حلقات من حياة القصور والحاشية والرعيةالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: دور المطربة الكبيرة أسمهان الذي قدمته الفنانة سولاف فواخرجي في شهر رمضان من العام الماضي، لا شك كان الدفعة القوية التي أهلتها لتجسيد شخصية كليوباترا في مسلسل تاريخي من الحجم الثقيل، يحكي حياة أشهر الملكات الفرعونيات اللاتي اعتلين العرش وحكمن مصر في زمن الصراعات والإمبراطوريات الكبرى، الدور نفسه تمنته فنانات كثيرات، بل وحاربن من أجله ولكنه ذهب الى من تستحقه والأكثر ملاءمة للشخصية، فسولاف تحمل ملامح هادئة ورصينة توحي بالكبرياء والعظمة، وفي ذات الوقت لا تشي ملامحها بنزعات الشر الصريحة، وربما ذلك ما جعلها قريبة من كليوباترا الملكة التي تتغير طباعها بتغير المراحل ولا تقف عند حدود السمة الواحدة وإن غلبت السمات الأساسية عليها، هذا التنوع في الأحاسيس والمشاعر والقدرة الفائقة على ضبط النفس في أحلك الظروف يصعب من تقمص الشخصية ويجعل الأداء الثابت لكل الجوانب النفسية شبه مستحيل، فنحن أمام ملكة لها من النفوذ والقوة والغرور والثروة والثورة والدهاء والأنوثة ما يفرض قدرة غير طبيعية لاتقان الأداء والغوص داخل الشخصية وأعماقها الغائرة لاكتشاف كل ما هو خفي ومستتر وراء المظاهر الملكية وعزوة الجاه والسلطان، الملامح كلها تتبدى في وجه البطلة والممثلة القديرة، فيصبح تحقيق كل المعادلات الصعبة ممكنا وليس ثمة شيء في الأداء يستعصى عليها، وهذا هو الفارق بين ممثلة تتعامل مع الشخصية من الخارج وأخرى تدقق في التفاصيل الظاهرة والباطنة فتكون النتيجة على هذا النحو المتميز الواضح في المسلسل التراجيدي ـ التاريخي المهم، يقودنا الحديث عن كليوباترا الى الحديث عن الملكة ‘نازلي’ أم الملك فاروق، وهي الشخصية التي تقوم بأدائها وتجسيدها الفنانة نادية الجندي في مسلسل ‘ملكة في المنفى’ وهو ما نلحظ فيه تعاطفا جليا مع الملكة التي مكنت ابنها من الجلوس على كرسي الحكم وكان لا يزال حديث السن، ثم اصبحت تدير شؤون البلاد من خلف الستار الى أن اشتد عوده فدب بينهما خلاف حاد بسبب علاقة نازلي بحسنين باشا وما أشيع حولهما من أقاويل لا تليق بسمعة عائلة ملكية، مما اضطر العائلة الى الوشاية بالباشا عند الانجليز فدبروا له حادثة وتخلصت الأسرة الحاكمة من عار الأم والعشيق واصبح لا مناص أمام نازلي من الفرار لدول أوروبا لحين هدوء العاصفة وكف الألسنة عن تناول سيرتها الحسنة، هذه المأساة الإنسانية الأخلاقية صور منها كتاب الدراما مواقف وحكايات وأساطير ونسجوا على منوالها قصة اختلط فيها الواقعي بالخيالي لتأتي الحدوتة في النهاية بالنتائج المؤثرة مؤكدة ان الملكة هي الضحية، ضحية من؟ ولماذا؟ لا يهم!القضية الكبرى والغاية الأسمى تتلخص في الحنين الى زمن الملكية، الفتنة التي ايقظتها السيناريست لميس جابر منذ ان كتبت مسلسل الملك فاروق بمنتهى الحب والتعاطف وفتحت الباب لكتابات أخرى من هذا النوع، حتى الشخصيات التي قال فيها التاريخ كلمته باتت محل خلاف ونظر، ومن ثم فإن الطعن في ثورة يوليو ورجالها يكون جائزا طالما انها حرمتنا من العيش في ظل الأرستقراطية والأبهة وزمن الليبرالية وحرية الكلمة والتعبير، الى آخر الأكليشيهات المعروفة والرائجة الآن بقوة في الشارع المصري، أما ما أحاط بالقصر وحاشيته من فساد وإفساد وسلب ونهب وجلد فلا أصل له ولا صورة في الدراما الملكية النظيفة، غير ان الكلام عن احداث تاريخية بعينها مثل حريق القاهرة واغتيال أمين عثمان ـ أسبابه وشواهده- فضلا عن صفقة الاسلحة الفاسدة في حرب 48 وما أسفرت عنه من ضحايا أبرياء فهذا كله ليس في اعتبار الكُتاب والمخرجين، الأهم منه هو الدخول الى البلاط الملكي وعرض ما بداخله من تفاصيل حياتية وصراعات تثير الشفقة وتحنن قلوب العوام على الملكة وبناتها وابنها الملك الأغر ولكي يصل التعاطف الى أقصى درجاته تسند البطولة الى نجمة الجماهير نادية الجندي، فهي اكثر النجمات تأثيرا على الناس وما تقوله وتجسده صوتا وصورة مصدق ولا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه، وهذه حيل فنية تنطلي فقط على السذج والدهماء لأن الجمهور إذا غفر للملكة سقطتها ونزواتها فلن يغفر للملك كوارثه، حيث إعادة النظر لا تكون في تاريخ ملك اتكأ عرشه على ركائز الاستعمار ووصايته ونشر الفساد والمحسوبية وجعل للراقصات والغانيات حظوة وللمحظيات من نسائه وعشيقاته سلطات وقرارات حكمت فهمي وكاميليا نموذجا!ناهيك عن تبديد ثروات البلاد في لعب القمار وسباق الخيول واليخوت والاستراحات والقصور وما خفي، كل هذه الدلائل أو بعضها لا يظهر لها أثر في السيناريوهات التفصيل التي تحاك على مقاس البطلات، من انتهى زمانهن ومن صعد نجمهن، إنها عمليات التواطؤ نمارسها على أنفسنا وعلى تاريخنا فنهيل التراب على مراحل النهوض والازدهار ونزيل ركام السنين من فوق أزمنة الاستبداد والاستعباد ونجلي الصدأ لنضع سطحا براقا لشخصيات رفلت في النعيم، بينما كان الشعب كله يعيش في الوحل!نادية الجندي، صاحبة العصمة والملكة المتوجة في دراما رمضان لا تتحمل وحدها وزر قيامها بدور نازلي فهي لا تعدو كونها ممثلة تجسد الشخصية وتتعامل معها من الناحية الفنية، وشخصية الملكة نازلي مليئة بالمغريات ومن الصعب على فنانة في خبرة نادية الجندي ان ترفض الدور، اما من يحق عليهم اللوم فهم جهة الانتاج والمؤلف والمخرج وبصفة خاصة المؤلف لأنه صانع الشخصية الأول والحري به الدقة في كل ما يكتب من أحداث ويرسم من شخصيات، فكتابة الدراما التاريخية أمانة قبل ان تكون حرفة ومسألة التوجه السياسي فيما يتعلق بالتاريخ جائزة في حدود طالما ان الكاتب لم يغفل أشياء حقيقية او يضيف من خياله.الخصب ما ليس في السيرة ويضفي على بطلاته من السمات والصفات ما لم يتمتعن به فذلك يليق بما هو اجتماعي وما يرتبط كله بالخيال، باعتبار ان الإضافات تفعل في الدراما فعل المقبلات والمشهيات فكلما كانت ‘حراقة’ كان الإقبال عليها مضمونا شريطة أن يتجنب الكاتب ما يسبب الإصابة بالبواسير.qmaqpt