أين تقع غزة؟

حجم الخط
8

هل يستطيع العالم أن يعيش بلا قيم؟ كيف نعيش إذا لم نكن نمتلك ثوابت أخلاقية ندافع بها عن أنفسنا وعن حياتنا وعن مبررات وجودنا؟ نحن اليوم أمام مشهد لا سابق له، القيم كلها تتحطم أمام عيوننا ونحن عاجزون عن لملمتها. تعالوا نلملم القيم عن أرض التاريخ، وعن أرض غزة كي نستطيع أن نعيش.

كيف نلملم القيم؟

ننحني على أرض غزة، على الدمار المرئي فوق أرضها، وعلى أعماقها التي تصطخب فيها الحياة. لم تعد أعماق الأرض قبوراً فقط، بل صارت مكاناً للولادات أيضاً. ننحني على الولادات ونحيا معها مثلما متنا معها.
ونسأل، أين تقع غزة؟ فوق الأرض أم تحت الأرض؟ هنا أم هناك؟
فوق الأرض شاهدنا الخراب، ومتنا مع ألوف الضحايا تحت الأنقاض، لكننا كنا أيضاً شهوداً على الصمود الذي حوّل الأنقاض إلى بيوت يعيش فيها الناس لأنهم قرروا ألّا يخرجوا من المكان، وأن يتماهوا مع أرضهم.
لكن أعجوبة غزة اتخذت شكلها المدهش في صفقة تبادل الأسرى، فقد خرج الأسرى من تحت الأرض، وبذا أعلنت المقاومة أن الذي يملك تحت الأرض، يملك الأرض كلها.
غزة تحت الأرض تكتب اليوم جغرافيا العرب الحديثة. ففي الأعماق تموج صور الحياة بأشكالها الجديدة الطالعة من إرادة المقاومة ومن الإصرار على صناعة الحرية الحديثة. غزة تحت الأرض تموج فيها صورة الحياة الحقيقية، لا غزة المحطمة والمدمرة والميتة. غزة تحت الأرض تحمل مشعل عودة عقارب التاريخ إلى الوراء ليعود الحقّ إلى أهله، وتعود فلسطين إلى اسمها الذي هو فلسطين وستظل فلسطين.
وكيف نصل إلى غزة وهي محاصرة بأشكال الموت كلها؟ ولماذا غزة؟ هل لأنها تشكل اليوم الضمير المقتول، أم لأنها تدعونا إلى المقاومة بأدوات نملكها ولا نملكها، لكن علينا أن نقاوم بها أو من دونها؟
تشكل غزة اليوم مقياساً لمآل القيم الأخلاقية في العالم، فهنا على الشاطئ الجنوبي للمتوسط تنهار جميع القيم، ويتحول الإنسان إلى ظل لإنسانيته.
هنا في غزة تتم جريمة إلغاء التمييز، أو محاولة إلغاء التمييز بين العدالة والظلم، بين الموت والحياة، بين الضمير وغيابه.
كيف يمكن أن يبتلع العالم هذه الكمية من الأكاذيب التي اخترعها النازيون وقادت إلى الجريمة، وهو يرى الأكاذيب نفسها تتكرر، والجريمة تفترس الأرض؟ إنهم يكذبون بلا توقف، بهدف ماذا؟ يكذبون وهم يعرفون أنهم قتلة، ويدّعون أنهم ملائكة. يكذبون وهم يعرفون أنهم يدمرون الأخلاق ويتغطون بالقيم الإنسانية.
إسرائيل هي آلة حرب وإبادة.
آلة حرب لأنها جيش يمتلك دولة، جيش مهمته تصحير الأرض الفلسطينية عبر إفراغها من الناس، وإعدادها للاستيطان الاستعماري.
تأسست إسرائيل كجيوش مسلحة في مرحلة الييشوف، وبعد تأسيسها تسلّم السلطة فيها زعيم القوة العسكرية الأكبر، وفرض توحيد الميليشيات بالقوة. وكان تاريخ إسرائيل هو تاريخ حروبها ضد الفلسطينيين والعرب، من حرب السويس إلى حروب غزة.
وهي آلة إبادة، لأن حروب إسرائيل على الفلسطينيين لا تهدف إلى إخضاعهم لاستعمارهم فحسب، بل إلى إبادتهم أيضاً. والإبادة تتخذ مراحل متعددة، من الحصار إلى الاستعمار الاستيطاني وصولاً إلى الإبادة، أي إلى النموذج الوحشي الذي يرسمونه اليوم بدماء أهل غزة وآلامهم.
إبادة الفلسطينيين و/أو طردهم من بلدهم هي شرط وجود بالنسبة إلى الحركة الصهيونية في مرحلة هيمنة التيارات القومية والدينية. فالفلسطينيون يواجهون شرط الوجود الصهيوني بوجودهم المهدد وبدمائهم.
الرؤية الإسرائيلية إلى مستقبل فلسطين نراها في المجزرة المستمرة في غزة، وهي مجزرة لن تتوقف إلّا حين يوقفها الفدائيون بأيديهم. لا أدري لماذا يصدق الغرب الكذبة الإسرائيلية التي تفوقت على غوبلز النازي الذي قال: «اِكذب حتى يصدقوك»، أمّا الصهيوني فيقول: «اُقتل حتى يصدقوا أنك الضحية!». هذه الكذبة الكبيرة التي خلقتها حرب غزة ستترك بصماتها على تاريخ الثقافة والفكر والحياة في هذا العالم الذي نعيش فيه. غزة اليوم هي سُرّة العالم مثلما هي القدس سُرّة العالم. غزة اليوم هي المكان الذي نكتشف فيه أن أعماق الأرض تضجّ بالحياة مثلما يضجّ سطحها بالحياة، وأن قتل الأعماق مستحيل، وقتل الحياة مستحيل.
لغزة اليوم، يقف أطفال غزة الذين يختنقون، يقف أهل غزة الذين لا يجدون مأوى أو ملجأ، يقفون ونحن معهم، وحدهم، وحدنا، متمسكين بالقيم الإنسانية.
الحرب لم تنتهِ، لأن إسرائيل الليكودية عاجزة عن قراءة الواقع مثلما تمخضت عنه أيام الحرب الطويلة.
يحاولون وسيحاولون كثيراً تجنّب تجرّع كأس هزيمة غزوهم الذي صار عاراً على جبين الإنسانية كلها. لذا سيحاولون من جديد، لكنهم في النهاية سيصطدمون بجدار الفشل. أمّا حكام العالم العربي الذين أعلنوا إفلاسهم وعجزهم، فخرجوا من التاريخ وتحولوا إلى أصفار، وسيدفعون الثمن.
وفي النهاية سننحني على أشلاء غزة نلملم دماءها ودمارها، ونسجل قصة بطولاتها في كتاب المقاومة المستمرة.

الكلمة الافتتاحية للعدد 137 من مجلة الدراسات الفلسطينية، شتاء 2024، المخصص لغزة وصمودها وهو بعنوان «سلام لغزة».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    تقع غزة العزة في قلوب الشرفاء فقط !
    غزة هاشم , وعرين المقاومة !!
    و لا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول زياد:

    نعم انها لمأساة عظيمة لا تزال ماثلة أمامنا ولا نرى سوي الدمار وحملة الإبادة الجماعية التي تقوم بها عصابات العدوان والنازيون الذين أحتلوا فلسطين واخرجونا من ديارنا الي المنافي منذ حوالي٧٥ عام بفعل المجازر التي مازلوا يرتكبوها منذ ذلك الزمان الي يومنا هذا لا هناك فوق واحد بين الأمس واليوم اننا اصبحنا نرى المجازر أمامنا مباشره والفرق بين الأمس واليوم ان هناك جيوش جرارة تمتلك من القدرات مما يساهم في ايقاف العدوان لكن نشكوا اليه عدم قدرتنا على فعل سوى الكلام فنحن مجرد مناصرين للأبطال التي بدمائهم سوف يكتبون الامل لنا نحن المحرومين من سمائها ومياهها وجبالها وبحرها فنحن ندافع عن أمة ما عادت تفكر إلا بالترفيه فجهادنا هي علامة على نصرنا نحن الحالمين بالعودة اليها والتي أعطتنا الامل بهذا

  3. يقول حازم الهنيدي / السويد:

    غوبلز النازي قال: «اِكذب حتى يصدقوك»، أمّا الصهيوني فيقول: «اُقتل حتى يصدقوا أنك الضحية!» وهناك الذين استسلموا ، وانبطحوا، وطبعوا ، وتعاونوا ، وتآمروا !!!
    وهناك شعب يحارب عن عقيدة وإيمان ، لتحرير أرضه المغتصبة ، بعزيمتكم ، واتحادكم ، ودمائكم الطاهرة سوف تحررون غزتنا من ايادي المحتل الغاصب باذن الله ، قال تعالي في كتابه العزيز: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا … صدق الله العظيم.

  4. يقول ليلى الصباغ - الناصرة:

    [ولماذا غزة؟ هل لأنها تشكل اليوم الضمير المقتول، أم لأنها تدعونا إلى المقاومة بأدوات نملكها ولا نملكها، لكن علينا أن نقاوم بها أو من دونها؟] انتهاء المقتبس
    يقول الشاعر الفراتي غياث المرزوق في هذه القرينة:
    /…
    قالت له:
    وَهَا هُوَ العَامُ يَلفِظُ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَةَ
    مِنْ هُنَا،
    فَلَمْ يَبْقَ هٰهُنَا،
    لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَسْحَةٌ جَاحِدٌ
    مِنْ بَقَاءْ
    /…
    وَلَسْتُ أَدْرِي عَمَّ أَكْتُبُ
    سَاعَةَ الوَدَاعِ
    – أَوْ
    سَاعَةَ اللِّقَـاءْ
    /…
    قال لها:
    لَا تَحْزَنِي، يَا حَزِيْنَةُ،
    لَا تَحْزَنِي –
    وَاكْتُبِي عَلَى ذَاكَ الغِرَارِ المُثَارِ،
    وَقُولِي، كَمَا قُلْتُ مِنْ قَبْلُ،
    إِنَّ اللهَ مَعَنَا
    كُلَّنَا
    /…
    كُلُّنَا
    فِي ٱلْمُنَىٰ
    غَزَّةٌ،
    /…
    غَزَّةٌ
    فِي ٱلْدُّنَىٰ
    كُلُّنَا
    ***
    /…
    هَلْ ذَاكَ، ذَاكَ، نَعِيبٌ مِنْ
    «غُرَابٍ»
    – أَمْ
    تَغْرِيدٌ مُرِيبٌ مِنْ
    «كَرَوَانْ»
    /…
    مِنْ رَحِمِ الأُوكْرَانِ،
    أَتَتْ
    غولدا مَايَرْ
    فِي
    اللَّاأَوَانْ
    /…
    [يتبع]

    1. يقول ليلى الصباغ - الناصرة:

      /…
      مِنْ رَحِمِ الأُوكْرَانِ،
      أَتَتْ
      غولدا مَايَرْ
      فِي
      اللَّاأَوَانْ
      /…
      مِنْ صَوْغِ الكَلَامِ مُحَرَّفًا،
      أَتَتْ
      فَأَتَتْ
      وَافْتَأَتَتْ
      بِرَأْيِ الرُّؤَى مِنْ نَرْجِسٍ
      مُتَوَجِّسٍ –
      «كَيْفَ لِي أَنْ أَغْفِرَ لِلنَّسْلِ مِنْ إِسْمَاعِيلَ،
      إِذْ أَكْرَهُونِي عَلَى مَحْقِ،
      لَا بَلْ مَحْوِ،
      الرَّضَائِعِ وَالخِدَاجِ
      مِنْهُمْ»
      /…
      آنًا
      بَعْدَ آنْ
      ***
      /…
      وَلٰكِنْ،
      وَلٰكِنْ،
      تَأْتَأَتْ
      دَرْدَبٌ دَرْدَبِيسٌ
      – أَوْ
      فِطِّيسٌ فَطِيسٌ
      /…
      تَأْتَأَتْ
      وَافْتَأَتَتْ
      كَذَاكَ
      بِرَأْيِ الرُّؤَى مِنْ نَرْجِسٍ
      وَاهِنٍ
      – أَوْ
      رَاهِنٍ
      /…
      وَثَمَّةَ –
      ثَمَّةَ زَقْحٌ
      وَجَعْجَاعٌ
      وَثَمَّ قُبَاعٌ
      /…
      [يتبع]

    2. يقول ليلى الصباغ - الناصرة:

      /…
      وَثَمَّةَ –
      ثَمَّةَ زَقْحٌ
      وَجَعْجَاعٌ
      وَثَمَّ قُبَاعٌ
      /…
      مِنْ مَــاهِنٍ مُومِسِيٍّ عَتُوفٍ
      يَهُزُّ،
      يَهُزُّ،
      بِإِلْيَتَيْنِ رَسْحَاوَيْنِ
      عَلَى إِيقَاعِ حَشْدٍ مِنْ دُفُوفٍ
      يَهُزُّ،
      يَهُزُّ،
      وَيَلْعَقُ بِالنِّعَالِ وَالأَسْتَاهِ
      قَبْلَ الجِبَاهِ –
      قَبْلَ
      تِيكَ
      السَّوَائِمْ
      ***
      /…
      أَيُّهٰذَا
      الجُرَذُ الدُّرْغُمِيُّ
      النَّاطِقُ بِالخُرْءِ،
      خُــــرْءِ الطُّغَاةِ،
      خُــــرْءِ العُتَـاةِ،
      خُــرْءِ المَوَائِنِ،
      خُرْءِ الصَّهَائِنِ،
      /…
      آنَ الأَوَانُ
      لِإِيصَـادِ الهَزَائِم
      آنَ الأَوَانُ
      لِإِحْصَادِ التَّمَائِم
      آنَ الأَوَانُ
      – وَ
      آنَ الأَوَانُ
      لِأَنْ نَسْتَمِرَّ
      وَأَنْ نَسْتَمِرَّ
      وَأَنْ نُقَاوِمْ
      ***
      / عن القسم الرابع من قصيد، «ٱلْرَّسِيْلُ ٱلْإِثَاْرِيُّ مَهْرًّا: إِلَى مَنْ تَثَبَّطَ نَهْرًّا» (4)،
      شعر غياث المرزوق

  5. يقول مواطنة لبنانية - فرنسية:

    رغم اكتر من 75 سنة احتلال لدولة فلسطين من قِبل بني صهيون المرتزقة، ورغم ملايين المقالات اللي انكتبت من وقتها لليوم وآلاف الكتب التي صدرت منذ ذلك التاريخ المشؤوم وحتى هذه الساعة ، أحداث غزة الدموية وحدها كشفت كل خبايا هذا الكيان الصهيوني الذي زرع البغض والقتل والدمار والتشرد واليوم حرب إبادة اهل غزة ، انفضحوا ع الآخر ، إجرامهم العنيف لا يوصف تجاه سكان غزة الأحباء الأبرياء… غزّة أصبحت تراجيديا العالم كله من شماله إلى جنوبه… ظهرت هذه الدولة الهشّة بأنها ليست بالفعل هي دولة بل زمرة عصابات مسلحة تنتمي إلى من تنتمي إليهم وهم الشرّ المُطلق ولكن فقط لأن بحوذتهم الأسلحة القاتلة المتطورة لأكثر جيوش العالم جُبناً وغباءً…
    رغم كل الإجتماعات والتساؤلات والسفريات، ووو
    لا شيء ينفع اليوم غير وقف إطلاق النار فوراً وإلى الأبد.
    ولكن؟!… 😢
    اخبار النتن ياهو بتقول انه الحرب رح تكمّل كل سنة 2024
    شكراً لكبيرنا الياس خوري على مقاله الذي تدمع له العيون.
    عاشت غزّة… 🇯🇴🇯🇴🇯🇴

  6. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي الياس خوري. لا أعرف إذا كان الغرب يصدق الكذبة الإسرائيلية! يصدقون أم يعرفون أنها كذبة ولكن مع ذلك يدّعون تصديقها! فمثلاً عندما يقول المستشار الألماني شولتس “Israel ist ein demokratischer Staat mit sehr humanitären Prinzipien, die ihn leiten” أي أن إسرائيل دولة ديمقراطية مع المبادئ الإنسانية التي تقودها! هل هو مصدق أم منافق. في اعتقادي أن أوربا تخضع اليوم بشدة (أو ربما مازالت جزء من المنظومة الإستعمارية الغربية ووريثتها الإمبريالية دون قيد أو شرط) لسياسات أمريكا وهذه الأخيرة على لسان رئيسها بايدن صهيونية وإسرائيل يجب إيجادها لو لم تكن موجودة. إسرائيل الفاشية وصهاينتها هم رأس حربة إستعمارية غربية تتكسر على جدران المقاومة في غزة وإن شاء الله.

اشترك في قائمتنا البريدية