رانية عقلة حداد ماذا يمكن للمرء ان يفعل حين تضعه الظروف على عتبة التقاعد دون رغبته… فما يزال قادرا على العمل؟ هل يكتفي بالجلوس والعيش بما يتيحه التعويض التقاعدي ام يبحث عن خيارات اخرى؟ استغناء المدير عن خدماته، فتح باب هذه الاسئلة على سليمان (حبيب بو فارس) بطل الفيلم الفرنسي التونسي ‘كسكسي بالسمك’ انتاج 2007، اخراج الفرنسي من اصل تونسي عبدالطيف قشيش، وقد حاز هذا الفيلم على عدة جوائز مهمة منها؛ جوائز سيزار لاحسن فيلم، واحسن اخراج، واحسن نص، كذلك اربع جوائز من مهرجان البندقية وغيرها.انماط متباينة صمت، وايقاع هادئ، وحزن عميق لا يفارق معالم سليمان، ذلك الرجل الستيني، وعامل صيانة المراكب البسيط في احدى مدن الجنوب الفرنسي الساحلية، منذ ان هاجر اليها من تونس قبل ما يزيد عن خمسة وثلاثين عاما، ونلمس منذ البداية الاولى للفيلم هذا الصمت والايقاع الهادئ حين يصلح بهدوء المركب، وهو السبب المباشر لطرده من العمل، من ثم عندما يضعه المخرج على التوازي مع نماذج اخرى صاخبة من اسرته المنفصل عنها، فلم تتوقف زوجته سعاد عن الكلام وهو يزود اسرته بالطعام والسمك من حين الى اخر، وكذلك ابنته كريمة المتزوجة تواصل كلامها السريع والناري مع مختلف افراد اسرتها بينما لا يتفاعل سليمان ولا يتلفظ سوى بكلمات قليلة، وتصل ذروة التباين بين سليمان وافراد عائلته في المشهد الذي تجتمع فيه افراد العائلة يوم العطلة في بيت الام حول الطبق التونسي الشعبي الكسكسي بالسمك التي تمتلك سعاد مهارة خاصة في اعداده، حيث بين العدد الكبير لافراد العائلة وصخبهم وضجيجهم وايقاعهم السريع في الحديث والاكل يدعمه اسلوب الكاميرا المحمولة باليد، بالمقابل ينتقل المخرج الى غرفة سليمان الضيقة في النزل الذي يقيم فيه، والتي يسودها الصمت وسليمان يأكل الكسكسي الذي احضره له ولده وهو شبه وحيد حيث تصبح حركة الكاميرا وانتقالاتها هادئة، اذن يقدم لنا المخرج سبب احتفاظ سليمان بمسافة ما عن افراد اسرته دون ان يقطع التواصل معهم، من خلال الاعتماد على تقديم التباين في الانماط؛الاب واسرته، وليس على الحوار او الحدث، وحين نتعرف على لطيفة صديقة سليمان وصاحبة النزل الذي يقيم فيه، وابنتها ريم (حفظية حرزي)، ندرك بعدها سر ارتباط سليمان بهما، حيث تشتركان معه بذلك الهدوء او بالأحرى النمط.التمسك بالحلم طرد سليمان من العمل جعله يشعر انه في المهب وبأن وجوده مهدد، ادرك انه بعد خمس وثلاثين سنة اقامها في فرنسا لا زال كغريب يحتاج ان يثّبت موطئ قدمه وان يحافظ على وجوده، فيسعى باصرار هادئ الى تحقيق حلمه القديم باقامة مطعم عائم يقدم الكسكسي بالسمك، وتدعم خطواته هذه بقوة ريم ابنة صديقته، لكن لا يزال هناك الكثير من العقبات امام المشروع كي يصبح واقعا، فالمركب القديم المتهالك الذي اشتراه، يحتاج الى رخص وموافقات ومال للترميم انها مسألة معقدة، فيقرر ان يستصلح المركب قدر الامكان، ومن ثم اقامة حفلة بسيطة بمساعدة عائلته واصدقائه وزوجته التي تجيد عمل الكسكسي، يدعو إليها جميع المسؤولين المعنيين من اجل اقناعهم بجدوى المشروع وتيسير امره.صورة المرأة القوية مضى وقت طويل على الحفلة، وبدأ الحاضرون يتضمرون من تأخر تقديم طبق الكسكسي بالسمك، الذي سيحدد مذاقه مصير المشروع، ماذا يمكن ان يفعل سليمان بعد ان غادر ابنه مجيد الحفلة بالسيارة التي تحمل الطعام خوفا من ان يلتقطه زوج عشيقــــته، فيقرر سليمان ان يذهب على دراجته حيث تقــــيم زوجــته، فتعد كمية اضافية من الكسكسي وتنقذ الحلم من السقوط، لكنه لا يجدها في المنزل فيغادر وحينها يكتشف ان مجموعة مراهقين قد سرقوا الدراجة فيصبح حلمه في مهب الريح، لذا يحاول اللحاق بهم ويستمر في الجري خلفهم في دائرة مفرغة. تزداد نغمة تذمّر الحضور، فتقرر ريم انقاذ الموقف المتوتر، ترتدي بدلة رقص شرقي، وتبدأ في اشغال الحضور بالرقص عن غياب طبق الكسكسي بالسمك، في الوقت الذي لا زال فيه سليمان يجري عبثا لاستعادة الدراجة. وهنا يقدم المخرج جسد المرأة بشكل مغاير للمألوف، فجسد ريم هنا وهي تتمايل يتجاوز فكرة الاغواء الملازمة للرقص الشرقي، ويكتسب مستوى دلالة مختلفاً مع البطن البارزة والعرق المتصبب، انه الجسد المرهق الذي يحمل على كاهله عبء المشروع او الحلم، محاولة مع كل حركة التماسك كي لا تهوي ويهوي الحلم معها. بالاضافة الى صورة المرأة القوية المتجسدة بشخصية ريم، يدعم المخرج هذه الصورة من خلال شخصيات نسائية اخرى كشخصية لطيفة مثلا صديقة سليمان وصاحبة النزل، فهي امرأة مستقلة وحرة ومسؤولة تدير عملها، لهذا انتاب سليمان شعور بانه غير مكافئ لها، جعله عاجزا عن التواصل الجسدي معها.حماية الهوية الثنائية يمتاز الفيلم بانه يحمل اكثر من مستوى للدلالة؛ على المستوى الاول هي قصة انسانية عن معاناة رجل بسيط يمثل الطبقة العاملة، يطرد من عمله، فيقرر ان لا يستسلم ويسعى خلف حلمه القديم، وعلى المستوى الاخر هي قصة فئة عربية مهاجرة منذ زمن طويل الى فرنسا احدى الدول الغربية، فتمثل هذه الفئـــــة نموذجا للهوية غير المنغلقة، انما المنفتـــحة على ثقافة الاخر دون ان تفقد هويتها الخاصة، وبالتالي هي في الفيلم تحمي هويتها الثنائية العربية والفرنسية، على خلاف ما تطرحه اغلب الافلام التي تتناول المهاجرين حيث المهاجر منغلق على ذاته وهويته، يعاني العزلة. تجتمع عائلة سليمان حول المائدة على طبق الكسكسي بالسمك الذي هو جزء من هويتهم التونسية، ورمز لها حمله عنوان الفيلم، وهو من المشاهد المهمة في الفيلم، حيث تتجلى فيه هوية الاسرة الثنائية فهي من ناحية تحافظ على عقيدتها الاسلامية، وتتمسك بقيمة العائلة والعلاقات الاسرية الحميميــــة والمتماسكة رغم الخلافات والاختلافات بينــــهم، لكنهم يحرصون على ان يجتمعوا معا اسبوعيا، ومن ناحية هم منفتحون على الاخر، فأحد ابناء سليمان متــزوج من روسية واحدى بناته من فرنسي، يتحدثون بحـــرية عن علاقتهم الجسدية، لذلك منح المخرج هذا المشهد حـــيزا زمنيا كبيرا، كما منح مشهد الحفلة زمنا كبيرا ايضا ليــــظهر تكاتف افراد اسرة سليمان وصديقته وابنتها واصدقائه بالنزل معه من اجل انجاح مشروع العمر الحلم وهو الجزء الخاص بهويتهم العربية فيقدم المطعم مأكولات تمثل جزءاً من ثقافتهم.بعد خمسة وثلاثين عاما، يقضيها المرء في المهجر يكتسب قدرا من ثقافة المكان الذي يقيم فيه وكذلك الانتماء اليه، لذلك لم يستمع سليمان لنصيحة ابنه بالعودة الى تونس والعيش بقية حياته هناك من تعويض التقاعد، انما التمسك بالبقاء في فرنسا الذي اصبحت جزءا منه ومن هويته ـ كتونس- بعد ان قضى فيها نصف عمره، الا ان هذا لا يعني ان الاخر سيتقبله بسهولة رغم هذا الزمن الطويل، فهاهم المدعوون من الفرنسيين في الحفلة يتهامسون فيما بينهم انه غريب – من غير بلدنا- وهم لا يحبذون اعطاء المال والرخصة لغريب لذا حلمه يبقى مهددا. اخيرا امتاز الاداء التمثيلي بالعفوية والحرفية العالية على وجه الخصوص حفظية حرزي ابنة العشرين عاما بدور ريم، وحبيب بو فارس بدور سليمان، ولا يمكن تجاهل الجهد المبذول من قبل المخرج في ادارة شخصياته، والتي حرص على ان تحافظ على تلقائية تقارب الواقع لدرجة كبيرة ، مقترنة باسلوب الكاميرا المحمولة باليد القريب من تسجيل الواقع، الا انه كان هناك قدر من الاطالة في بعض المشاهد ومنها مشهد الحفلة حيث لو تم اختصار نصف ساعة من الفيلم لما تأثرت جودته. ينتهي الفيلم وسليمان يهوي على الارض، بينما لطيفة تعد طبق الكسكسي من جديد وريم لا زالت ترقص، ومصير مفتوح، انما كان اهتمام المخرج ان يظهر الاصرار على الحلم والمعاناة في المقابل اكثر من النتيجة. كاتبة في الصحافة السينمائية[email protected]