الرواية مقياس لحرية التعبير والتقدم العلمي

يعد الإبداع مقياسا لفهم تطور الشعوب ورؤيتها للمستقبل، ولا سيما في مجال الرواية. وتوجد أنواع عديدة من الروايات يجري تصنيفها حسب مقاييس محددة منها، نوعية الموضوع وطريقة السرد، وتعطي بعضها رؤية مسبقة عن حرية التعبير في مجتمع معين، وكذلك التقدم العلمي، ونعني بذلك الرواية البوليسية في شقها الاستخباراتي، ورواية الخيال العلمي. نوعان يكادان يكونان غائبين في الساحة الأدبية العربية، باستثناء بعض التجارب المحدودة.
عندما يزور المرء مكتبة في دولة غربية، خاصة الولايات المتحدة أو بريطانيا، يقف حائرا أمام وفرة الإنتاج الروائي، ويندهش أكثر عندما يجد أن أدب الخيال العلمي والروايات البوليسية والاستخباراتية تتصدر المبيعات عادة. وهذا يصدمنا نحن القراء في العالم العربي، بعدما ارتبط في مخيالنا، أن الرواية الحقيقية هي تلك التي تروي الواقع المعيش، سواء بمرارته أو برتوشات لتجميل الواقع، بينما باقي المواضيع ترف فقط. وعند التعمق في البحث عن السر في تلهف القارئ الغربي للرواية التاريخية والاستخباراتية والخيال العلمي، سنجد تفسيرات منطقية لهذا الذوق في القراءة، التي تعكس واقعا لا نلمسه نحن القراء في العالم العربي أحيانا. وهكذا، سنجد أن ما نعتبره خيالا علميا محضا هو في الغرب مظهر آخر من مظاهر قوة حضور البحث العلمي في المؤسسات الحكومية والخاصة والجامعية، وبالتالي فإن روايات الخيال العلمي تعكس هذا الجانب أو المظهر. ومن ضمن الأمثلة، إذا أخذنا روايات الأطباق الطائرة، أو “الأجسام الطائرة مجهولة المصدر”، التي تجد إقبالا كبيرا في الغرب، سنجد أن ما كان يعتبر خيالا أصبح نسبيا واقعا، وذلك لسببين، الأول هو سعي علماء الفضاء لفهم الكون ومحاولة البحث عن حضارات في كواكب أخرى، بينما السبب الثاني هو أن هذا الموضوع أصبح يطرح رسميا في الكونغرس الأمريكي، وبدأت كبريات الجامعات الغربية تخصص له أبحاثا، بعدما اعترف البنتاغون بوجود أجسام غريبة في الفضاء قد لا يكون مصدرها البشرية. ونجد روايات إسحاق إسيموف، أكبر كاتب في الخيال العلمي في القرن العشرين في روايات مثل “المؤسسة”، أو “روبوت” هذه الأخيرة سابقة لأوانها بعدما طرحت العلاقة بين الإنسان والروبوت، وهو ما تواجهه البشرية الآن بشكل جنيني، وسيصبح تحديا بسبب التقدم في صناعة الروبوت وتسليحه بالذكاء الاصطناعي، وهكذا ما كان خيالا يصبح واقعا أو قريبا من الواقع.
وحول الرواية الاستخباراتية، فإن المبدع الغربي، الذي عاش الحرب الباردة منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، بين الاتحاد السوفييتي ومن يدور في فلكه ضد الغرب، ألف روايات تدور حول هذا الصراع، ويكرر التجربة نفسها في مواضيع تتعلق بالصين أو العالم العربي. ذلك، أن حرية التعبير تسمح بسقف عال في الإبداع الأدبي، بمعنى حرية التطرق الى هذه المواضيع، ثم توفر عناصر تساعد على ذلك مثل، إزالة الستار عن وثائق استخباراتية. ويكفي أن مختلف البرلمانات الغربية تتوفر على لجن خاصة بمراقبة عمل الاستخبارات، وتخصص صحافيين في متابعة أعمال الاستخبارات، بما في ذلك فضح بعض تجاوزاتها. ولهذا، فإن اهتمام الروائي الغربي بهذه المواضيع، هو اهتمام بجزء من الأجواء الثقافية والاجتماعية التي يعيشها في محيطه. وتحول أبطال بعض الروايات إلى أيقونات عالمية مثل جيمس بوند بطل روايات الكاتب أيان فلمينغ.
في العالم العربي، يتجنب غالبية الروائيين التطرق إلى مواضيع الاستخبارات لغياب أرشيف يمكن الاعتماد عليه كمصدر إلهام، ثم الرهبة والخوف من الاقتراب من هذه المواضيع بسبب غياب حرية التعبير. وفي مجال الخيال العلمي، وكالعادة، نجد في العالم العربي المفارقات الكبرى بشأن الإنتاج الروائي بعدما جرى اختصار الإبداع في غالبيته في سرد الواقع بروايات ذات خطاب سياسي قد يكون رافضا للنظام، أو ذات طابع سوسيولوجي في رصدها لبعض ظواهر المجتمع. ووسط كل هذا تغيب الرواية البوليسية والتاريخية والخيال العلمي، إلا من بعض المبادرات المحدودة. ولعل من المضحك أن بعض النقاد لم يترددوا في وصف أدب الخيال العلمي بقصص أو روايات الشباب، وذلك في تبخيس حقيقي لهذا النوع الأدبي، غير واعين أن أدب الخيال العلمي هو نوع من الترمومتر الذي يقاس به، في مجتمع معين، مدى الوعي بالبحث العلمي في مجالات مثل الفيزياء والكيمياء والفضاء واستشراف المستقبل. وليس غريبا أن كبار الكتاب في الخيال العلمي لهم تكوين علمي متين مثل إسحاق أسيموف، الذي كان عالما كبيرا في الكيمياء، ومتخصصا في نشر الثقافة العلمية، أو كارل ساغان العالم الشهير الذي يعد من كبار مفكري القرن العشرين لجمعه بين التفكير الفلسفي والعلمي بروح نقدية، وساهم في إرسال سفينة فوياجير الى الفضاء، التي غادرت المجموعة الشمسية نحو عمق الكون.
إن التكوين العلمي الرفيع لروائيين مثل أسيموف وغيره، يعزز عملية السرد الروائي من ترتيب الأحداث واختيار الشخصيات ورسم العوالم وبناء الحبكة عموما. وإذا قمنا بفلاش باك للماضي، سنجد أن التراث العربي غني بإبداعات تدخل ضمن العالم الغرائبي مثل “ألف ليلة وليلة” بشخصياتها الرائعة مثل سندباد، أو مغامرات سيف بن ذي يزن، هذا الإبداع المتصل بالخيال، كان يجب أن يستمر لولا سلطة الفقه الديني المتزمت، ومحدودية العلم وطغيان الاستبداد السياسي. كوكتيل من العناصر الصامدة في وجه التغيير، جعلت الإبداع ومنه في مجال الرواية الخوف وضعف الخيال. ونتساءل: متى سنرى في العالم العربي روائيين في عالم الاستخبارات، من حجم جون لوكاري بروايته “الجاسوس الذي جاء من البرد” وتوم كلانسي صاحب رائعة “صيد الغواصة الحمراء”؟ وروائيين في الخيال العلمي حجم جورج هربرت ويلز صاحب “حرب العوالم”، وفرانك هاربر صاحب رواية “دون” DUNE ؟ ولا ننسى كيف تحولت بعض روايات الخيال العلمي إلى حقيقة مثل “من الأرض الى القمر” لجون فيرن، ووصل الإنسان إلى القمر سنة 1969. ويطرح كارل ساغان في روايته “الاتصال” سنة 1985، فرضية اللقاء مع كائنات من الكون الفسيح والانعكاسات السياسية والدينية على البشرية. وها هي وكالة الناسا التي تعترف بوجود أجسام في أجوائنا تجهل مصدرها، وقد طلبت منذ سنتين من علماء مختلف الأديان السماوية التكهن بما سيحدث للبشرية، في حالة لقاءات مع حضارات فضائية، وكأنها تمهد لحدث كوني ما.
لهذا، فإن الإبداع الروائي في شقه الاستخباراتي والخيال العلمي يبقى مؤشرا دالا وترمومترا جوهريا لمعرفة مستوى حرية التعبير وقوة انتشار المعرفة العلمية في أي مجتمع، أشياء يتمتع بها الغرب ونفتقدها بقوة في العالم العربي، على الرغم من بعض التجارب القليلة الشجاعة.
كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول قارئ:

    رواية ممتعة في النظر إلى الرواية العربية، فالأدب العربي لا يمكن تحميله ما لا يحتمل. نحن نعيش اليوم حالة من الأمية المعرفية المخيفة، ولا يمكن القفز مباشرة إلى كتابة رواية الخيال العلمي بينما جامعاتنا ما تزال فتية ولم تراكم خبرتها في البحث العلمي بعد. في المقابل، تتوافر في الغرب شروط عديدة، من بينها جامعات عريقة راكمت الكثير في العلوم التجريبية. ومع كل ذلك، تبقى مسألة غياب أدب الخيال العلمي في الساحة العربية غير مبرَّرة تمامً

اشترك في قائمتنا البريدية