بولتون يضع النقاط على الحروف… وإدلب تترقب

حجم الخط
2

من المؤكد أن كل ما سرب عن اجتماع هلسنكي السابق من توقعات أو تأملات إلى الآن لا تزال مع وقف التنفيذ، إلا أن الأزمتين اللتين كانتا على رأس أولوية هذا الاجتماع وهما سوريا وأوكرانيا بقيتا عالقتين من دون تغير جوهري إلى أن زار رئيس الأمن القومي الأمريكي بولتون تل أبيب، بتصريحات هي الأكثر وضوحا، وضع بولتون فيها لأول مرة استراتيجية واشنطن في سوريا بشكل عملي منذ تولي ترامب قيادة البيت الأبيض من خلال عدة نقاط تضع سقفا لأي مباحثات مع اللاعب الدولي الأهم في سوريا المتـمثل في موسـكو.
فالأمن القومي الإسرائيلي هو رأس الهرم في أي حل سياسي أو عسكري للملف السوري، وهو بالضبط ما أشرت اليه في مقالي السابق في صحيفة «القدس العربي» تحت عنوان «القمة في هيلسنكي ومربط الفرس في تل أبيب «حيث أكدت في هذا المقال على أن سياسة الرئيسين بوتين وترامب في سوريا ستكون ضمن حدود الرضى الإسرائيلي، فيما كانت النقطة الأكثر أهمية وحسما للجدال في تصريحات بولتون تأكيده أن لا انسحاب أمريكي من سوريا دون إنهاء ملفي تنظيم الدولة الإسلامية وإيران، هذه التصريحات برأيي الشخصي تشكل مفتاحاً لفهم المرحلة المقبلة للأزمة السورية ومحيطها.

ملف تنظيم الدولة الإسلامية

لايزال هذا الملف على طاولة البيت الأبيض والكونغرس وسيبقى لفترة زمنية أخرى وذلك لسببين:
السبب الأول: مرتبط بالتنظيم نفسه الذي بدأ خلال الفترة الماضية بوضع استراتيجية داخلية جديدة في تعامله مع الهجمات الأمريكية والكردية من جهة وهجمات روسيا والأسد وحلفائهم من جهة أخرى، فتمت إعادة بناء القوة العسكرية للتنظيم بشكل يجعلها أكثر صلابة، كما أشارت المعلومات القادمة من مناطق سيطرته عن تغيير قد طرأ على البنية الدينية للتنظيم بحيث أصبح أقل حدة بفتاويه وأكثر ليونة مما كان عليه سابقا وهو ما يشير لرغبة قيادة التنظيم رفع عدد المنتسبين وتقليل التوتر مع سكان مناطق سيطرته، كما يجدر الإشارة إلى أن الإمداد الاقتصادي للتنظيم لايزال مستمرا بالرغم من كل المحاولات الدولية لإنهائه.
السبب الثاني: يشكل العامل الدولي والإقليمي المحيط بالتنظيم لبقائه واستمراره، فالأسد المنتشي بانتصارات الجنوب الوهمية وجد بعناصر التنظيم المنهزمين في مخيم اليرموك خير أداة لإعادة السويداء لبيت الطاعة، فيما استمرار بقاء التنظيم ضمن الشرق السوري يشكل أفضل غطاء دبلوماسي وإعلامي بالنسبة للإدارة الأمريكية، فواشنطن ضمن ما وضحه بولتون لن تستعجل في إنهاء هذا الملف في الوقت الحالي.

ملف الوجود الإيراني في سوريا

يعتبر هذا الملف ضمن تصريحات بولتون هو الأكثر ضبابية من ناحية خيارات إنهائه، فهو نفسه أكد أن بوتين أبلغ ترامب بعدم إمكانية موسكو تحقيق انسحاب القوات الإيرانية من سوريا، مما يعني أن هذا الملف سيكون مفتحا على جميع الخيارات، فإسرائيل لن تتوقف عن هجماتها ضد الوجود الإيراني في سوريا بالرغم من انخفاض حدة هذه الهجمات في الآونة الأخيرة، فيما يشكل وصول جيمس جيفري لمنصب المسؤول عن الملف السوري في وزارة الخارجية الأمريكية يعتبر بداية لخطوات أكثر شدة ضد إيران في سوريا قد تصل لتوجيه ضربات جوية مركزة ضد خطوط إمداد إيران لسوريا والتي تشمل صحراء الأنبار والبادية السورية.
كما أن المعلومات المسربة دبلوماسياً تؤكد عن نشر واشنطن لرادارين في كل من عين العرب « كوباني « ومدينة الشدادي مما يزيد من الشكوك حول نية واشنطن فرض منطقة حظر طيران في الشرق السوري، إلا أن هذه الخطوات لن تكون فعالة لإنهاء وجود الحرس الثوري الإيراني في سوريا ما لم تكن موسكو شريكاً بها، الإدارة الروسية أصبحت على يقين أن الدعم الغربي والخليجي والأمريكي لإعادة إعمار سوريا سيبقى بعيد المنال ما لم تخرج إيران من سوريا، وبالتالي فإن إنهاء هذا الملف سيكون مرتبطا بتحرك أمريكي عسكري بدأت تقرع طبوله خلال الأيام الماضية من جهة، وبالقرار الاستراتيجي لبوتين وترتيب أولوياته في سوريا من جهة أخرى.

ملف الحل السياسي للأزمة السورية

بعيداً عن التحركات في الميدان يقف ديمستورا حاملاً ملف الحل السياسي منتظراً في جنيف، فاللجان الدستورية التي ستبدأ عملها في وقت لاحق لن تكون سوى رغوة دون تأثير، فالحل بعيد كل البعد عن ما تحاول موسكو تقديمه في سوتشي والأستانة، وما أشار له بولتون بتأكيده على جنيف والقرار 2254 والذي يشمل مرحلة انتقالية وانتخابات برلمانية ورئاسية تحت مراقبة أممية هو رأس الخيط ولا بديل عنه، وعلى هذا المسار كان خطاب كل من الرئيس الفرنسي ماكرون ووزير الدفاع الأمريكي ماتيس مؤخراً مؤكدين أن لا حل دون تشكيل حكومة سورية جديدة لا يكون للأسد دور ضمنها.
سيجتمع كل من رؤساء تركيا وروسيا وإيران في طهران بداية الشهر المقبل وسيكون الملف السوري على رأس الطاولة، الجانبان الروسي والتركي سيبحثان تفاصيل معركة إدلب المرتقبة وإمكانية تجنبها.
لا روسيا واثقة من نتائج ونجاح هذا التحرك من دون دعم أنقرة، ولا أنقرة قادرة على تحمل تكاليف معركة قد تؤدي لموجة لجوء 3 ملايين سوري ضمن أجواء اقتصادية تركية متعبة، فيما الانتظار الإيراني للعقوبات الأمريكية المقبلة وتأثيرها ومن سيطبقها يجعل من الملف السوري أقل أهمية ويجعلها أكثر مرونة مع طلبات تركيا وروسيا.
تقف الأزمة السورية الآن على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الدولي سيحدده البيت الأبيض وعنوانها الثوري سيحدده جمع من الرجال القابضين على الجمر في إدلب وما حولها.

محللة سياسية يونانية مختصة بشؤون الشرق الأوسط

 

بولتون يضع النقاط على الحروف… وإدلب تترقب

إيفا كولوريوتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. راشد - ألمانيا:

    عزيزتي إيفا
    لك كل الشكر والاحترام على هذا الوعي والإدراك لكل مايجري على أرضنا وعلى هذا التحليل الذي ينم أنك صحفية تتميز بقلم الواعي والمدرك لكل المخططات التي تحاك في المنطقة .
    للأسف الشديد الشعب السوري الآن هو ضحية تناقض وصراع المصالح الدولية من أوكرانيا حتى فلسطين

  2. يقول آصال أبسال:

    تشير الكاتبة إيفا إلى مقالها السابق «القمة في هيلسنكي ومربط الفرس في تل أبيب.. /حيث أكدت في هذا المقال على أن سياسة الرئيسين بوتين وترامب في سوريا ستكون ضمن حدود الرضى الإسرائيلي/..
    عزيزتي إيفا.. هذه السياسة تمت مدارستها في السر بين الدولتين العظميين.. أمريكا وروسيا (الاتحاد السوفييتي سابقا).. منذ أكثر من خمسين عاما.. ولكن لم يتم إعلانها أو تسريبها على الملأ إلا مع تفاقم الوضع السياسي والعسكري في سوريا في الزمن الحاضر.. خاصة في الجنوب الغربي من سوريا قبل الاجتماع الأمريكي-الروسي-الأردني الذي كانت فيه إسرائيل غائبة وحاضرة في نفس الوقت .. والآن في الشمال الغربي من سوريا بما فيها إدلب المدينة التي تتمركز عليها كل المساعي المحلية والدولية.. أي في المناطق السورية التي قد تشكل خطرا إستراتيجيا مباشرا على إسرائيل..
    شكرا جزيلا على اهتمامك الموضوعي الواضح بقضايانا المؤسية والمحزنة إلى أبعد الحدود..

اشترك في قائمتنا البريدية