طارق سويد: قسوة العنف ضد النساء قادتني لكسر زجاج الصمت

حجم الخط
0

بيروت ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: توسع الاهتمام بالعنف الأسري في لبنان منذ قتلت أكثر من امرأة على يد زوجها في ظرف أشهر قليلة، وكذلك منذ ذهب مشروع القانون الذي يجرّم العنف الأسري على كافة المستويات إلى مجلس النواب، وأقر مبتوراً. صار العنف الأسري على كل شفة ولسان وتضاعف عدد المجاهرين بإدانته من مثقفين، فنانين وسياسيين. وشكلت جمعية ‘كفى عنف واستغلال’ البوصلة للجميع لتبنيها مناهضة العنف ضد النساء بما فيهن العاملات الأجنبيات.
الجديد أن العنف ضد النساء تحول إلى موضوع فني بامتياز وعالج قصصاً واقعية معاشة، يعرف بعضاً من تفاصيلها الجمهور العريض وعبر الاعلام.. فبعد انطلاق مسلسل ‘كفى’ على شاشة MTV ، قدمت المخرجة لينا أبيض مسرحيتها ‘هيدا مش فيلم مصري’ على خشبة مسرح غالبنكيان في الجامعة اللبنانية الأمريكية، عالجت عبرها قصصاً واقعية مروية من قبل نساء معنفات.
العمل المسرحي للينا أبيض يأتي من ضمن مهماتها الجامعية، ويمكنها أن تجمع فيه بين طلابها كممثلين ومن هم من خارج الحرم الجامعي، وهذا ما حصل. فمنذ اللحظة الاول للقاء مع الخشبة كان الواقع صادماً.
في بداية العرض أطلت المخرجة لينا أبيض لتقول: الصفير المتقطع لطنجرة الضغط الخاصة بمنال عاصي أصمّ أذنيّ في الأيام التي تلت موتها (منال عاصي امرأة لبنانية كانت تعيش في بيروت قتلها زوجها بطنجرة الضغط قبل اشهر). كان لا بد من أن أدلي بشهادتي… على خشبة المسرح لن تكون مسرحية ستسمعون كلام تلك النسوة وهن يحطمن جدار الصمت الذي حبسهن في داخله أزواج يمارسون العنف، أو مؤسسة زواج، أو خوف من كلام الناس، أو تقاليد بالية، أو قانون مدني متخلف، أو نظام أبوي.
‘كفى’ مسلسل واقعي. يعيش المشاهد مع قصصاً واقعية عبر الشاشة الصغيرة. الحصى الصغيرة كسرت زجاج الصمت الذي تحول إلى شفاف جداً. صارت النساء تبحن بأوجاع اجسادهن ونفوسهن حتى صار رقم هاتف كاتب مسلسل كفى الفنان طارق سويد كما الخط الساخن يتلقى الاتصالات من شتى أرجاء الأرض حيث الانتشار اللبناني. ماذا يقول الكاتب طارق سويد رداً على اسئلة ‘القدس العربي’:
* لماذا تأثرت درامياً بحكايات النساء المعنفات؟
* صراحة عندما سمعنا بموت رولا، كريستال ومنال وبشكل متتال وفي زمن قصير تبين وكأن الشعب اللبناني يطلع على هذه الحكايات ويعرف الكثير منها. سألت العديد من الناس فكان جميعهم يعرف امرأة هي نموذج للتعنيف، سواء ابنة خالته، جارته أو حتى والدته.
لم أعد احتمل الصمت. فكرت ما العمل؟ خطر ببالي مظاهرة للفنانين الرجال استنكاراً للعنف ضد النساء وطلباً لتوقيع قانون حماية النساء من دون تشويه. قصدت جمعية كفى طلباً للمساعدة في تنفيذ فكرتي، فكان في خطتهم مظاهرة في يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار/مارس، سألوني ضم الجهدين معاً، وكانت موافقتي سريعة. ومنذ تلك اللحظة اتابع اجتماعتهم، وكنت معهم في التحضير لتحرك الثامن من آذار الذي كان حاشداً. وفي ذلك اليوم عندما وجدت نفسي أمسك مكبر الصوت وانادي وأهالي الضحايا ينادون معي ودموعهم تسبقهم شعرت بضرورة أن تكون لي خطوة أكبر. كان بيني وبين المنتج مروان حداد اتفاق على كتابة مسلسل يعرض على شاشة MTV سبق وسلمت منه ست حلقات. وفي يوم المرأة العالمي ليلاً كان بيننا اتصال عرضت فيه كتابة مسلسل آخر بعنوان ‘كفى’. رفض لأن الالتزام مع القناة كان ببدء البث في نيسان/ابريل والمهلة شهر فقط. لكني وعدته بأن اقدم الحلقات بأسرع ما يكون. ولأنه تحمس للفكرة سارع للإتصال بـ MTV ومشكورين كون حماسهم للفكرة يوازي مع حماسي.
أجل المسلسل الذي كان قيد التصوير وأنطلق ‘كفى’. والجمعية لم تمانع في أن نستعمل اسمها بحيث يكون مناسباً جداً للمسلسل من جهة، وبحيث تعرف النساء المعنفات بوجود مكان يمكنهن اللجوء إليه. فأغلبية النساء المعنفات لا يتركن منازلهن لعدم وجود مكان يلجأن إليه. صحيح أن كفى ليس بمقدورها تأمين الملجأ لكنها تساعد تلك النسوة على كسر جدار الصمت. تكررت زياراتي لكفى، ولقاءاتي مع النساء المعنفات اللواتي على قيد الحياة، ولقاءات مع ذوي النساء اللواتي رحلن بفعل العنف. نعم شعرت أني حيال موضوع كبير وهو أهم من كل ما تحدثنا عنه في الدراما. تقديري لوالدتي وحبي الكبير لها دفعاني لكتابة مسلسل ‘أماليا’ إكراماً للمرأة الأرملة. فوالدتي ربتنا بمفردها وهي أرملة. وأكيد حكاية أماليا لا تشبه حكاية والدتي، فخيالي راح نحو معاناة الأرملة. تقديري لأمي ترك في قلبي تقديراً خالصاً لكل أم وكل امرأة.
* كم هي نسبة الواقعية في مسلسل كفى؟
ـ أكثر من 92 % كي لا نقول 99 %. لا شك أن أساس الموضوع هو من أهالي النساء اللواتي لقين حتفهن. والمفارقة أن الأهل يحملون عقدة الذنب لأنهم لم يسمحوا لبناتهم بالطلاق. عندي أكثر من 60 سؤالا للأهل مما يساعدني عندما أعود إلى منزلي لتكوين فكرة عن حكاية هذه الضحية، وتلك منذ اللحظة التي كانت فيها عروساً وصولاً إلى الصفعة الأولى. متى عرف الأهل. ردة فعلهم. متى فكرت بالطلاق. الشخصيات المحيطة بالمرأة المعنفة وزوجها كانت من وحي خيالي فقط.
* ماذا عن تجاوب أهل الضحايا؟
ـ حتى النهاية. وحتى السيدات المعنفات إلى هذه اللحظة استغربت ثقتهن بي. فقد تصورت أنهن صرن لا يثقن بكل الرجال. للأسف الكثير من النساء اللواتي التقيت بهن ما زلن في منازل أزواجهن مع الأسف لأن لا مكان آخر يلجأن إليه وليس لديهن قوة اتخاذ قرار الترك، وهن يأتين إلى جمعية كفى سراً. هؤلاء النسوة وثقن بي وفتحن لي أوراقهن. وكثير منهن طلبن أن تبقى اسماءهن كما هي، وكذلك الحفاظ على سير الأحداث كما هي. لم أرض، فأنا لست في موقع يستغل فيه عذابات البشر.
* هل يؤشر مسلسل كفى إلى دخول الدراما اللبنانية صلب الواقع؟
ـ من جهة أعمالي الخاصة المتواضعة جداً فقد دخلت إلى الدراما الواقعية اللبنانية مع مسلسل أماليا. مع هذا المسلسل أجمع النقاد على أن المشاهدين تابعوا ما هو واقعي ومن صلب الحياة. ولا شك بوجود كتاب يشتغلون على الدراما الواقعية. مسلسل أماليا جعلني انتبه لضرورة الحد من الخيال ومعالجة الواقع. برأيي الواقع هو الذي يؤمن مزيداً من النجاح.
* كفى مسلسل من حكايات منفصلة فكم عدد القصص التي ستعالجها؟
ـ لا قرار نهائيا بعدد الحلقات. حتى اللحظة ما زلت أستمع لقصص نساء. لم يعد الاستماع إلى نساء مرتبطاً بجمعية كفى، صرت أتلقى الاتصالات مباشرة من النساء المعنفات ليس من لبنان وحسب بل من بلدان العالم كافة. قبل حديثي معك تلقيت اتصالاً من سيدة لبنانية تعيش في كندا كانت تحكي وتبكي وعدتها بالتواصل عبر سكايب بعد قليل.
ما زلت اجمع الحكايات وهدفي أن يصل أكبر عدد منها للرأي العام وعبر الدراما، والقرار يعود للمحطة.
* ظهرت الممثلات بدون ‘ميك أب’ في مسلسل ‘كفى’، هل تمّ ذلك برضى تام؟
ـ بكل تأكيد. هذا شرط مني. وسيبقى شرطاً في الأعمال كافة التي أكتبها. وقد سبق وظهرت الممثلة نادين الراسي على طبيعتها في مسلسل أماليا. الممثلة التي تغسل وجهها وتظهر على الكاميرا هي التي ستكون في اعمالي. ولهذا السبب وقع اختيار مروان حداد على ريتا حايك وكذلك ماغي بوغصن، فهما من الفنانات اللواتي يأتي الشكل في النهاية بالنسبة لهنّ. هنّ راضيات التلطخ بالدم والأوساخ وآثار الضرب ولا تسألن عن الشكل ولا عن الرموش الاصطناعية.
* هل فاجأتك نسبة مشاهدة مسلسل كفى؟
ـ بصدق لا. أثق بنفسي. كتبت قصصاً حقيقية، قصصاً شهدت عليها جدران المنازل ومعها أجساد المعنفات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية