هذا الفيلم يسجل لمحة عن نجمة آفلة ذابلة، كانت دوماً تنفي أنها نجمة، عن شقراء لم تكن أصلاً شقراء، عن ممثلة متحررة من كل قيد ظاهري، لكنها لم تكن يوماً حرّة، عن شخصية لم تغب الابتسامة يوماً من على محياها في البوسترات والدعايات، ولكنها كانت ابتسامة مصطنعة، كانت بفعل دعاية الآلة الإعلامية التي تصنع عالماً من السحر الأخاذ والجاذب للانتباه، فتغيب الحقيقة وراء الأضواء، ويختلط الأمر على البسطاء والمتأثرين بوهم الأضواء والمتعلقين بشهوة الظهور.
عالم الإغراء
لا يجب النظر لهذا الفيلم على أنه فيلم “جنسي” يلبي شبق الغرائز، ويلهب الهرمونات بالمقاطع المثيرة- بالرغم من أنه يحكي قصة فتاة أشعلت حتى يومنا هذا الخيال، واصطنعت ربما باكورة عالم الإغراء على العكس تماماً من ذلك، بل وحتى لو لم يكن هذا غرض منتجي الفيلم لفعل ذلك، فالفيلم يضج بالصور والمواقف المؤلمة والمزعجة التي لا يريد أي أحد مهما كان، أن يكون له شأن فيها، بل وأرشح مشاهدته للفتيات اللواتي يحببن حياة الممثلات والمشاهير، ليعرفن جزءاً من الحقيقة التي تدور خلف الستار، وخلف المقابلات، وخلف الترويج الجنسي للأنثى على أنها أداة تستجلب المشاهدين، وحتى يتجنبن ويتخلصن من المشاهد الإباحية في الفيلم، أذكرهم أن هناك مواقع سينمائية تحذف أي مقاطع خادشة للحياء لمثل هذه العينة من الأفلام، وتظل قصة الفيلم محتفظة برسالتها وفحواها كما هي بدون إسفاف.
عقدة إليكترا جزئياً
يضعنا الفيلم ضمن مسيرة الممثلة الشهيرة منذ نعومة أظفارها وحتى انكسار حلمها في أن تعرف كينونتها، فهي ضحية علاقة غير شرعية بين أم مضطربة ووالد لا يريد أطفالاً في علاقاته النسائية التي يريد منها التسلية وتمضية الوقت واشباع الغريزة فحسب.
يتم محاسبة الأم وكأنها هي المسؤولة فقط عن حالة حمل الفتاة وتتوقف العلاقة بينها وبين شريكها لهذا السبب، لكن المصيبة أن الأم كانت متعلقة بطريقة مرضية بهذا الشخص، وكانت مستعدة لفعل كل شيء مقابل استعادة اهتمام الحبيب صاحب الشخصية الكاريزمية الذي هجرها لأنها حملت وأنجبت بالرغم من أنه لا يريد أن يتم هذا الدورة الطبيعية، فتحولت مشاعر فقدان الشريك لتصب نقمة من الأم على الفتاة الصغيرة، لأن وجودها، حرمها من حبيب متخيل، تفتن به أية فتاة.
الاضطراب في عقلية الأم، خلل في إدراك وتمييز وفهم مصطلحات الحب، والعجز عن فصلها عن مشاعر الوهم وحب السيطرة لدى الشريك، والهيمنة الكاملة وتحميل المسؤولية لطرف واحد، وهو ما أوصلها لتفقد عقلها بالنتيجة ولتؤذي فتاتها في مرحلة مبكرة، المصيبة أن هذه الأذية لم تكتمل جسدياً، لكنها لازمت الصبية طيلة حياتها لتشكل عقدة إليكترا باكورة حياتها النفسية والزوجية فيما بعد ولتسمي زوجها الأول بـ”أبي” كناية عن الأب الذي فقدته والذي بالرغم من هجرانه لها ولأمها ولكنها كانت بحاجة اليه دوماً، لتوازن في اضطرابها الذاتي الذي ترك فجوة كبيرة في بنائها النفسي.
الفتاة الشقراء في الفيلم، تبدو جميلة ومرسومة رسماً على الشاكلة التي تحرك المشاعر الجنسية، هي ثمرة ناضجة مشتهاة ظاهرياً، ولكنها داخلياً تتصارع لديها المكونات التي تشكل اللاوعي وتخدم في بناء السلوك والمنظومة الصحية للحياة النفسية، ويؤدي نقصانها أو خلخلتها بالضرورة، لعدم اتزان في الشخصية كنتاج عن أسرة مفككة، وأم مضطربة عقلياً، وأب متهرب من مسؤولياته كأب وكزوج وكشريك.
فقدان الأب
الأغنية المصاحبة التي تتحدث عن فقدان الأب كعلة أساسية في شخصية الفتاة الشقراء ذات الابتسامة الساحرة، التي يُسكر ارتسامها -على محيا الممثلة- ملايين من البشر حرفياً، كانت ذات تأثير وظيفي في الفيلم تؤكد العقدة التي لازمت الشخصية حتى نهايتها المأساوية.
فريق العمل السينمائي الذي عملت معه نورما، منذ أداء التجربة التمثيلية الأولى، وظهور استغراقها المرضي، في الشخصية التي تؤديها، أظهر الحد الفاصل في الفيلم بين الموهبة السينمائية الفنية وبين تداخلات الموضوع على الصعيد الإباحي، وما ستقدمه لاحقاً من تنازلات وخدمات جنسية للمنتج، الذي لم يهتم سوى بمؤخرتها، وبخياله الجنسي المريض، جلب السمعة السيئة لأي فتاة تعمل في المجال الفني، وبالأخص لمن يملكون تاريخاً أسرياً وشخصية مضطربة مثل نورما، فهن حتماً سينتهين بالاستغلال الجنسي تحت وهم صناعة النجومية، وللأسف الشديد تم إثبات الكثير من وقائع الابتزاز الجنسي، لتأمين ممر لهذه الشخصيات لكي تدخل عالم الأضواء والشهرة وتؤسس لفرع واضح من تقديم التنازلات بلا وازع من أخلاق أو قيّم.
العبودية للشهرة
الفتاة الحقيقية نورما في شخصيتها الطبيعية كانت تعتقد أنها عبدة، بكل ما للكلمة من معنى سلبي، لشخصية الفنانة مارلين مونرو، وهي هنا حرفية بكل ما للكلمة من معنى، رغم كل مظاهر السلوكيات التي تبدو فيها مونرو غاضبة ومتمردة وقادرة على الرفض، كل ذلك بلا أي معنى، وبلا أي دليل على حرية حقيقية وشخصية مستقلة، وسنرى أبعاد هذا المعنى من خلال مجريات أحداث الفيلم بالتتابع.
سياسيون على رأس الدولة
في الفيلم نشاهد الجانب المظلم من الرئيس الأمريكي كنيدي الذي كان زير نساء وكيفية استخدام مونرو بطريقة وضيعة وربطها بأحداث حرب النجوم واقتحام عالم الفضاء، ليزيد كاتبو السيناريو من تعقيد المشهد وارتباط الشهرة التي نالها رئيس يستغل النساء لتلبية حاجاته الجنسية الدنيئة، بالرغم من كونه شخصاً متزوجاً ولديه من المسؤولية والأحمال على عاتقه ما ينفي أنه كان على مستواها الأخلاقي على الأقل.
في الفيلم نحن نشاهد الوجه الآخر للجمال -مع التأكيد على أن الجمال شأن نسبي تختلف فيه الأذواق- الآخذ للألباب، الآسر للدهشة، على أنه النعمة التي يتمناها كثيرون وكثيرات، ولكنه في حقيقة الأمر يكاد تكون ناراً يلتهم أصحابه، إن لم تكن شخصياتهم متزنة ولا تتأثر بكمية الإطراء وإسباغ المديح واشتهاء الظهور المتواصل.
كيف كانت بدايتك؟ يدخل مقطع إباحي يظهر مارلين تتعرض للاغتصاب من أحد المنتجين، وتظهر فيه وهي مكرهة وقد تعرضت للعنف وتبكي، ولكنها تكذب فتجيب بأنها لا تعرف.
نشاهد أيضاً مقطع الإجهاض بالتفصيل، وهو مقطع مليء بالألم والغضب والسلبية، وبالرغم من أنها تغير رأيها بخصوصه في اللحظات الأخيرة، لكن هذا لا يهم، فرأي المنتجين وأصحاب الأفلام وإيفاء متطلبات العقود الآجلة لتصوير فيلم أو دعاية أهم بكثير، ستتجمع لديك دموع في مآقيك وأنت تشاهدها تنتحب في حوار مع جنينها الذي تم اسقاطه رغماً عنها، تناجي نفسها بذروة النجاح والتصفيق أنها قتلت جنينها لأجل هذه اللحظات الزائفة والكاذبة والمؤقتة والتي ستنقلب أرقاماً كبيرة في حسابات المنتجين المصرفية.
نلاحظ بشكل ملفت اقتحام خصوصيتها، وهي تتحدث أو تزاول حياتها الخاصة من قبل المصورين، وكيف كان هذا يتسبب بالمزيد من الانهيار والتهديد لعملها ولعلاقاتها الشخصية الماجنة والشاذة، وتأصل لشخصية النجمة التي تلعب أدواراً للإثارة الجنسية فتصبح مشاعاً جنسياً في مخيلة الجماهير، الجماهير التي تحتوي أصحاب الفكر المنحرف والفكر اللائق، المنضبط والمنفلت، المعقد نفسياً والسوي، كل على حد سواء.
هي تعرف نفسها من الداخل وكثيراً ما أجابت أنها ليست نجمة، فالنجوم بعيدة المنال، ولكن كان يصل اليها كل من يستطيع دفع السعر المناسب، ولم تكن حتى شقراء، بل كان شعرها بنياً غامقاً، هي صناعة لعالم يصنع ما يطلبه الجمهور الذي تشتعل ويدفع لأجله المال في السينما على الشاشات الفضية، إنها دعاية الاستديو الذي وقعت عقداً احتكارياً معه، إنهم مريعون، الأشياء التي يختلقونها عنها وكيف يظهرونها للعامة وكيف أداروا حياتها المنغمسة بالانحلال، فكانت مجرد أداة جنسية رخيصة في يد صانعي السينما ومنتجيها، كانت أشبه بسيجار يتم الترويج له أو زجاجة نبيذ ينجح المنتجون بترويجه في عالم الأضواء، لكن لم تعامل يوماً على أنها كائن من لحم ودم وكتلة مشاعر، وهو ما حاول كاتب النص الإيحاء به والتأكيد عليه وهو ما يعزز كونها ضحية أكثر من كونها نجمة، في عالم من الوهم والهرمونات المتأججة، الأنثى فيه مجرد محرض مثير، والذكر فيه مجرد مستهلك.
كاتب سوري