أسامة أنور عكاشة و«ليالي الحلمية»: الصراع الطبقي التاريخي في مصر

حجم الخط
0

فوجئت كما فوجىء الكثيرون، بعرض جزءٍ سادسٍ من مسلسل «ليالي الحلمية»، بعد أكثر من عشرين عاماً من عرض الجزء الخامس، وبعد بضع سنوات من رحيل مؤلفه الكاتب الراحل أسامة أنورعكاشة، ولسنا هنا في مجال تقييم «الجزء السادس» المعروض حالياً، الذي ذكّرنا بالكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة.
فيُعدّ عكاشة أشهر من كتب للدراما التلفزيونية في العالم العربي، ولم يكن عكاشة مجرّد كاتب درامي تهدف أعماله إلى التسلية والإمتاع، بقدر ما كان عموداً رئيسياً وعلامة بارزة في «صنعة» الكتابة الدرامية وتطويرها، وكانت أعماله أقرب إلى «الرواية التلفزيونية»، كما كانت أحياناً أشبه بسرديات تاريخية، عبر تفاعل الإنسان مع المكان، والزمان، امتزج فيها التحليل السياسي، بالرصد والنقد الاجتماعي، المُتشّح برداءٍ أيديولوجي لفصول تاريخ مصر الحديث، حرص على تضمينها انحيازاته الفكرية، وتحيّزاته الاجتماعية.
من خلال استقراء أعماله وكتاباته يبدو أن عكاشة قد مرّ بتحوّلات فكرية كبيرة تجاوزت مرحلة التقلّبات إلى مرحلة الانقلابات، فبداية عكاشة الفكرية كانت يسارية ماركسية، وهو ما ظهر واضحاً في «الشهد والدموع»، الذي يُعدّ البداية الحقيقية له، حيث البصمة الماركسية التي لا تخفى في ثناياه، بالتركيز على فكرة «الصراع الطبقي»، والتناقضات الحادّة بين شخصيتي «زينب»، و»دولت»، ثمّ هدأت «ماركسيته» قليلاً، فصار ناصرياً متطرّفاً، وهو ما بدا جلياً في عدد كبير من أعماله، أبرزها بالطبع «ليالي الحلمية»، أمّا العجيب حقاً فهو أنه انتهى ليبرالياً، حين كان من الأعضاء المؤسسين لحزب «الجبهة الديمقراطية» ذي التوجه الليبرالي، ثمّ انقلب على ذاته، عندما كتب مقالاً في العام 2007 أثار ضجّة واسعة، حمل فيه على فكرة القومية العربية وانتماء مصر العروبي!
انعكست قناعات عكاشة الأيديولوجية على أعماله الدرامية، وكان متسقاً فيها مع ذاته إلى حدٍّ بعيد، فلقد ظلّت فكرة «الصراع الطبقي» مهيمنة على عقل عكاشة، وحاضرة بقوة في أعماله عبر مراحله المختلفة، من خلال التفاعلات بين الشخصيات ذات الأصول الإجتماعية المتناقضة، عبر طرحه للتساؤل: هل تستطيع العلاقة العاطفية أن تذيب الفوارق الطبقية؟
كان جواب عكاشة على سؤاله دوماً بالنفي، سواء بعد الارتباط أو قبله، وتجسّد هذا في أمثلة عدة، كان أولها وأشهرها في «الحب وأشياء أخرى»، من خلال قصة حبّ «سامح» و»هند»، فقد كان «سامح» ينتمي إلى أصول اجتماعية شعبية أو طبقة «البروليتاريا»، بينما كانت «هند» تنتمي إلى الطبقة «البورجوازية» العليا، وبالرغم من ارتباطهما بالزواج، إلا أن سفينة علاقتهما تحطّمت على صخرة الفوارق الطبقية بينهما، وتكررّ الحال في «ليالي الحلمية» عبر تطورّات العلاقة بين «عادل البدري» سليل الطبقة «الأرستقراطية»، و»قمر السماحي» سليلة «البروليتاريا» الشعبية، وكانت نهاية العلاقة بانهيار زواجهما البائس للسبب نفسه، أمّا في «امرأة من زمن الحب» فجاءت قصة الحبّ التي جمعت بين «مسعد» ذي الأصول الشعبية البسيطة، و»إيمان» ذات الأصول البورجوازية، وكانت النهاية مأساوية ومؤلمة قبل ارتباطهما،عندما قتل «مسعد» بطريق الخطأ صديق عمره، في مشاجرة نشبت بينهما بسبب «إيمان».
خلاصة القول هنا أن عكاشة أكّد باستمرار على فكرة «الصراع الطبقي»، والاستقطاب الاجتماعي، وأنه لا مجال لأي لقاء – أو وفاق – حتى ولو كان عاطفياً، بين «البروليتاريا»، و»البورجوازية»، فالاستقطاب الطبقي كبير، والهوّة الإجتماعية هائلة بين الطرفيْن، وهو ما جعل من كل طبقة «جزيرة منعزلة» عن الأخرى، وجعل من مجرّد إمكانية اللقاء بينهما أمراً في حُكم الاستحالة.
كان «ليالي الحلمية» هو العلامة البارزة في مسيرة عكاشة، وهو العمل الدرامي الأكبر، والأشهر في تاريخ الدراما المصرية والعربية، تعرّض عكاشة من خلاله لتاريخ مصر الحديث، منذ الأربعينيات، وحتى نهاية القرن العشرين، وما شهدته تلك العقود من تحوّلات سياسية واقتصادية واجتماعية، حاول عكاشة في «ليالي الحلمية» استنساخ السردية المحفوظية، التي قدّمها الراحل الكبير نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة، القائمة على تفاعل الإنسان مع المكان، والزمان، وإعادة طرحها في قالب جديد، وهو ما أعاد إنتاجه في «زيزينيا»، محاولاً الإجابة على ذلك السؤال الكبير الذي تركه عالقاً في «أرابيسك»، المتعلّق بالهوية الحضارية لمصر.
كان حيّ «الحلمية» هو الساحة المكانية التي جمع فيها عكاشة أبطال وشخصيات العمل، على اختلاف طبقاتهم، وتوجّهاتهم، بداية من أربعينيات القرن العشرين، وأتى من خلاله على ذِكر جميع الطبقات الاجتماعية، بدءاً من العمّال والبسطاء، واللصوص، والراقصات «العوالِم»، ومروراً بالأفندية والموظّفين، وانتهاءً بـ»الباشوات والهوانم»، ومثّلت تلك الشخصيات جميع التيارات الفكرية، من الماركسيين إلى الليبراليين، إلى الضبّاط الوطنيين، إلا أنه أغفل تماماً أي إشارة لجماعة الإخوان المسلمين، رغم أن «الحلمية» كانت معقلهم الرئيسي حينذاك، في فترة ذيوع وانتشار الجماعة، وهي سقطة كبيرة في العمل فجميع التيارات الفكرية مهما بلغت مساحة الاتفاق أو الاختلاف معها تظل جزءاً لا يتجزّأ من تاريخ مصر لا يمكن لأحدٍ أن يحذفها من الصورة.
طرح عكاشة ثنائية حملت تناقضات طبقية وأخلاقية، بين عائلتي «البدري»، و»السماحي» فالأولى تتمركز حول ذاتها بأنانية مفرطة ولا تعرف سوى مصالحها الخاصة، بينما الثانية تضحّي وتعمل للوطن، فـ»السماحية» دوماً يدفعون الثمن بينما «البدرية» هم الذين يحصدون المكاسب، وهو ما ورد صراحة على لسان «علي البدري» في حوار مع أبيه «سليم باشا»، بعد مقتل «ناجي السماحي» بيد «حيتان الفساد» من رجال الأعمال الفاسدين، وكان والده «طه السماحي» قد قُتِل أيضاً بيد الإنكليز في القنال.
اللافت في العمل هو وجهة النظر التي أبداها عكاشة ضمنياً في نهايته، عبر نهاية الرحلة التي اختارها لشخصياته كل على حِدة، فقد رأى أن جميع التيارات الفكرية انتهى بها الحال إلى فشل ذريع.
فرجل الصناعة الوطنية «سليم باشا البدري» فشل في استعادة ماضية الرأسمالي الصناعي، بعد إطاحة ابنه به من رئاسة مجموعة «البدري» عقب صراع مرير، ظلّ بعدها قعيداً في بيته، أمّا المناضل الماركسي المتمرّد على أصوله الأرستقراطية «عاصم السلحدار»، فانقلب تماماً على نضاله الماركسي، وانتهى به الحال إلى العمل مع «المافيا»، وكذلك «الأسطى شاهين» العامل صاحب التوجهّات الماركسية، الذي كان يقود العمّال في إضراباتهم، انتهى إلى ممارسة نشاط «طفيلي» في سوق الخضر، في تناقضٍ صارخٍ مع ماضيه الماركسي، أمّا الضابط الوطني «مصطفى رفعت» صاحب الماضي النضالي ضدّ الإنكليز في القنال، والذي كان عضواً في تنظيم «الضبّاط الأحرار»، الذي قام بانقلاب 23 يوليو/تموز 1952 انتهى زوجاً للراقصة «حمدية»، وأيضاً المناضل «جلال شهاب» انتهى إلى لا شيء.
حاول عكاشة الترميز للثنائية المتناقضة «عبد الناصر – السادات»، منتصراً بالطبع لتوجهاته الناصرية، عبر شخصيتي «زينهم السماحي» صاحب المقهى بـ»الحلمية»، والتي كانت شخصيته مثالاً لـ»ابن البلد» صاحب النخوة، والشهامة، وصبيّه «زعتر» الذي حاول جاهداً محو آثار «معلّمه» بعد رحيله بجحود وخسّة بالغة، وفي غمرة لحظات الفرح بالعبور في 6 أكتوبر 1973 سقط «زينهم» ميتاً، لتتحوّل الفرحة في «الحلمية» إلى «مأتم» كبير، وتدخل شخصيات العمل في حالة من التيه والضياع خلال فترة السبعينيات.
الشخصية المحورية في العمل هي شخصية «علي البدري»، وهي شخصية مأساوية بشدّة، جسّد عكاشة بملامحها مأساة جيل بأكمله، ألا وهو ذلك الجيل الذي تربّى على شعارات عبد الناصر، وتضلّع بها، محلّقاً بأحلامه فوق السحاب، مرتفعاً إلى عنان السماء، ثمّ فجأة هوى من حالقٍ إلى هاوية سحيقة، فتحطّمت عظامه، وتهشّمت أحلامه واكتشف أنها مجرّد أوهام وسراب كبير.
تحمّس «علي البدري» بشدّة لعبد الناصر ولشعارات الاشتراكية، والتحق بالتنظيم الشمولي الأوحد «الاتحاد الاشتراكي» وما تفرّع منه من «منظمة الشباب» و»التنظيم الطليعي»، حتى صار قيادياً بارزاً، ثمّ انهالت عليه الضربات، والطعنات تباعاً، ودفعته إلى الانقلاب على ذاته بشكل مأساوي للغاية.
كانت الضربة الأولى في معايشته لكارثة 5 يونيو 1967، وخروجه بإصابة جسدية، وإصابة نفسية أشدّ، تلتها الضربة الثانية بدخوله السجن في قضية «مراكز القوى»، وفصله من الجامعة وضياع مستقبله العلمي، ثمّ أتته الضربة القاضية عن طريق «زهرة» التي أحبّها من أعماقه، وضحّى من أجلها ببعثته العلمية، فقابلت تضحيته بتخليّها عنه في محنة سجنه، لاهثة وراء طموحها المهني، مُسديةً إليه طعنة غادرة، ليخرج بعدها «علي البدري» من السجن منقلباً على ذاته بشكل كليٍ، فبعدما كان «اشتراكياً» مخلصاً، صار «انفتاحياً» متطرّفاً، يمارس الأنشطة «الطفيلية» بأسوأ الوسائل، غير عابىء بسحق من هم دونه، وبعد سنوات قليلة عاد «علي البدري» إلى السجن مجدداً، ولكن ليس كمناضلٍ سياسي كما كان في المرّة الأولى، وإنمّا كمُتهّم جنائيٍ في قضايا فساد في مشهدٍ تراجيدي بامتياز، حمل دلالات كثيفة وعميقة!
وبغضّ النظر عن مساحة الاتفاق أو الاختلاف معه، يظلّ عكاشة كاتباً متميّزاً مبدعاً، حرص على تحميل أعماله برسائل لعموم المشاهدين تجاه مشكلاتهم الحياتية، وقضاياهم العامة على السواء، ولقد ترك رحيله فراغاً كبيراً، بعدما صارت غالبية الإنتاج الدرامي في السنوات الأخيرة مُترعة بالركاكة، والإسفاف، والرداءة.

أسامة أنور عكاشة و«ليالي الحلمية»: الصراع الطبقي التاريخي في مصر

أحمد طه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية