لوس أنجليس – «القدس العربي»: طُرح العام الماضي فيلمان عن حياة قاضية المحكمة العليا الأمريكية روث بادر غينسبورغ، الأول وثائقي «آر بي جي»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «صندانس» للأفلام المستقلة، والثاني روائي، جسدت فيه دورها النجمة البريطانية فيليسيتي جونز، وهو «على أساس الجنس»، الذي حصل على عرضه الأول في مهرجان المعهد الأمريكي في لوس أنجليس. اذاً لماذا هذا القدر من الاهتمام بشخصية روث غينسبورغ؟
عُينت روث في منصب قاضية في المحكمة العليا الأمريكية، عام 1993، على يد الرئيس بيل كلينتون، بينما كانت في الستين من العمر، لتصبح ثاني إمرأة تصل لهذا المنصب الرفيع. وبعد تقاعد القاضية الأولى، ساندرا دي أوكانر، باتت روث المرأة الوحيدة في المحكمة بين تسعة قضاة لمدة ما يقارب عقد. وقد استغلت منصبها للدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، وتحولت إلى أيقونه أمريكية، تمتعت بشعبية توازي شعبية نجوم موسيقى الروك، لدرجة أنها صارت تعرف بكنية «آر بي جي الشهيرة».
لكن غينسبورغ نالت شعبيتها ونفوذها قبل تسلم المنصب الرفيع، وذلك لأنها تعتبر مسؤولة عن تغيير القوانين الأمريكية، التي تضمنت تمييزا ضد النساء، منذ تأسيس الولايات المتحدة حتى بداية السبعينيات، عندما شرعت المحامية الشابة برفع قضايا ضدها من خلال تمثيلها لأشخاص تضرروا منها، وفازت بمعظمها.
هذه الانجازات يسلط الضوء عليها فيلم «آر بي جي»، الذي يتبع القاضية في عملها في قاعة المحكمة العليا وجولاتها في مراكز دراسية وثقافية في الولايات المتحدة وخارجها، حيث تلقي المحاضرات أمام معجبيها وفي لقاءاتها مع السياسيين والقضاة من الداخل والخارج.
وفي حديث مع جونز في فندق «الفور سيزنس» في بيفرلي هيلز، عبرت عن خوفها من تجسيد أيقونة مثل غينسبورغ. «إنها مسؤولية كبيرة»، تقول الممثلة البريطانية. «إنها إمرأة موقرة تمكنت من الوصول الى قمة السياسة الأمريكية. ولقد قمت بكل ما يمكنني فعله كي أتقمص شخصيتها، ولكي أنصف انجازاتها، من خلال قراءة كل ما كُتب عنها وفهمت سيرتها الذاتية. بالإضافة إلى أعوامها الأولى. توجّب علي فهم كل عنصر من عناصر شخصيتها والأسباب التي سوّغت لها خياراتها. وعشت شخصيتها وصوتها بفضل مصدر رائع يتضمن كل القضايا، التي ناقشتها والتسجيلات الحية. وأنا أضع السماعات واستمع إليها مرارا وتكرارا أينما ذهبت، إذ ما أردت تصويره هو الصدق والقوة، التي تحلت بهما مرافعاتها في المحكمة. إنها امرأة خجولة بطبيعتها ولم تكن الأمور سهلة بالنسبة لها، لكنها عندما تكون في المحكمة وهي ترافع في قضية تؤمن بها تكون شخصا مختلفة تماما».
جونز لم تكتف بدراسة شخصية روث، بل قامت أيضا بتغيير مظهرها من خلال تركيب أسنان متوجة كي تقلد ابتسامتها. وقضت وقتا طويلا مع مصممي الأزياء والشعر والتجميل وارتدت الباروكات من أجل تحقيق تقمص تام لها عبر أجيال مختلفة من الخمسينيات حتى السبعينيات.
الزوجة والأم والقاضية
«على أساس الجنس» يتناول التحديات التي واجهتها روث في بداية سيرتها ودفعتها لتحقيق الانجازات التي يطرحها فيلم «آر بي جي»، إذ يفتتح بالتحاقها بكلية الحقوق في جامعة هارفارد عام 1956، حيث كانت واحدة من تسع نساء في فصل دراسي يضم خمسمئة طالب. وفي مشهد مائدة عشاء، يعاتب عميد كلية الحقوق النساء التسع على احتلال مقاعد في كليته كان يستحقها رجال. فترد عليه روث ساخرة، بأنها التحقت بالكلية كي تتفهم وتساند زوجها، الذي أيضا يدرس الحقوق.
وعندما يُصاب زوجها، مارتي، بسرطان البروستات، تقوم بوظائف دراسته خلال علاجه، فضلا عن وظائفها والاعتناء بطفلتهما، ومع ذلك تحصل على المرتبة الأولى في فئتها.
تضحيات روث تستحضر تضحيات جين هوكينغ، التي جسدتها جونز في فيلم «نظرية كل شيء»، لزوجها الفيزيائي الشهير ستيفين هوكينغ، بعد إصابته بمرض العصب الحركي. جونز، التي نالت ترشيحا لأوسكار أفضل ممثلة عن أداء دور هوكينغ، كانت تدرك التشابه في الحالتين، لكنها تؤكد أن ما فعلته روث لم يكن تضحية.
«روث كانت واقعة في حب مارتي، وكانت تؤمن به كثيرا لدرجة أنها لم تكن قادرة على التصرف بأية طريقة أخرى»، تقول جونز «بالرغم من أنه كان أحدهما وراء الكواليس وفي الخلفية فهو لا يزال يمثل عنصرا حيويا في الشراكة، ولطالما أفادت روث بأنها لم تكن لتتمكن من القيام بأي شيء من دون مارتي».
فعلا، ففي ذاك الزمن كان على المرأة أن تعتمد على الرجل في معظم مجالات الحياة. فبعد تخرج الزوج من كلية الحقوق بامتياز، يصبح مارتي شريكا في إحدى أبرز شركات المحاماة، بينما ترفض كل الشركات توظيف روث لكونها امرأة. ومع ذلك لم تستسلم لتصبح ربة بيت، بل انخرطت في سلك الأكاديمية وعملت كأستاذة في كلية الحقوق في جامعة روتجرز، حيث سلطت الضوء على عدم المساواة بين الرجل والمرأة في القانون الأمريكي.
التحيز الجنسي، الذي كان على روث التعامل معه بشكل يومي، دفعها للعمل من أجل تغييره، لكنها سرعان ما أدركت أن المطالبة بمساواة المرأة بالرجل كانت ستبوء بالفشل لأن كل الحكام آنذك كانوا رجالا لا يعترفون بتحيز القانون ضد النساء، لهذا قررت أن تطالب بالمساواة بين الجنسين وتثبت أن التمييز الجنسي يضر أيضا بالرجال. ولتحقيق ذلك كانت في حاجة لمؤازرة مارتي.
«كانت الحياة المنزلية لمارتي وروت غير تقليدية أبداً في ذلك الوقت»، تضيف جونز «فقد تولى مهام الطبخ والكثير من المسؤوليات المنزلية، وكانت هي من تخرج للعمل. فهما اتخذا قرارا في مطلع علاقتهما بأن تكون حياتها المهنية محور التركيز وأنهما سيعملان سوياً لتمكينها من الوصول الى النقطة التي وصلت إليها الآن».
مؤازرة مارتي لروث لم تقتصر على الوظائف المنزلية، بل كان المحرك وراء حملتها في الدفاع عن حقوق المرأة. ففي عام 1972، يطلعها على قضية رجل حُرم من خصم ضريبي على العناية التمريضية لوالدته، لأن القانون كان يفترض أن الرعاية المنزلية كانت وظيفة المرأة، بينما وظيفة الرجل كانت العمل خارج البيت.
تأخذ روث القضية الى محكمة الاستئناف في محاولة لتأسيس سابقة مهمة من شأنها أن تسمح بتحدي أي قانون دائم يميز على أساس الجنس. وقبل أن تواجه القانون والحكومة الأمريكية، حاولت أن تحصل على مساندة مناصري حقوق النساء في معركتها، لكن سرعان ما أدركت أن الأمر لم يكن سهلا، لأنهم لم يؤمنوا بتحقيق المساواة في المحاكم، بل من خلال المظاهرات في الشوارع من أجل الضغط على المؤسسات الحكومية لتغيير قوانين التحيز. وحذرها بعضهم بأنها ستخسر في المحاكم وعندما يحصل ذلك، سترجع النساء عشرة أعوام إلى الوراء.
«منيت بكثير من الانتكاسات وكانت الظروف دائما ضدها»، تعلق جونز «ومثل روكي أصبحت أقوى وأصلب، وحاربت أكثر وأكثر، وهو ما أردت أن أظهره. هذا التقدم من كونها شابة تبدو متحفظة في الظاهر، لكنها في الوقت نفسه تمتلك قوة داخلية هائلة. ما نراه في وقت لاحق في حياتها هو امتلاكها المطلق لناصية تلك القوة».
التمييز العنصري والجنسي في الولايات المتحدة
روث لم تشارك في المظاهرات لأنها كانت تؤمن أن تغيير الثقافة في المجتمع لن يتحقق إذا لم يتغير القانون. هذه الاستراتيجية استلهمتها من المحامي ثيرغود مارشال، الذي قام برفع مئات قضايا التمييز العنصري منذ ثلاثينيات القرن الماضي من أجل تحقيق المساواة للسود في الولايات المتحدة، ونجح في إلغاء معظم قوانين الفصل والتمييز العنصري في الولايات المتحدة، ولاحقا أصبح أول قاض أسود يُعين في المحكمة العليا الأمريكية.
التمييز العنصري والجنسي في الولايات المتحدة نبع من الدستور الأمريكي الذي شارك في كتابته رجال بيض وحسب. لهذا عندما يذكّر قاضي محكمة الاستئناف روث أن كلمة «المرأة» لم تظهر ولا مرة واحدة في الدستور الأمريكي، ترد عليه: ولا حتى كلمة «حرية»، سيادة القاضي.
وبعد فوزها بالقضية الأولى في بداية السبعينيات، تستأنف روت مئات قضايا تمييز أخرى، ضد رجال وضد نساء، الى المحكمة العليا وتنجح في تحقيق المساواة للنساء في معظم مجالات الحياة أمام القانون الأمريكي.
كما لم تكتف بما حققته في الولايات المتحدة، إذ سافرت الى دول أخرى، ومن ضمنها مصر وتونس عام 2012 لتحثهما على تعديل دستوريهما من أجل حماية الحريات الفردية وتحقيق المساواة للنساء.
«كلنا استفدنا من جهد روث»، تقول الممثلة إبنة الخامسة والثلاثين من العمر. «لقد غيرت هندسة السياسية المتعلقة بالجنسين في الولايات المتحدة، التي لها بالتالي تأثير كبير على بقية العالم. لكن الكفاح من أجل مواصلة حماية حقوق المرأة مستمر».
رغم نجاح الفيلم في بث رسالة مهمة إلا أن بعض النقاد وصفوه كفيلم هوليوودي تقليدي رائج، ضحى بمصداقية الأحداث من أجل الإثارة والدراما، ولم يمنح قصة روث البعد الشخصي والمهني الذي تستحقه. كما شكك بعضهم باختيار جونز لأداء دورها. لكن الممثلة البريطانية تؤكد أن روث كانت راضية عن أدائها.
«ما قدمته كان مزيجا من الدراما والواقع»، توضح جونز. «أنا شديدة الاهتمام بالتفاصيل، أي كيف يبدو هذا الشخص وماذا يلبس وأي نوع من الأحذية ينتعل؟ ومثل تلك الأمور. عندما تشاهد الفيلم أريدك أن تصدق بأنني هي، من خلال النظر إلى تلك التفاصيل. ولتحقيق ذلك خضعنا للكثير من اختبارات الشاشة، حاولنا من خلالها تجربة أمور مختلفة، وعندما يحين وقت التصوير تشعر وكأنك أنت ذلك الشخص. ولكن يجب ألا نغفل عن كون السينما ترفيها وتسلية أيضا».
«على أساس الجنس» لم يكرم بأي جوائز، بينما فاز فيلم «آر بي جي» بجوائز عدة، فضلا عن ترشيحه للأوسكار. ومع ذلك كلا الفيلمين يستحقان المشاهدة لأن محور كل منهما شخصية روث الرائعة والملهمة، التي ساهمت في تغيير العالم.