تونس في الذكرى السابعة لثورتها

محمد كريشان

Jan 10, 2018

ما هكذا تكون الاحتفالات!! تونس وهي تحيي هذه الأيام الذكرى السابعة لرحيل بن علي لا تبدو في أجواء احتفالية أبدا. كثير من مدن البلاد تعيش على وقع مظاهرات احتجاجية ضد غلاء المعيشة وتفشي البطالة وتعثر الكثير من المشاريع التنموية التي وعد بها أهلها. لم تكن هذه المظاهرات سوى تعبير عن الضيق الذي وصل مداه لدى شرائح اجتماعية كثيرة لم تعد قادرة على تحمل المزيد من انسداد الآفاق أمام أي عملية تنموية تعطي وميض أمل، ولو خافت، في مستقبل أفضل.
المشكل أن هذه الضائقة الاقتصادية تترافق مع بيئة سياسية مخنقة ومملة تصحبهما خيبة أمل عامة من مجمل الطبقة السياسية في البلاد ومن إعلام خاص لم ينجح في شيء نجاحه في تيئيس الناس من كل ما له علاقة بالثورة مع تسخيف الحياة السياسية وإعلاء شأن التافه من القضايا والشخصيات. المشكل أيضا أن تونس وهي تواجه هذه الوضع الاقتصادي الصعب في ظروف إقليمية ودولية معقدة للغاية لم تجد من يقف إلى جانبها لإنجاح تجربتها والمساعدة في أن تصبح فعلا نموذجا لتحول ديمقراطي ناجح في استحقاقاته السياسية وكذلك في مشاريعه التنموية القادرة على تنفيس الاحتقان الاجتماعي.
لقد أكد لي أكثر من مسؤول تونسي بارز سابق أن البلاد في ضائقتها الاقتصادية هذه لم تظفر بالمساعدة الدولية أو العربية المأمولة، لا من حلفائها التاريخيين كفرنسا والولايات المتحدة ولا من الاتحاد الأوروبي ولا حتى من الدول الخليجية العربية الغنية، باستثناء دولتين فقط هما تركيا وقطر (أرجو من المسؤولين الحاليين تصحيح هذا الاستنتاج إذا لم يكن صحيحـــا). ومع ذلك، فتركيا وقطر هي من أكثر الدول عرضة للانتقاد إعلاميا في أكثر من منبر إلى حد وصل بأحد «جهابذة» المعلقين التلفزيونيين إلى التشهير بمدرب المنتخب الوطني لكرة القدم لأن معسكر المنتخب سيتم في الدوحة وكأنه سيتم في إسرائيل!!
الأخطر في تشخيص الوضع الاقتصادي ما أشار إليه عدد من الشخصيات الهامة في المجتمع المدني باتت اليوم على قناعة أنّ «المستفيد الأوّل من سقوط النظام القديم هو جماعات المال الفاسد والمافيا. فالهوّة لم تتقلّص بين تونس الدّاخل وتونس السّواحل؛ وسكّانُ الأرياف مازالوا يعانون غياب تكافؤٍ هيكليّ مع المجتمع الحضري. وما فتئ سكان الأحياء الحزامية حول المدن الكبرى يغرقون في التهميش؛ ولا وجود لأيّة اِستراتيجية لإدماج الأنشطة المُوازية ضمن الاقتصاد المهيكل (…) وما برحت الطبقة الوسطى، وخاصّة أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسّطة، يخضعون إلى ضغط الدولة المتواصل، ويجدون أنفسهم بين فكّي الاقتصاد الموازي والمنظومة الريعيّة حيث تستأثر فئة محدودة بالنفوذ الاقتصادي وتستفيد من عائداته»… كما جاء في بيان وقعه هؤلاء في الذكرى السابعة للثورة.
ما يزيد كل ما سبق خطورة على خطورة، هو توجه التونسيين عموما، أكثر فأكثر، إلى الركون إلى مزاج تشاؤمي عام يلفظ كل الطبقة السياسية ولا يثق فيها ولا في أبرز وجوهها. اذهب وتحدث مع عموم الناس، خارج المتحزبين الميالين بطبعهم إلى التبرير والتهوين، ستجد أن أغلبهم لم يعيدوا يطيقون مثلا لا رئيس الدولة الباجي قايد السبسي ولا رئيس حركة «النهضة» راشد الغنوشي ويحملهما معا مسؤولية إجهاض الكثير من آمال التغيير الجارف بعد الثورة. وصل الأمر بالمؤرخ التونسي الكبير الدكتور عبد الجليل التميمي في محاضرة له بمعرض الكتاب في الدوحة الشهر الماضي إلى حد اتهامهما معا بــ»اغتصاب الثورة»… تعبير قاس للغاية ومؤلم.
عندما تلتقي هذه العوامل: احتقان اقتصادي واجتماعي مع عدم ثقة في الطبقة السياسية فالمآل لا يمكن إلا أن يكون مخيفا. دعنا نعترف أن الكثير من المشاكل الاقتصادية لا تعود مسؤوليته في المطلق للحكومة فتونس في النهاية بلد محدود الامكانيات والوضع الاقتصادي صعب في أغلب دول العالم، بما فيها النفطية والغنية كالسعودية وإيران على سبيل المثال لا غير، والناس أيضا لم تعد تعمل كما يجب وأدمنت المطلبية لا غير، لكن المعضلة هي من هو السياسي القادر، برصيد ثقة واحترام، أن يقنع الشعب بحقيقة الوضع والأهم أن يقنعه بلغة سهلة بعيدة عن الشعارات بأن المطلوب أن نتقدم جميعا لتحمل أعباء هذه المرحلة حتى نجتازها بنجاح. المواطن في تونس لم ير هذا أبدا بل عكسه حتى بات مقتنعا، عن حق أو باطل، أن كل السياسيين هم مجموعة من الانتهازيين النفعيين وأن أغلبهم من اللصوص والمحتالين، بل إن الرئيس السابق بن علي وجماعته قد لا يكونون أكثر سوءا من المسؤولين الحاليين!!!
في تونس نقاط ضوء أخرى بالتأكيد، خاصة على مستوى المؤسسات والقوانين والتداول السلمي على السلطة، لكنها ستتوارى أكثر وأكثر أمام هذا الذي يجري وقد تصبح هي بدورها مهددة. لا سمح الله.

٭ كاتب وإعلامي تونسي

تونس في الذكرى السابعة لثورتها

محمد كريشان

- -

12 تعليقات

  1. الى الكاتب المحترم… قطر وتركيا لايمكنهما ان تشكلا اي مخرج حقيقي للاقتصاد التونسي… تركيا اصلا تعاني من ركود اقتصادي واردوغان فقط يبحث عن اسواق جديدة للشركات التركية لاغير. بل بلعكس تونس تعاني من منافسة شديدة من الشركات التركية…. قطر وعلى حد علمي قدمت قروض لتونس… قروض وليس منح… هذه القروض استغلت للاسف في بداية الثورة لاهداف سياسية بحثة من قبل حركة النهظة حيث تم اسكات طبقات مختلفة من شرائح المجتمع من خلا تسهيل منح ثم توجيه غالبيتها للاستهلاك… اتفق مع الكاتب المحترم… تونس وحيدة في معركتها ضد التنمية…لانهوض لتونس بدون سوق اقليمي متجانس ومنفتح على بعضه البعض… الحل الوحيد هو اعادت احياء الاتحاد المغاربي وتفعيل الاندماج الاقتصادي… من غير هذا الحل الدول الثلاث المغرب والجزائر وتونس ستبقى تتخبط في مشاكلها وتجرب كل مناهج التنمية وتفشل وتعيد التجربة وتفشل من جديد الى ان يرث الله الارض ومن عليها.

  2. ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم الشعوب العربية مغيبه ومخدرة ولا تزال تتصارع في ما بينها ومع ذاتها وهويتها ولا تزال عاجزة عن الاختيار الصحيح لمن يحكمها ولا يزال اعلامها اعلاما مأجورا تافها فبناء الاوطان يجب ان يكون مستقلا بعيدا عن المساعدات والتسول فان لم يكن هناك رجلا رشيدا يهيكل الاقتصاد ويحارب الفساد فلا امل في الاصلاح والنهضة

  3. تونس بلد يستحق ان يكون أفضل من ذالك
    شعب متعلم وواعى
    بلد هى الأقرب الى أوربا ثقافيا وتعليميا واقتصاديا
    بلد سياحية من الدرجة الاولى
    بلد جالياتها فى أوربا منتشرة فى كل المجالات وبنجاح
    وغيرها من المميزات التى تعطى تونس ان تكون
    الأفضل فى المنطقة العربية
    ولكن
    طيور الظلام الذين لا يريدون لها تتقدم
    عمليات ارهابية وقتل سائحين
    والنتيجة تدهور قطاع السياحة عَصّب الاقتصاد التونسى
    وينتج عن ذالك هروب الاستثمار الأجنبى
    وترتفع نسب البطالة بين الشباب
    وتستغل جماعات الاسلام السياسى الفرصة
    وتلوم الحكومة على فشلها فى تحسين المعيشة
    مع ان السبب الاول فى هذا الفشل
    هو الجماعات المسلحة التى تستخدم الاسلام
    زريعة لقتل الأبرياء
    تونس والشعب التونسى
    سوف يقف ويتقدم رغم أنف كل هؤلاء طيور الظلام

    • @محمد صلاح : شكرا لك على تعليقك الذى فيه كثير من الحب لتونس و التونسيين ….تونس اليوم مريضة و ضعيفة و نحن نعرف السبب جيدا و تحدثت عنهم فى تعليقى ….تونس سوف تقف هذا ليس لدى شك فيه …. لقد مررنا بفترات صعبة جدا سابقا ….و تجاوزناها ….اليوم لنا مجموعة من الخونة ممن زرعوا الارهاب زرعا فى تونس و الفوضوييين من اتسع انواع الشعبوية البائسة اليائسة …سوف نتخلص منهم و بالقانون ….لتعود تونس كما كانت سابقا و كنا ستبقى دائما …….تحيا تونس تحيا الجمهورية و لا ولاء إلا لها

  4. الدولة الوطنية بنيت بقاعدة ثابتة رجال و نساء تونسيين وطنيين يحبون تونس و لهم مشروع وطنى و بنيت بالعمل و الجهد و العرق و نحت الحجر بالاظافر ….
    بعد 2011 ابتليينا بمجموعة من الثورجية و الكسالى كل همهم تقاسم الغنيمة فيما بينهم و هؤلاء ولائهم معروف اما لاممية بلوريتارية ماتت و أصبحت جثة هامدة او قومجية عربية لا تترك إلا الخراب أينما مرت او ولائهم لاممية إخوانية تقوم على الولاء البراء لمشروع لا توجد فيه تونس أصلا… لانهم لا يعترفون بها اصلا و التى جلبت لنا الا الارهاب والتخلف….
    ….تونس بنيت بالوطنيين التونسيين و لن تنقذ إلا بهم….لان ولائهم الوحيد لها و لا لأعدائها ….التونسيين متمسكون بدولتهم و متمسكون بجمهوريتهم و متمسكون بمدنيتهم …..تحيا تونس تحيا الجمهورية و لا ولاء إلا لها

    • مواطني ابن الجمهوريّة التماس “الطهوريّة الوطنيّة ” لمجموعة من التّونسيين واقصاء الاخرين من محراب الوطن وتخوينهم بتهمة الولاء للأجنبيّ أو لجندات غير وطنيّة هذا في حدّ ذاته يمثّل جزءا من المشكل الذي نعيشه اليوم .

      • @ابن الثورة : مواطنى العزيز …مرحبا بك …و هل ما قلته خطاء …؟ أليست لدينا هذه الأنواع التى تسيطر على الحكم سوى اتحاد شعل او جبهة شعبية من يسار و قومجية او من اسلام سياسي بعض مكوناته لا تعترف بتونس أصلا و فصلا و الأخرى مواقفها هى و المطاط نفس الشئ ….؟ هل هؤلاء ولائهم لتونس او للاديولوجيا التى تسيرهم ….؟ هل من المسؤولية الدفع للاحتجاج اليوم و فى الليل لتدمير و حرق أموال التونسيين الذين بنوها بعرقهم و عرق الدولة الوطنية ….؟ انا فعلا حاد لكن تلك هى الحقيقة و تونس لن تتقدم إلا باختفاء هؤلاء من الساحة ….تحيا تونس تحيا الجمهورية و لا ولاء

  5. *وضع (تونس) حاليا قريب جدا
    من وضع الأردن من الناحية(الإقتصادية)..؟
    *من الحلول لكليهما;
    1- إسقاط المساعدات (الخارجية) من حساباتها والاعتماد على الموارد الذاتية فقط.
    2- محاربة (الفساد) بجميع أشكاله وصوره.
    3- (الشفافية) ومصارحة المواطنين بالحقائق
    كما هي حتى لو كانت صادمة.
    سلام

  6. الشعب التونسي شعب محترم ويستحق كل الاحترام ومثقف وواعى ولا يرضى الدنية يحتاج الى العيش بشكل كريم لكن لا يستجيب القدر كما قال ابو القاسم الشابي

  7. أخطر تقصير وقع فيه كل الذين شاركوا في السلطة بتونس بعد الثورة هو: عدم الحزم في محاسبة رموز الفساد الموروث عن العهد السابق حتى لا يكون لهم امتداد في المرحلة الراهنة، سواء عن طريق استعمال مالهم الفاسد لتزييف الوعي عبر الإعلام ولعرقلة النهوض الاقتصادي، أو عن طريق إعادة رسكلة هؤلاء الفاسدين داخل أحزاب معروفة، وتعيين بعضهم في وظائف سامية تحت مسمى “المصالحة”.
    فلا ثورة بدون إجراءات ثورية حاسمة.

  8. اولا ليس معنى الثورة هو اسقاط اعلى رجل في السلطة او حكومته الثورة تعني تغيير كبير في مفاهيم الحكم والاقتصاد والمال وحتى في البنية الاجتماعية اذا اقتضت الضرورة لذلك بينما في تونس رغم محبتي لاهلها وبلدهم لم يتم اي تغيير بمعنى الثورة قد يكون هناك تطهير من الفاسدين من الحقبة السابقة ولكن هذا لا يكفي فعلى الحزب الفائز بالانتخابات ان يضع مفاهيمة واهدافة وتطلعاته للمستقبل ضمن ادارة الدولة لكي تستطيع تونس النهوض من جديد بامكانياتها الذاتية وليس على المساعدات الخارجية المذلة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left