عنقاء التطرّف الاسباني تنبعث من رمادها
يرى غير قليل من المُحللين الإسبان وغير الإسبان أنّ الحزب الاسباني اليميني المتطرّف «بوكس» الذي يعني باللغة اللاّتينية «الصّوت» شكّل مفاجأة غير سارّة للعديد من الإسبان، وللمهاجرين المقيمين في إسبانيا، وللعاشقين للديمقراطية، والعدالة في إسبانيا، وأوروبا، وفي العالم أجمع بعد الفوز النسبي الذي حققه في الانتخابات الأندلسية الجهوية الأخيرة حيث أمكنه الحصول على 12 مقعداً في البرلمان الأندلسي.
وما زال يُعتبر مفتاح السرّ والانفراج للوصول إلى دفّة الحُكم في إقليم الأندلس الذي هيمن عليه الحزب الإشتراكي العمالي الاسباني منذ ما يقرب من أربعين سنة، وما زال الصّراع على الظفر بقصب السبق، والوصول إلى سدّة الحُكم بإقليم الأندلس قائماً بعد هذه الانتخابات التي يتبارى، ويتسابق، ويتنافس فيها كلّ من «الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني» الذي حصل في هذه الانتخابات على 33 مقعداً، و«الحزب الشعبي الاسباني» المعارض حصل على 26 مقعداً، في حين حصل «حزب المواطنين» على 21 مقعداً، وأمّا حزب «الأندلس إلى الأمام» (AA) الذي يتألف من تحالف مجموعة من أحزاب يسارية أندلسية بما فيه حزب (Podemos) « نستطيع» فقد حصل على 17 مقعداً، وشكّل الحزب الاسباني اليميني المتطرف « بوكس» أكبر مفاجأة غير سارّة للعديد من الإسبان بحصوله على الإثني عشر مقعداً الآنفة الذكر في هذه الانتخابات الجهوية التي لابدّ أن يكون لها تأثير بليغ على الإنتخابات التشريعية الاسبانية العام المقبل التي من المقرّر تنظيمها في شهر حزيران/يونيو من عام 2020.
في حال عدم تسبيقها لسبب أو لآخر حيث تطالب بعض أحزاب المعارضة في طليعتها (الحزب الشعبي الاسباني، وحزب المواطنين) بذلك رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيس السكرتير العام للحزب الإشتراكي العمّالي الاسباني منذ 21 أيار/مايو 2017، الذي استلم مقاليد الحكم كرئيس للحكومة الاسبانية بعد أن حجب البرلمان الاسباني الثقة عن ماريانو راخوي رئيس الحكومة الاسبانية، ورئيس الحزب الشعبي الاسباني السابق بتاريخ 31 من شهر أيار/مايو وفاتح حزيران/يونيو 2018، تطالبه بالإسراع في تنظيم هذه الانتخابات في أقرب الآجال، نظراً للتعثّرات التي تعرفها حكومته بحيث لم يتمكّن من إقرار وتمرير ميزانية الدولة حتى اليوم.
أسقف قرطبة يرحّب بعودة التطرّف
والذي يعنينا في هذا المقام هو تسليط الأضواء على بعض بنود البرنامج الإنتخابي الذي تبنّاه واعتمده هذا الحزب الذي لا يتورّع من أن يصفه بعض المراقبين والمحللين والعديد من المواطنين الإسبان بـ«الحزب الفاشي، اليميني، العنصري، الغارق في الطوباوية والتطرّف». كما نُعت برنامجه بـ: « المناهض للدستور، والشعبوي، والسّطحي، والمثير للسخرية «والذي يقوم على ايديولوجية تنأى عن الواقع ويستحيل تطبيقها، وتنفيذها، وانجازها في المجتمع الاسباني في الوقت الراهن المتشبّع بالمبادئ الديمقراطية منذ الطفرة التي قام بها خلال المرحلة الانتقالية من نير الديكتاتورية إلى نور الديمقراطية التي عاشها الاسبان بعد رحيل الجنرال «فرانسيسكو فرانكو» عام 1975 الذي حكم إسبانيا بيد من حديد لمدّة تزيد على أربعين سنة. وبعد اقرار دستور ديمقراطي جديد للبلاد عام 1978.
ومن أغرب المفاجآت التي سجلتها ونشرتها الصحافة الاسبانية وكانت عرضة للسّخرية والتهكّم والإزدراء هي أن أسقف مدينة قرطبة « ديميتريُو فرنانديس غونسَاليس» عبّر عن سروره وغبطته بالنجاح الذي حققه هذا الحزب اليميني المتطرف في الانتخابات التي جرت بإقليم الأندلس، وتجدر الإشارة في هذا الصّدد أن هذا الأسقف كان من الداعين إلى تغيير اسم « مسجد قرطبة الأعظم» إلى «كاتدرائية قرطبة»، ممّا جلب عليه العديد من الإحتجاجات من طرف السكّان القرطبيّين ومن المثقفين، والمؤرخين وسواهم من فئات الشعب الاسباني.
سبتة ومليلية المُحتلّتان وجبل طارق!
وفيما يلي بعض بنود المطالب الأساسية التي اعتمد عليها هذا الحزب في الانتخابات الأندلسية الأخيرة، والتي يضعها في مقدمة سياسته المستقبلية في الأندلس، وفي سائر المناطق، والأقاليم الاسبانية الأخرى منها:
-يطالب الحزب بإلغاء نظام سياسة الحُكم لدى الجهات المُستقلة التي تتمتّع بها المناطق الاسبانية في الوقت الراهن، والتعجيل في هذا القبيل بالجهة المستقة لأقاليم كاتالونيا، والباسك، ونافارّا.
– كما يطالب هذا الحزب في هذا الخصوص بإلغاء سياسة الحُكم الجهوي المستقلّ مستقبلاً في جميع المناطق الاسبانية.
– ضرورة الحفاظ كمطلب أعلى وبشكلٍ أوّلي على الرّموز الوطنية مثل التاج الاسباني ( الملكية)، والنشيد الوطني الرّسمي الاسباني، والعَلم الاسباني.
– فضلا عن الحفاظ على اللغة الاسبانية.
– الإسراع بالقيام بالمساعي الحثيثة للمطالبة باسترجاع «جبل طارق» الواقع تحت الهيمنة البريطانية منذ 21 أغسطس/آب 1704.
– وإلغاء الذاكرة التاريخية.
– تشجيع الإسهامات الاسبانية في الحضارة العالمية، وتمجيد أبطال إسبانيا الوطنيين على امتداد التاريخ.
– ترحيل جميع المهاجرين غير الشرعييّن، وكذلك هؤلاء الذين تمّت تسوية وضعيتهم القانونية إلاّ أنّهم لا يتأقلمون مع ثقافتنا وعوائدنا.
– قبول المهاجرين فقط إذا دعت الضرورة والحاجة لذلك، اقتصادياً، واجتماعياً، وعـملياً.
– مطالبة المغرب بالإعتراف الكامل بسبتة ومليليّة كمدينتيْن اسبانيتيْن.
– الإسراع بتعليق وضعية أو نظام شينـغن.
– العمل على تخفيض جذري لضريبة الدخل والشركات إلى نسبة 20 ٪، وضريبة القيمة المضافة إلى نسبة 4 ٪.
– إحداث نظام واسع من المزايا الضريبية لصالح العائلات الاسبانية.
– إلغاء الضرائب الوراثية، والضرائب العقارية.و- المطالبة بتحرير الأراضي.
-ضرورة إلغاء العلاج والخدمات الصحيّة المجّانية للمهاجرين غير الشرعييّن.
– المطالبة بالدفع المشترك لمستحقّات العلاج والتداوي للمهاجرين الشرعييّن الذين يتمتعون بأقدمية تعود لأقل من عشر سنوات في إسبانيا.
-حرية اختيار تمدرس الأبناء من طرف آبائهم.
– تعزيز حماية مصارعة الثيران والصّيد.
– إلغاء قانون العنف ضد المرأة.
– تحمّل وتكفّل الدولة الاسبانية بالكامل بالمستحقّات المادية المَرَضية للمواطنين الإسبان.
-حظر الإجهاض.
– استعادة السيادة القضائية للدولة المتنازَل عنها اليوم لأوربّا.
وسواها من المطالب الأخرى الغريبة التي تروم العودة بإسبانيا إلى أواسط القرن العشرين، ويتضح من خلال هذا العرض مدى انسجام وتواؤم هذه الإجراءات التي يطالب بها حزب ( بوكس) المتطرّف بمعاني القهر، والديكتاتورية المطلقة، والعنصرية، وتمركز الإدارة للدولة في الحكومة المركزية في مدريد، وإلغاء الجهويات، وإذكاء روح الانتقام من المرأة بدلاً من تأصيل العدالة، وحرمان المحتاجين والمعوزين من أبسط مظاهر الرفاهية، والحقوق والخدمات الضرورية لهم، ونشر الديماغوجية الخالصة، وإشاعة أنصاف الأكاذيب. وتُشمّ في هذه النصوص رائحة الإنتقام بدل إقرار العدالة الإجتماعية، فضلاً عن تشجيع الحزب للذكورية الرجولية ضدّ الحركات والمكاسب النسائية، فضلاً عن مظاهر الشعبوية والهذيان.
ويرى الملاحظون أنّ هذه المطالب والإجراءات تقدم لنا فكرة عن التخبّط العشوائي لهذا الحزب في المياه الآسنة للسياسة الاسبانية، وتضع أمامنا الصورة القاتمة للأديولوجية الخرقاء التي ينوي الحزب اتّباعها في ساحة العراك السياسي في إسبانيا، كما يتّضح لنا بشكل جليّ استحالة تطبيقها ونقلها إلى الواقع الاسباني، وهي تظلّ بعيدة عن مبادئ حقوق الإنسان التي تقرّها منظمة الأمم المتّحدة ومعظم بلدان العالم المُحضر، ومناصرة الحقوق والحريات، وتوفير العيش الكريم للمواطنين.
ويتساءل المتتبّعون لهذه الحركة الحزبية اليمينية المتطرفة مستهزئين فيما يتعلق بالجانب المالي والإقتصادي أنْ كيف، ومن أين سيأتون بالمال الضروري والمداخيل لتمويل ما ينوون تطبيقه في حالة تخفيض الضرائب للمستويات الدنيا التي يطالبون بها، ويتساءل الكاتب الاسباني «رفائيل غارسّيا ألمَاثَاَن» ساخراً: هل يا ترى يظنون أنّ المال سيصلهم أو سيهبط عليهم من السّماء بدعوات أسقف قرطبة..؟!.. ويختم نفس الكاتب متهكّماً كذلك قائلاً: « كل ما قرأناه، ورأيناه فيما سبق هو غيض من فيض من مطالب هذا الحزب الغارقة في الوحل، أو الضائعة في متاهات الخيال، وترّهات الإدّعاءات، والأكاذيب، والأباطيل» !، وتجدر الاشارة أنّ معظم المُسيّرين والمنضوين في حظيرة هذا الحزب كانوا منخرطين سابقاً في صفوف « الحزب الشعبي الاسباني» اليميني كذلك، إلاّ أنّ مغالاتهم وانحيازهم ناحية اليمين في التطرّف المنغلق، وحنينهم الوطني المفرط والأعمى للعهد الفرنكوي البائد جعلهم يؤسّسون هذا الحزب عام 2913 بعد أن انشقوا عن الحزب الشعبي الآنف الذكر.
وهكذا يُضاف هذا الحزب الجديد إلى الأحزاب اليمينية المتطرّفة التي طفقت في الظهور في السنوات القليلة الأخيرة في بعض البلدان الأوروبية (النمسا، االمجر، وبولونيا، وايطاليا) ناهيك عن بعض بلدان أمريكا الجنوبية على وجه الخصوص، وسواها، أضف إلى ذلك أنّ الفيروس نفسه الذي أصاب كلاًّ من فرنسا، والدانمارك، وهولندا، وألمانيا ها هو ذا قد وصل أخيراً إلى جنوب إسبانيا، وبدأ أخطبوطه في التمدّد والانتشار في هذا الإقليم الاندلسي الزاهر الذي كان لأجدادنا الميامين حضور تاريخي وحضاري، واشعاع ثقافي، وعلمي، وأدبي، وشعري، وهندسي، ومعماري، ورياضي، وفلكي، وفي العديد من فنون القول، واالبناء، والإبداع قلّ نظيره في مختلف أنحاء المعمورة على امتداد العُصور والدهور، الشّيء الذي قد يجعل من مستقبل الديمقراطية فيه وفي إسبانيا على وجه العموم مُهدّدة بالانكسار والانشطار.
كاتب وباحث أكاديمي من المغرب