فداحة انفصام شخصية نظام الأسد: علاج مقترح

حجم الخط
0

د. هشام أحمد فرارجة ما يميز نظاما سياسيا عن غيره يكمن في التفاصيل التركيبية والوظيفية لأي نظام، وكذلك في العلاقة بين هذين المميزين. ان احدى مقومات الشرعية تتأتى من خلال نسبة مصداقية ما يقوله النظام مقارنة مع ما يفعله.ولو حاولنا استقراء ما يمكن أن يقوله لنا ابن خلدون الآن عن طبيعة النظام السوري، فلا شك أنه سينبهنا الى أن هذا النظام يعاني من مواطن انفصام عدة في شخصيته منذ تربعه على الحكم عام 1970. فبنظرة تحليلية لتركيبة نظام الأسد ووظائفه، يمكن تحديد معالم الانكسارات التالية:أولا: ادعاء المبدأية مقابل الانتهازية: فخلافا للكثير من ممارساته، فان نظام الأسد، بدءا بالأب وانتهاء بالابن، يدعي أنه أكثر النظم السياسية العربية مبدأية في مسيرته وفي المحافظة على حقوق الأمة العربية في وجه التحديات الداخلية والخارجية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وجد نظام الأسد في التفاهمات التي أقامها مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق،هنري كيسنجر، بعد حرب 1973، فرصة ذهبية لمحاولة اثبات جدارته بالحكم من خلال الالتزام القاطع والقطعي لمنع انطلاق أية مقاومة فلسطينية، أو حتى سورية، للاحتلال الأسرائيلي من الأراضي السورية. فمن خلال تعهداته لكيسنجر، كان نظام الأسد يطمح الى انتهاز الفرصة لاثبات مصداقيته مع الولايات المتحدة، بغض النظر عن تزعمه اللفظي والبلاغي لمبادئ العروبة وقيمها، كما جاءت في أدبيات حزب البعث. وكذلك كان الحال أيضا عندما طلبت جامعة الدول العربية من نظام الأسد ارسال قوات عسكرية الى لبنان للمساعدة في وضع حد للحرب الأهلية التي اندلعت في منتصف السبعينات من القرن الماضي. فمن خلال قوات الردع العربية، ساهم نظام الأسد، ليس فقط في تأجيج الصراعات الداخلية في لبنان، وانما ايضا، في تعميق التجزئة الطائفية.ولربما كانت واحدة من أهم محطات الانتهازية في مسيرة نظام الأسد عام 1990-91 عندما قام باستغلال الفرصة للانقضاض على منافسه الأيديولوجي من حزب البعث في العراق، حيث أرسل نظام الأسد قوات للمشاركة في التحالف الدولي الذي أقامته الولايات المتحدة. لا شك أن دافع مشاركة الأسد في ذلك التحالف كان انتهازيا بامتياز، حيث كان يهدف الى كسب ود الولايات المتحدة، خاصة في الوقت الذي كان فيه حليفه السوفيتي، الداعم للعراق أيضا، في حالة تصدع وانهيار.ثانيا: الادعاء بالتقدمية مقابل الرجعية: قد تختلف التحليلات والرؤى بخصوص ماهية نظام الأسد. ولكنه ليس مبالغة القول أنه قد يكون هناك اجماع على أن نظام الأسد هو من أكثر النظم السياسية العربية رجعية من حيث تركيبته، على عكس ما يتبجح به من تقدمية. ففي الوقت الذي يصنف فيه النظام السياسي في سوريا على أنه جمهوري رئاسي، نجد الرئيس الأب، حافظ الأسد يسارع الى احتضان مبدأ التوريث في الحكم، وذلك من خلال تجهيز ابنه الاكبر، باسل، لكي يخلفه عند وفاته، لولا تدخل القدر وتعرض باسل للموت جراء حادث سير عام 1994. وبعدها، لم يتراجع الأسد الأب عن أصراره على تبني أسلوب التوريث، وانما تحول الى تهيئة ابنه بشار، الرئيس الحالي لمنصب الرئاسة، رغم عزوف بشار عن هموم السياسة، كما تؤكد غالبية الدراسات. وبأكثر الطرق رجعية وتخلفا، أقدم النظام السوري، بالتأكيد باشارة من الأسد الأب قبيل وفاته عام 2000، على تعديل الدستور السوري وتفصيله على مقاس الأسد الابن، بشار، بحيث يتغير سن الترشح للرئاسة من 40 الى 35 عاما. ونظام الأسد هو أول من تسبب في استحداث مصطلح الجمهورية-الملكية في تركيبة النظم السياسية. وهو أيضا من أكثر النظم السياسية العربية التي شجعت على اعتماد أسلوب التوريث للحكم، حتى في النظم التي تدعي أنها جمهورية، كما كان في اعداد مبارك لابنه جمال، وكذلك في تجهيز القذافي لإبنه، سيف الأسلام.ثالثا: ادعاء المقاومة مقابل المساومة: فلا يتغنى نظام عربي آخر بأنه زعيم جبهة ‘الصمود والتصدي’ ومحور ‘الممانعة’ كما يفعل نظام الأسد، علما بأنه، كما ذكر أعلاه، لم يسمح لعملية مقاومة واحدة أن تنطلق من الحدود السورية، حتى عندما تعرضت بعض المنشآت السورية للقصف من قبل الطيران الأسرائيلي، وأيضا عندما حلق الطيران الأسرائيلي فوق ما يعرف بالقصر الجمهوري في دمشق، ليس بالزمن البعيد. ورغم ادعاءات نظام الأسد برفض معاهدات الصلح مع الأسرائيليين، الا أن رفضه يتم على طريقته هو، ويتنافى مع سلوكه وممارساته. فنظام الأسد شارك في مفاوضات وقف اطلاق النار على الجبهة السورية بعد حرب 1973، وكان ضالعا في مفاوضات مؤتمر مدريد عام 1991 وفيما تلاه من مفاوضات متعددة الجوانب والأطراف. وكما صرح أحد ركائز هذا النظام مؤخرا، رامي مخلوف، ابن خال بشار، فان نظام الأسد يعتبر أمن أسرائيل جزءا من الأمن السوري.رابعا: الادعاء بدعم المقاومة الفلسطينية مقابل ضربها وتفكيكها: فمراجعة سريعة لتعامل نظام الأسد مع المقاومة الفلسطينية تبين كيفية قيامه بمحاولة اجهاض هذه المقاومة في مراحل متعاقبة. فهو وقف في وجه نجاة الفدائيين الفلسطينيين من الأردن جراء أحداث أيلول عام 1970. وكل فلسطيني يتذكر مرارة محاصرة قوات الأسد لمخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1976، ومن ثم مساندة القوات الأنعزالية في ارتكاب المجازر هناك. وكل متابع للشأن الفلسطيني اللبناني يستذكر انقضاض قوات الأسد على منظمة التحرير الفلسطينية بعد غزو أسرائيل للبنان عام 1982، وكذلك دعم نظام الأسد لشق الصفوف داخل حركة فتح، في الوقت الذي أعطى فيه الأوامر لقواته المتواجدة في لبنان للانسحاب من أمام القوات الأسرائيلية الغازية. وحتى قيام نظام الأسد بتقديم الدعم ل’حماس’ يجب أن ينظر اليه بعين الريبة، حيث يهدف الى شرخ الصف الفلسطيني وتحريض طرف ضد آخر. فدعم هذا النظام ل’حماس’ ذات الارتباط العضوي بحركة الاخوان المسلمين يتناقض كلية مع توجيه الضربات القاصمة لهذه الحركة في مدينة حماة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي.وأخيرا: ادعاء الاشتراكية مقابل ترسيخ الاقطاعية: ان نظام الأسد قد عمق الطبقية في المجتمع السوري وعزز تفرد القلة القليلة بمقدرات البلد وموارده، بينما غالبية المجتمع ترزح تحت وطأة الفقر والعوز. وهذا النظام أيضا كان قد غذى المحسوبية والفساد والافساد داخل المجتمع السوري . فعلى سبيل المثال، يقر كل مسافر عبر الحدود السورية أن عناصر هذا النظام لا تقدم أية خدمة بسلاسة دونما ارتشاء.وأما بخصوص احترام الحريات السياسية وصيانتها، فحدث بلا حرج. فالقتل اليومي المنظم الذي يقوم به نظام الأسد حاليا ضد الشعب السوري ينسجم مع اصراره للمحافظة على نفسه بأية طريقة كانت. فهو يدرك أنه يفتقر الى أدنى مقومات الشرعية، شعبية كانت، نضالية، أو دينية. وهو يدرك أيضا أن أصلاحا حقيقيا يتناقض بالكامل مع فكرة وجوده كنظام مبني على القبلية والطائفية، والحزبية الضيقة، وكذلك على شخصية الرئيس. وكل متابع لكيفية تعامل نظام الأسد مع المعتقلين، على مدى سني حكمه، يعرف أن سجون نظام الأسد هي من أكثر السجون في العالم امتهانا لكرامة الانسان وحقوقه.قد يختلف المهتمون حول كيفية حل الأشكالية القائمة في سوريا اليوم، ولكن قد يكون هناك اتفاق، حتى من قبل من يدعمون هذا النظام، أن استمرار حكم الأسد لم يعد ممكنا. فغزارة الدم الذي أراق لا يمكن أن تسمح بأعادة عقارب الساعة الى الوراء. فانهيار نظام الأسد قد أصبح حتميا، بالتأكيد. والسؤال الأهم هو: كيف يمكن الوصول الى ذلك. فالى من يعتقدون أن تدويل القضية سوف يحل المشكلة، يجدر التذكير بحال ليبيا اليوم كمرتع لقوى استخبارية عالمية متعددة. وبالتأكيد، فان حال العراق، ممزقا ومستباحا، لا يزال حاضرا في الأذهان. ان التدخل الأجنبي لا يمكن أن يكون بدون مقابل.وواضح أن الاعتماد على مراقبين عرب لحلحلة الأوضاع في سوريا لن يخفف من حدة القتل الدموي اليومي. ومن المؤكد أيضا أن ترك الأمور تسير على عواهنها لا يمكن أن يغير من الحال شيئا.لذلك، فان العلاج المقترح يرتكز على محورين، لا بد من بحث تفاصيلهما وتطويرهما بما ينسجم مع كافة المستجدات. المحور الأول يكمن في ضرورة تفعيل الشارع العربي بشكل منتظم وصاخب في تظاهرات جماهيرية حاشدة ضد ما يفعله نظام الأسد بالشعب السوري، وذلك من أجل احراجه وتعرية ممارساته. فاذا ما كان هذا النظام يحاول الاختباء وراء ادعاءاته بأن كل انتقاد اعلامي أو سياسي رسمي له يندرج في اطار المؤامرة ضد ‘عروبته’ و’تقدميته’، و’مبدئيته’، فان احتجاجات الشارع العربي سوف تبطل هذا الادعاء وتشعر الشعب السوري بأنه ليس وحيدا.وأما المحور الثاني، فيتمثل في ضرورة ارسال قوات عربية للمحافظة على أمن المواطن السوري وتوفير الحماية له من بطش النظام وعربدته. وهنا، ليس مقبولا لنظام الأسد أن يجادل في مثل هذا المقترح الذي بدأ تداوله مؤخرا، لأن هناك سابقة اضطلعت بها جامعة الدول العربية بتشريع قيام نظام الأسد نفسه لأرسال قوات الردع العربية الى لبنان للمساعدة في انهاء الحرب الأهلية هناك.أن اطالة أمد المأساة في سوريا هو ما يسعى الى تحقيقه نظام الأسد الآن، اعتقادا منه أن صمود الشعب السوري في وجه آلته القمعية سوف يذوي. وفي ذات الوقت، فان اطالة أمد هجمة النظام على الشعب في سوريا هو ما قد يمهد، فعلا، لحياكة كافة أنواع المؤامرات من قبل أطراف متعددة ضد هذا البلد العربي ذي الأهمية الاستراتيجية.ورغم عناد نظام الأسد وصلفه، فلا شك أنه سوف ينهار أمام الكشف عن بطلان ادعاءاته وزيف شخصيته.’ أستاذ للعلوم السياسية في جامعة سينت ماري في كلفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية