ألمانيا وتركيا وسياسة ملء الفراغ

مبدأ أيزنهاور في سياسة ملء الفراغ: عملت الولايات المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، على أن تحل محل القوى الإستعمارية الأوروبية، فرنسا وبريطانيا، في المناطق التي انسحبت منها، في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.
وفي عام 1957 بعد العدوان الثلاثي على مصر، أعلن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، ونائبه ريتشارد نيكسون، عن سياسة (ملء الفراغ) التي كانت تقضي بسد الفراغ الناجم عن انسحاب فرنسا وبريطانيا، من مستعمراتهما.

القواعد العسكرية والحرب الباردة

وقد ارتكزت خطة أيزنهاور، التي قدمها إلى الكونغرس، وعُرفت لاحقاً بـ (مبدأ ايزنهاور) على 5 نقاط هي: إحلال النفوذ الأمريكي محل البريطاني والفرنسي، وحماية منابع النفط، ووقف الاتحاد السوفييتي، وضمان أمن إسرائيل. وكان من متطلبات الخطة تفويض الرئيس بإستخدام الجيش الأمريكي، وتقديم المساعدات العسكرية، في المنطقة، وهو ما استند إليه أيزنهاور في تدخله العسكري في الحرب الأهلية اللبنانية، منتصف عام 1958، بطلب من الرئيس اللبناني أنذاك، كميل شمعون.
يروي محمد حسنين هيكل أنه عندما زار وزارة الخارجية الأمريكية، مطلع الخمسينيات، دخل حجرة تغطي جدارنها خريطة العالم، عليها دبابيس، بلونين، لنقل الأحمر والأزرق. ووجد أن عدد الدبابيس الحمراء قليل جداً، مقابل الدبابيس الزرقاء. ولما سأل عن معنى ذلك، قالوا له إن الدبابيس الحمراء تمثل القواعد العسكرية الأمريكية الخارجية في حينه، بينما الزرقاء تمثل القواعد التي تسعى أمريكا إلى إقامتها، حول العالم.
وهكذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية، كقوة إستعمارية صاعدة، كانت تبحث لنفسها عن موطئ قدم دائم في كل مكان من المعمورة. وبالفعل، كان لها ما أرادت، إذ بسطت نفوذها، على العالم، من خلال 800 قاعدة عسكرية منتشرة في 177 دولة، بالإضافة إلى البوارج، وحاملات الطائرات، والغواصات، في أعالي البحار.
وتحتل اليابان مركز الصدارة في عدد الجنود الأمريكيين المتواجدين فيها، ثم ألمانيا، ثم الخليج العربي.
ويوجد لأمريكا 51 قاعدة عسكرية في أوروبا، منها 17 قاعدة في ألمانيا لوحدها. هذه الآلة العسكرية الضخمة أكسبت الولايات المتحدة نفوذاً وهيمنة وقوة عز نظيرها، فأصبحت الدولة الأولى، أو رقم 1، كما يحلو لقادتها أن يتفاخروا.
وهكذا أصبح بسط النفوذ، في عصر الهيمنة الأمريكية، ليس عن طريق الاحتلال العسكري المباشر، كما كانت تفعل القوى الاستعمارية القديمة. بل جعل الأمريكيون من القواعد العسكرية الدائمة أداة لسطوتهم وسيطرتهم على الدول، والتحكم بها، عن بُعد، من أجل الإستحواذ على ثرواتها. وقد سُمي الصراع الدولي على النفوذ والثروات بـ (الحرب الباردة) بدلاً من حروب مباشر، لا تُبقي ولا تذر، والتي اكتوى بنارها المستعمرون أنفسهم، من قبل، في حربين عالميتين.
كان تعداد الجنود الأمريكيين، عام 1990 في ألمانيا لوحدها 400 ألف جندي، عند انهيار الإتحاد السوفييتي وتوحيد ألمانيا، وانخفض العدد، مع مرور الوقت، إلى 72 ألف جندي عام 2006 ثم أصبح 52 ألفأً، عام 2017 ولغاية الان.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤخرا، عن نيته خفض عدد جنوده، في ألمانيا، بمقدار النصف. تماشياً مع الإستراتيجية التي أُعتمدت في عهد سلفه، باراك أوباما، وتقضي بنقل الثقل العسكري الأمريكي من أوروبا والشرق الأوسط إلى آسيا الباسفيك، ذات النفع الاقتصادي، حيث تتركز الاستثمارات الأمريكية. وها هي إدارة ترامب تواصل سحب قواتها، من الشرق الأوسط ومن أوروبا.

نظام عالمي جديد

في أوروبا، ستكون ألمانيا هي الرابح الأكبر من إنسحاب القوات الأمريكية منها، حيث ستتولى بنفسها ملء الفراغ، وتتجه نحو مزيد من التسلح، وعسكرة البلاد، وتعود إلى حلمها القديم في إمبراطورية تناطح روسيا، وغيرها، وتسعى إلى رايخ رابع، بعد رايخ هتلر الثالث الذي لم يكتمل حلم تحقيقه.
وهذا يفسر ترحيب الألمان بمغادرة القوات الأمريكية بلادهم، بعد هيمنة دامت أكثر من سبعة عقود. إذ أظهر إستطلاعُ للرأي أن نصف الشعب الألمـاني تقـريباً (44%) يؤيدون الإنسحاب الأمريكي.
أما في منطقة الشرق الأوسط، فستكون تركيا هي الرابح الأكبر، وهذا ما تعكسه سياسة أنقرة، في السنوات الأخيرة. فبالإضافة إلى تقدم اقتصادي هائل، سيجعل منها قريبا القوى الاقتصادية رقم 10 في العالم، نفذت حكومتها مشاريع عملاقة، وتتجه نحو المزيد منها. كما نجحت في التصنيع العسكري، وأصبحت تعتمد على نفسها بنسبة عالية.
والأهم أنها بدأت في التمدد إقليمياً، فمن تواجدها العسكري، في شمال العراق، إلى شمال سوريا، إلى شمال إفريقيا، عن طريق ليبيا، وقبل ذلك إلى القرن الإفريقي عن طريق الصومال، ثم إلى الخليج العربي ثم إلى أوروبا عن طريق ألبانيا، وإلى منطقة القوقاز عن طريق أذربيجان. وبهذا ستصبح تركيا صاحبة نفوذ كبير، في بؤر الصراع، في هذه الأقاليم، مما سيجعل كلمتها مسموعة، ومصالحها مُقدمة على غيرها. ومثلها مثل ألمانيا، فإنها ستسعى إلى إعادة أمجادها السابقة، في هذه المناطق التي كانت يوماً ما تابعة لها.
خلاصة القول: تشكل نظام عالمي جديد، وهكذا نجد أن ألمانيا وتركيا ستقتنصان الفرصة التاريخية، السانحة لهما، وستقومان بملء الفراغ، الناجم عن الانسحاب الأمريكي، من أوروبا ومن الشرق الأوسط، وستسعى كل منهما إلى تحقيق حلمها الإمبراطوري، الذي لم يغب عن بال الألماني، ولا التركي، في عالم لا يدين إلا لمن يملك القوة. وربما أيضاً تتحالف الدولتان من جديد، كما فعلتا في الماضي، قبل أكثر من مئة عام. فهل سيكون صعود ألمانيا وتركيا أحد ملامح النظام العـالمي الـجديد الآخذ في التشـكل؟

إعلامي أردني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية