سؤال الحرب

حجم الخط
8

الرابعة والربع من بعد ظهر الأحد 1-9-2019 ردّ حزب الله بضربة موضعية على أحد معسكرات الجيش الإسرائيلي في مستعمرة «أفيفيم» المقامة على أراضي قرية الصالحية المدمّرة والمهجّرة، بقذائف الكورنيت المضادة للدروع، وأصاب آلية إسرائيلية. الإسرائيليون نفوا وقوع إصابات في صفوف جنودهم، ومصادر حزب الله أكدت أصابة حوالي أربعة جنود.
غير أن المهم هو حالة الاسترخاء التي حصلت على جانبي الحدود بعد ساعات معدودة من تنفيذ الضربة، كأن الجميع تنفس الصعداء، أمين عام حزب الله نفذ وعده، ونتنياهو لم يدفع ثمن اعتدائه على لبنان، وعادت الأمور إلى نصابها المعتاد، أو هذا ما أوحت إليه إشارات الطرفين.
الحرب ليست على الأجندتين الإيرانية والإسرائيلية الآن، نتنياهو اكتفى بإشاعة جو من التوتر قبيل معركته الانتخابية المصيرية، وحزب الله أعاد تأكيد قوته الردعية، بينما يتابع الأمريكيون حرب الحصار على إيران وحزب الله، وكان آخر علاماتها وضع «جمّال ترست بنك»، على لائحة الإرهاب، أي إقفاله عملياً.
نحن أمام صراع مفتوح في حرب مؤجّلة، وهي حرب تمتد ساحاتها من الخليج إلى لبنان، أي أن لبنان وفلسطين لم يعودا ساحتها الرئيسية، على الرغم من الدور المركزي الذي يلعبه حزب الله في الاستراتيجية الإيرانية.
السؤال هو دور العرب شعوباً ودولاً في سياق الصراع المتعدد المستويات الذي يدور على أرضهم.
لكني أريد في البداية الإشارة إلى حقيقتين، يجب أن لا تغيبا عن البال:
الحقيقة الأولى هي أن إسرائيل الصهيونية هي عدو العرب الأول، وكل محاولة لتغطية هذه الحقيقة، أو تهميشها، أو قيام بعض الأنظمة العربية بتحويل إسرائيل إلى حليف، هي انزلاق إلى العدم التاريخي.
الحقيقة الثانية هي أن أي عدوان إسرائيلي على أي بقعة من لبنان، هو عدوان على لبنان بأسره، ويجب أن يواجهه اللبنانيون جميعاً. كل كلام آخر هو دعوة إلى الانتحار الجماعي.
أين العرب من معادلة الصراع الدائر في أرضهم وعليها؟
حين نبحث عن الطرف العربي فإننا لا نجده، حتى ادعاء الدول الخليجية بأنها تقود الصراع وتشارك في تقرير السياسة الأمريكية هو مجرد وهم. كما أن عقود الاستبداد الوحشي الذي صنعته الديكتاتوريات وأنظمة الحكام الأبديين أوصلت المشرق إلى الدمار الشامل: ملايين اللاجئين، مدن صارت ركاماً، بلاد سائبة، وجيوش أجنبية وميليشيات، وغياب لفكرة الوطن.

هناك ثلاث قوى إقليمية تتصارع على أرضنا: إسرائيل وإيران وتركيا، إضافة إلى القوتين العظميين: أمريكا وروسيا. ومن بين الأصوات التي تتصادى في بلادنا لا نعثر على صوت عربي واحد

تعالوا ننظر إلى خريطة المشرق العربي، لنرى بؤس هذه البلاد وهي تسقط في الغياب، ونكتشف أن هناك ثلاث قوى إقليمية تتصارع على أرضنا: إسرائيل وإيران وتركيا، إضافة إلى القوتين العظميين: أمريكا وروسيا. ومن بين الأصوات التي تتصادى في بلادنا لا نعثر على صوت عربي واحد. كل بلاد الشام صارت ساحة لنزاع هذه القوى، حتى فلسطين بقضيتها ونضال شعبها تغيب خلف ضباب هذا الصراع.

السؤال ليس مع من نتحالف ومن نعادي كي تجتاز منطقتنا هذه المرحلة الرهيبة، بل السؤال يتعلق بالوجود العربي في أرض العرب، وبتلازم قضيتي الديموقراطية ومقاومة الاحتلال الصهيوني.
فكي تتحالف يجب أن تكون موجوداً، وإلا تحولتَ إلى عميل صغير، ومجرد بقرة حلوب عرضة لابتزاز أمريكا وإسرائيل كحال دول الكاز والغاز، التي ارتمت في الحضن الإسرائيلي وصارت كمن يحفر قبره بأظافره.
إن أي قراءة لخريطة الصراعات في المنطقة تشير إلى أن الصراعات التي خاضتها أنظمة الاستبداد ضد شعوبها لم تكن سوى أدوات للتفكك: سوريا صارت ملعباً، وفلسطين الممزقة بانقسام سلطتيها تحولت إلى مجرد اسم بلا مسمى، وسمحت للعربدة الاستيطانية الصهيونية بالوصول إلى نقطة اللاعودة. والسعودية التي شنت الحرب على اليمن تحولت إلى جسر للخراب في الجزيرة العربية ولم تعد تستطيع حماية نظامها إلا عبر اللجوء إلى السيدين الأمريكي والإسرائيلي. أما مصر المحروسة بالعسكر فلم تعد جزءاً من أي معادلة إقليمية أو دولية، بل صارت نموذجاً لنجاح العسكريتاريا في وأد الحرية وتحويل دولة كبرى إلى جمهورية موز. وإلى آخره…
هذا هو واقعنا الذي يحاول المحللون تغطية ثقوبه بكلام استراتيجي قد يكون مهماً في بعض الأحيان، لكنه للأسف لم يعد يخاطبنا.
الضيق العربي بالدور الإيراني المستجد في ملف الصراع مع إسرائيل، يثير السخرية. فالذين انسحبوا من الصراع، بل وأصبحوا حلفاء إسرائيل هم المسؤولون عن تعاظم الدور والنفوذ الإيرانيين.
فالذي يجهله أتباع ترامب من العرب هو أن الحياة لا تحتمل الفراغ، فالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي حتمي. المشروع الصهيوني هو أداة توسع عنصري وقوة عسكرية كولونيالية، لا تهدد فلسطين وحدها، بل تهدد الوجود العربي برمته.
انسحاب الأنظمة العربية من الصراع لا يعني أن الصراع انتهى، بل يعني أن هناك قوى أخرى ستدخل الصراع وتكون هذه القوى الجديدة تهديداً إضافياً لنظام عربي متهالك.

في لبنان علمتنا تجربة مئة عام، من عمر دولة لبنان الكبير، أن قوى الطائفيات السياسية لا تبني أوطاناً، بل أن إنجازها الأكبر هو أنها قامت بتصغير لبنان الذي ورثته عن الاستعمار الفرنسي، صغّرته كي يطابق ضِعتها وتفاهة طموحاتها

أما في لبنان فلقد علمتنا تجربة مئة عام، من عمر دولة لبنان الكبير، أن قوى الطائفيات السياسية لا تبني أوطاناً، بل أن إنجازها الأكبر هو أنها قامت بتصغير لبنان الذي ورثته عن الاستعمار الفرنسي، صغّرته كي يطابق ضِعتها وتفاهة طموحاتها.
الطوائف اللبنانية تدّعي بأنها فوجئت بتحوّل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية مدمّرة، كأنها ليست هي نفسها أدوات إقليمية، ولم تكن رقصاتها مع إسرائيل ومع النظام الاستبدادي في سوريا ومع الدول الخليجية، مقدمة لهذه المرحلة.
هل خرج العرب من التاريخ وتحولوا إلى مجرد جغرافيا ترتسم خطوطها بدمائهم؟
هذا هو السؤال الذي علينا أن نطرحه على أنفسنا، ونحن نواجه القرار الإسرائيلي بابتلاع كل فلسطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سامي صوفي:

    الحقيقة الثانية التي يطرحها الاستاذ الياس خوري بأن «أي اعتداء على بقعة في لبنان هو اعتداء على كل لبنان» صحيحة.
    أما الحقيقة الأولى بأن «اسرائيل الصهيونية هي عدو العرب الأول» هي غير دقيقة. عدو العرب الأول هي ايران، التي تدعم النظام السوري في قتل مليون سوري و تشريد ١٤+ مليون من بيوتهم. و إيران تسيطر اليوم على ٤ عواصم عربية بالإضافة إلى باب المندب. بسبب ايران و ليس بسبب اسرائيل، تبتزّ أميركا كل دول الخليج.

  2. يقول عصمت صبري:

    دائما رأي صائب وثاقب . تضع النقاط على الحروف .
    تحياتي الحارة

  3. يقول الكروي داود النرويج:

    المشكلة الكبيرة يا أستاذ إلياس هي:
    بمن سيثق اللبنانيون والعرب خاصة بعد دخول حزب حسن لسوريا وقتله السوريين الذين إستقبلوا عائلات هذا الحزب الغادر؟ ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. يقول آصال أبسال:

    /الحقيقة الثانية هي أن أي عدوان إسرائيلي على أي بقعة من لبنان، هو عدوان على لبنان بأسره، ويجب أن يواجهه اللبنانيون جميعاً. كل كلام آخر هو دعوة إلى الانتحار الجماعي/..
    ولكن الذي يتولى هذه الدعوة إلى الانتحار الجماعي، في المقام الأول، هو “حزب الله” الذي يكتفي بردوده المحسوبة، في كل مرة، بضربة موضعية أو رمزية هنا أو هناك لكي يقدم لإسرائيل كل التبرير للاعتداء غير المحدود وذي العواقب الوخيمة على الشعب اللبناني بأسره.. !!

  5. يقول طايفتنا هي المستهدفة لكن نحن لها:

    الحقيقة السنة هم المستهدفين.. لا الشيعة.. الاسد و المقاومة عم توقف بوجه اسرائيل.. لا لا الجيش الحر.. الديمقراطية معناها يحكمونا الاسلاميبن.. لا لا الليبراليين.. الحداثة غربية و غربية عنا و موامرة لا لا بدنا كل شي لبرالي لما نعيش ببريطانيا و لا بنقبل باي شي لبرالي و كافر ببلادنا..

    1. يقول أسامة كليّة سوريا/ألمانيا Ossama Kulliah:

      أخي طايفتنا هي المستهدفة لو كان الأمر بسطرة هذا الطرف أو ذاك على مقاليد السلطة لما بقي مشكلة منذ البداية. وهاهي إيران الجمهورية الإسلامية مثال واضح.

  6. يقول محسن عون/تونس:

    هو ذا القلم إذا كتب، كلّ ما خطّ أدب. حيّاك الله أيّها الضّمير الحيّ

  7. يقول أسامة كليّة سوريا/ألمانيا Ossama Kulliah:

    شكراً أخي الياس خوري. أتمنى أن أقرأ هكذا مقال رغم أني أعرف أن الكلام لوحده ذو مقدرة محدودة. حيث يجب أن يصاحبها عمل منظم للتغيير ونحن مازلنا متواضعين من هذه الناحية. مأزق حضاري يعلم الله كيف نتخلص منه, فلا أمل في الأفق في الوقت الحاضر.
    ربما لديك بعض الحق أخي سامي صوفي, فما فعله الأسد بمساعدة إيرلن فاق حدود المعقول, لكن على جميع الأحوال تبقى إسرائيل هي لب المآساة وأصلها ولنتذكر مافعلته في فلسطين ولبنان فهي مشروع استعماري كان هدفه منذ البدلية تدميرنا حضاريا وها هو اليوم بالاستبداد يستمر, والذي ليس إلا جزء من هذا المشروع وهكذا إيرن أيضاُ, وتسلط إيران ودعمها لهذا الإستبداد هو إمتداد للإستبداد القومجي إلى إستبداد عقائدجي والكل ينهش بلحمنا وعظامنا ويستخدم مأساة فلسطين كغطاء لإستبداده وجرائمه. وباحتصار لن تتحرر فلسطين إلا أيدي أحرار كرماء ولن تتحرر إلا على أيدي شعبها حراً كريماً. أما شعارات القومجية والعقائدجية فلم نرى منها إلا أبشع الجرائم والمآسي, فتصر الله اليوم هو صدام الأمس وأسد البارحة ولا جديد قي الأفق, لن نتخلص من هذا الكابوس الحضاري إلا بالتخلص منها أولاً.

اشترك في قائمتنا البريدية