليه، كما أن فكرته الأساسية، وهي التفاعل بين العلم والفن، فكرة قوية وجديرة بالتأمل والاحترام. وأعجبني خصوصًا الربط بين نظرية الأخلاط الأربعة القديمة وبين عمل فني حديث، لأن ذلك يبين كيف يمكن للأفكار أن تعيش قرونًا طويلة وتنتقل من جيل إلى جيل. والمقال ينجح في إظهار كيف يلهم العلم الفن، لكنني أراه في الحقيقة يتحدث عن شيء أوسع، وهو كيف تلهم الأفكار الإنسانية بعضها بعضًا، حتى لو كانت تلك الأفكار قديمة أو تجاوزها الزمن. وبصورة عامة، أرى أن المقال ثقافي رفيع المستوى، ويصلح لقراء الفنون والموسيقى والفكر، لكنه يحتاج من القارئ إلى شيء من الصبر والاهتمام، لأنه ليس مقالًا سهلًا أو جماهيريًا، بل أقرب إلى المقالات الثقافية المتخصصة. ولهذا أرى أننا مطالبون باحترام المثقفين الذين يبذلون جهدًا كبيرًا في توصيل المعرفة والفكرة للقارئ، فالثقافة الجادة ( 1 )

  3. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    تحتاج إلى من يقدرها. وأعجبني جدًا وصف بالانشين للحزن أو الكآبة باعتبارها «طاقة تتحرك داخل الجسد»، لأن هذا وصف فني عميق، وليس مجرد تصوير خارجي للمشاعر. تحياتي للدكتورة مروة، وهل من مزيد؟ وللقدس العربي، جريدتي المحبوبة إلى قلبي. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. محيي الدين أحمد علي رزق، إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9/10/1971. (على شباب الأمة الإسلامية المطالبة بتحرير فلسطين بالكامل). ( 2 )

    1. يقول مروة صلاح متولي:

      وعليكم السلام أستاذ محيي
      شكرا جزيلا على المشاركة الجميلة التي أضافت إلى المقال بالفعل.
      خالص مودتي وتقديري

  4. يقول غياث مرزوق الديري:

    اعشق فن الباليه منذ صغري لكن ظروف بلادنا لم
    تكن تسمح بذلك.. بعد زواجي عوضت ما فقدته صغيرا بالابناء الذين ادخلتهم مدرسة للباليه. شكرا
    دكتورة مروة على هذا المقال الجميل.

  5. يقول هويدا:

    نظرية الأمزجة الأربعة منسوبة نسبا إلى أبقراط ولكن هذا ليس أكيدا..
    وحتى لو كان هذا النسْب صحيحا، فإن الأساس الفلسفي الطبيعي لهذه النظرية..
    إنما هو نظرية العناصر الأربعة التي جاء بجلها الفيلسوف أمبدوقليس – النار والماء والهواء والتراب !!

اشترك في قائمتنا البريدية