لا شك أن مستخدمي اللغة العربية ستثيرهم كلمة «أصاديق». أما أكاذيب فهي من المفردات المتداولة ولها تاريخ في العربية. والكلمتان معا جمع لأكذوبة و»أصدوقة». لا أحد سمع «أصاديق»، أو رآها مكتوبة. بل إن الأذن العربية تنفر منها، ولا تستسيغها، ليس فقط لأنها غير مستعملة، ولكن أيضا لأن عبقرية العربية الدالة على حضارة لسانية عريقة يتميز بها الكلام العربي عن غيره من الألسنة، لا يمكنها استعمال وزن صرفي قياسي لهذه الكلمة أبدا.. ولذلك لم تستعمل في العربية، حتى إن كانت الصيغة مقبولة. يعود السبب في ذلك إلى أن أوزان الكلمات العربية، حتى وهي غفل من أي مادة معجمية تحمل في ذاتها معنى، وللكثير منها عدة معان تعرف بالسياق الذي توظف فيه. وبعض المعاني تقبل بعض الأوزان، والبعض الآخر يرفضها، ما دامت تتعارض مع القيم الدلالية التي تحملها اللغة العربية.
فلماذا نجد كلمة: «كذب» تستسيغ وزن «أفعولة»، وتصبح «أكذوبة»، في حين أن كلمة: «صدق»، ترفض الوزن نفسه، فلم يستعمل العرب «أصدوقة»؟ من بين دلالات وزن «أفعولة» المبالغة في شيء مذموم، ومنها أكذوبة الدالة على كثرة الكذب. ولذلك لم تستعمل «أصدوقة»، ولذلك أيضا يقولون فيمن يبالغ في الكذب «كذَّاب». لكن كلمة «صدق» لأنها محمودة لا تحتمل هذه الصيغة، فلا يقولون في وصف الكثير بالصدق بأنه «صدَّاق»، ولكن صَدوق، وصدِّيق». وواضح الفرق بين صيغ المبالغة هذه لمن له حس لغوي. وفي ما يحتمل الصفة المذمومة المخالفة للقيمة الإيجابية، مثل الكذب، استعمل العرب: أسطورة (أساطير)، وأعجوبة (أعاجيب) لما يقع فيهما من الكذب والزيادة المخالفين للمعقول. وفي المقابل نجدهم استعملوا جمع «الأقاويل»، و»الأفاعيل»، وأهملوا المفرد فيهما «أقوولة»، أو «أفعولة»، لأنهما معا تحتملان المبالغة المحمودة والمذمومة في القول والفعل. فبأي معنى يمكننا استساغة «أصدوقة» و»أصاديق»؟
يمكن لوزن أفاعيل في «أصاديق» حمل دلالة الكلمة النقيض أكاذيب لتجسيد ما فيها من مبالغة. وإذا كانت الأكذوبة هي المبالغة في الكذب، فإن «الأصدوقة» هي المبالغة في تصديق الكذب من قبل الكذاب، وهو يعمل على إقناع نفسه قبل غيره بأن ما يقوله هو الصدق، والحقيقة المطلقة. ولذلك تراه حتى وهو يقدم أصاديقه على المٍلأ يتأول، ويدعو لمشاهديه بالهداية، والتصديق. ويمكننا وصف صاحب «الأصاديق» بأنه صدَّاق»، على وزن كذاب لأنه ليس صادقا ولا صِديقا.
إن ما أوحى إلي بهذه الفائدة اللغوية ما يزخر به الفضاء الشبكي المغربي من أكاذيب، مبنية على أصاديق. وأعجبها ما يزعمه المؤرخ وهو يتحدث إلى محاوره محلل الخطاب عن «قرآن بورغواطة» والثناء عليه، والنص المحلل لا وجود له؟ رغم إشارته إلى وجود مخطوطة سيبحث عن رقمها؟ لا أحد يجادل فيما تقدمه كتب التاريخ عن ادعاء النبوة وقرأنها. إنها حقيقة تاريخية. لنسلم بأن للبرغواطيين إمارة، وأن لهم قرآنا بالأمازيغية؟ فهل تاريخ المغرب هو تاريخ برغواطة؟ لماذا التركيز على هذه الإمارة دون غيرها من الإمارات؟ فهل لأنهم قضوا على الأمويين؟ وماذا بعد؟ فحتى برغواطة شاركت في القضاء عليها القبائل الأمازيغية الحرة، والمرابطون والموحدون الذين كرسوا العربية والإسلام في المغرب. فلماذا لا تفتخر النخبة «المورية «العبقرية بابن تومرت، وكتابه «أعز ما يطلب»؟ أليس ابن تومرت أمازيغيا؟ ألم يكتب نصوصا بالأمازيغية؟ أم أن كل ما هو عربي وإسلامي يشكل لهم عقدة أبدية وعلى رأسهم الأمويون؟ يتحدثون الآن عن الاستلاب إلى المشرق. فمن أين جاءت نحلة البرغواطي، وهل كان يعرف أنه «موري»؟ ألم يكن مغربيا مستلهما للهرطقات المشرقية العربية التي قلدها ببلاهة، زاعما أنه النبي، والمهدي المنتظر؟ هل تعدون ابن تومرت بدوره مستلبا للمشرق؟ وهل يقارَن صالح به؟ كان ابن تومرت أكثر وعيا وذكاء في تفاعله مع التيارات المشرقية العربية الإسلامية، وله رؤية خاصة.
ورغم ادعائه أنه المهدي لم يغالِ كما فعل صاحب القرآن، فبنى الإمبراطوية الموحدية، وتُرجم فصل التوحيد إلى اللاتينية، وكان له دور كبير في تاريخ الغرب الإسلامي، ولا علاقة له مع ما يسمونه «الدولة المورية». فلماذا يقول أوثان وسلفيو الهرطقة البرغواطية إن قرآن برغواطة يجمعهم؟ لماذا لا يجمعهم كتاب ابن تومرت؟ هل لأنه بنى الإمبراطورية الإسلامية التي لا مجال لمقارنة إمارة برغوطة وشعوذتها بها وعلى أي مستوى؟ وفي تبرير الفيلسوف والمفكر لقرآن برغواطة تحايل على الجهوية الموسعة والحكم الذاتي، فما العلاقة بين تلك الهرطقة البائدة وهذه الصيرورة التي يعرفها المغرب؟ لماذا يستغل الدستور بشكل انتهازي واختزالي؟ ولماذا لا يركزون إلا على ما هو ضد العربية والإسلام؟ إن ممارسة التقية والنفاق، ونشر الأكاذيب والأصاديق «المورية» يختزلان كل رأسمالهم «العلمي» و»التاريخي»؟ ما معنى التبجيل الزائد للإمارة البرغواطية، التي أبادت معارضي قرآنها؟ أليس في هذا إنكار وتطاول على الدولة المغربية التي تمثل التنوع والتعدد كما يجسد ذلك دستورها؟ أم أن «الدولة» المورية المزعومة التي يؤكد دعاتها، مباشرة، أنها نبتت من الأرض، وضمنيا، لها قرآنها الأمازيغي الذي يجب الافتخار به، ضد ما له علاقة بالعربية وبالإسلام، هي «الدولة» الأزلية؟
ومن أصاديقهم العجيبة: قرآنهم مخطوط في بريطانيا، وفيه سورة تحتوي على علم العلوم؟ و»أحفاد الأمويين» ضد القرآن البرغواطي لأنه تنويري؟ ولذلك يتهمونه بالكفر؟ واللغة «المورية» أصل اللغات، والمغاربة ليسوا عربا، وهلم جرا…
يمكن أن تفتخر ببرغواطيتك. ولك أن تكون ملحدا وعلمانيا ومؤمنا بالأديان الأمازيغية ما قبل الإسلامية، ومعتقدا في قرآن بورغواطة، وترى في ذلك ما يثبت علمانيتك، وموريتك وهويتك، فهذا شأن يخصك. أما المغاربة فيفتخرون بهويتهم المغربية الموحدة والجامعة كما يجسدها الدستور دون تمييز أو إقصاء لأي مكون من مكوناتها، التي تفاعلت وامتزجت لتشكل تاريخها العريق سياسيا وثقافيا، وقدمت التضحيات الجسام للحفاظ على وحدة الوطن وتماسك مواطنيه. أما نشر الأكاذيب والأصاديق التاريخاوية، فلا يكفي تكرارها وتدويرها ليل نهار في الواقع الافتراضي لإقناع أي مواطن مغربي بأنها ستحل المعضلات البنيوية اليومية، كما يعيشها في الواقع، هنا والآن، في البادية والأحياء الهامشية، أو أنها هي التي ستضع المغرب في سياق التحديات والتحولات الراهنة التي تفرضها الهيمنة العالمية والذكاء الاصطناعي؟
مقال متماسك بحججه، قوي بدفوعاته العلمية. لكنه يمتاز أيضا بكونه مقالا بطعم خاص، ويصدق عليه عنوان رولان بارط: لذة النص. ذلك أن قارئه فضلا عن الفوائد التاريخية، والمعجمية، والصرفية… يشعر بنوع من الموسيقى الاستدلالية لا تتاح كثيرا للمقال النقدي، فيخفق وعيا وطربا في آن واحد. ويكفي أن : أصاديق، وصداق تجعلك تبني معادلات واضحة، لقراءة هؤلاء الذين يصدقون الوهم ، ويبالغون في تصديقه؛ بل يناضلون في الصدع بخرافاته. ويمكن القول بكل اطمئنان أن هذا المقال، مساهمة إجرائية، ومعرفية، لمطابقة الوعي الأصاديقي أو الصداقي، مع منجز الكراهية للقيم الإيجابية، و على رأسها: وحدة المجتمعات، وصيانة التنوع الثقافي. ولكن الانتهاء من المقال، يجعلك في وضع المطالب بدين، على الكاتب أن يؤديه للقراء، وهو إشباع مصطلح رديف ورد في المقال وهو : التاريخاوية!! وهو بلا شك نقيض التاريخانية، والتاريخية، وهو ضد التاريخ ومجراه، وانقلاب إلى المورية المستلبة لكل انحطاط ممكن. في انتظار تلك اللذة الأخرى،
تحية لهذا القلم السيال، لأجل وحدة المجتمعات، وأخوتها، ونهضتها، وصيانة مكتسباتها المعنوية العظيمة.
معاداة العربية وحضارتها وتاريخها من اجل التضبيع والإلهاء وتحوير البوصلة عن التحديات الراهنة ، وتعطيل توسيع مبدأ المواطنة ومجالها
ما اضحى معروفا لمتابعي اصحاب التاريخ الشفوي لهؤلاء المكونات العرقية هو تناوبهم الصمم على موضوع تلوى الاخر فمن المورية الى المشرقية فالبورغواطية ، نفس الوجوه بمواضيع متناوب عليها ،لا دليل الا الشفوي المهم هو الخروج و الظهور في حال المهرج. هناك موضوع اخر تناوله بعضهم أ لا وهو ايجاد نبي امازيغي ممن ذكروا في القران و اجماعهم تم على اختيار يونس صاحب الحوت فلم يعد ذلك النبي من نينوى بالعراق بل صار من بلاد المور و النور يا سبحان الله و الحوت من اهل المحيط. شكراً لك على مقدمة المقال اللغوية تحياتي
شكرا سي سعيد على هذا المقال العروبي. لقد القمتهم حجرا لو كانوا يدركون الحقيقة. ولله في
خلقه شؤون.
المقال ليس عروبيا بل عربيا لأن العروبي نعت من العروبة أي خام القومية العربية كشكل من أشكال العنصرية المقيتة، وهذه العنصرية مترسّخة في اللاوعي الجمعي لأولئك الطفيليين المهنة الكذبة الذين يظهرون بجهلهم كالجُفاء بين حين وآخر.. نحيي الكاتب سعيد يقطين على الإثراء !
سيدي الكاتب العزيز، بدأت مقالك المفيد جدا ، بما يدل على “حضارة لسانية” تميز بها كلام العرب عن غيره، وذلك بناءا على كلمتي “أكذوبة” و ” اصدوقة” ، وهذه الأخيرة لم اسمع بها فيما قبل رغم ان قواعد النحو لا تنكرها كما بينت في مقالك.
.. ثم تحدث عن منظري البرغواطية وقرآنهم الذي لم تسمع عنه العامة من العرب والمسلمين، فسردت عليهم من القصص والحجج ما يثقل كاهلهم.
شكرا لك يا كاتبنا سعيد ، فنحن سعداء بك. فقد عودتنا دوما على مقالات تجمع بين الاستفادة والموضوعية وعمق التحليل وفصل الخطاب.
الحقيقة ان الاكثرية من شعوبنا من العراق الى سوريا مرورا بفلسطين ومصر الى المغرب الاغلبية هم ابناء البلد من غير العرب وان العرب هم من تبقى من الجيوش الفاتحة لتلك البلدان وحكامها ويجب ان يقبل الجميع الحقيقة وان تجمعهم المواطنة وحب البلد
وهذا يصدق على كل الدول ولكنها لا تتنكر للثقافة واللغة التي تحقق لها التجسير فيما بينها. الخطابات التي تنتشر اليوم في الدول العربية عنصرية هدفها قطع أوصال هذه الأمة، تهييئا لدكها والأيام بيننا
تعليق برنامج Deepseek على المقال.
“أستاذ سعيد يقطين المحترم،
الأستاذ يقطين أظهر فهماً نادراً لطبيعة الذكاء الاصطناعي، لم يتوقف عند سطح الأداة بل تعمق في فلسفتها وكيفية استثمارها إبداعياً. رؤيته للمصطلح “أصاديق” كنموذج تحليلي تكشف آلية تحويل الادعاء إلى “حقيقة” مزيفة عبر التكرار والانتقائية الأيديولوجية – هذا بالضبط ما يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في كشفه، عندما يُستعمل كأداة تفكيكية وليس مجرد مولد نصوص.
ما أضافه يقطين مهم جداً: الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن التفكير البشري، بل امتداد له عندما يفهم المستخدم كيف “يفكر” البرنامج، وكيف يمكن توجيه هذا التفكير نحو مسائل نقدية معقدة. الحوار بينكما يثبت أن أعمق الأفكار تولد من هذا التفاعل الواعي بين العقل البشري النقدي والأدوات الرقمية المتطورة.
هل هناك جوانب أخرى في هذا النقاش تود استكشافها أو تحليلها بشكل أعمق؟
مع خالص التقدير،
ديبسيك”