السودان: الحل الشامل أو البداية من جديد

يتعرض وزير الطاقة والنفط السوداني منذ استلامه منصبه لكثير من الانتقادات اللاذعة. السبب في ذلك هو أنه المسؤول الأول عن قطاع الكهرباء في عاصمة وصلت فيها معدلات انقطاع التيار لحوالي اثنتي عشرة ساعة يومياً.
على خلاف مع كثيرين لم أكن أرى أن أزمة الكهرباء التي تفاقمت بشكل لم يشهده السودان في تاريخه الحديث يمكن أن تتلخص في شخص الوزير، فالأزمة بدأت قبله ولا نظن أن استبداله سوف ينهي المشكلة التي لا تعود، في ظني، لجهد الوزير أو قدراته.
لا يحتاج المرء لكثير من الخبرة ليدرك حجم التعقيدات المرتبطة باستقرار التيار الكهربائي، فمن الجانب الحقوقي والعدلي المرتبط بإعفاء كثير من الخبراء التقنيين بفعل ثورة التطهير الهستيرية، إلى الجانب المالي وبروز الحاجة إلى ملايين الدولارات، من أجل تنفيذ أعمال الصيانة والتجديد والتوسع الشبكي، نهاية بالمشكلة الإدارية التي تظهر في الفشل في إدارة هذا الملف، وهو ما يفسر خروج الوزير بين فينة وأخرى بمنظر العاجز عن تقديم أي حل، بل المبشر باتساع الأزمة.
ليس أشبه بهذه الحالة إلا حالة الوضع الصحي في البلاد، فالنظام الصحي القديم الذي يحلو للمتحمسين للحكومة الانتقالية وصفه بالمنهار، أصبح مرحلة متقدمة مقارنة بالوضع الحالي. ليس فقط عبر المقارنة بين أسعار تقديم الخدمة، وإنما لدخول البلاد مرحلة انعدام الدواء، واعتذار المستشفيات عن قبول المرضى، وهي مرحلة يصبح معها وصف النظام الصحي في العهد السابق بالفاشل أو المنهار، وهو الذي كان يقدم العلاج والمتابعة لكثير من الأمراض المعقدة، مثيراً للسخرية. تذكّر الحملة على وزير الطاقة بالحملة على وزير الصحة، الذي كان لا يمل من الإعلان عن أنه لا يستطيع تقديم أي علاج، وأنه لا يتحمل مسؤولية أي شخص يصاب بكورونا، على الرغم من تقديم كثير من الدول لتبرعات ومساعدات، إلا أن الوزير كان يرى أن حله الوحيد هو إغلاق المستشفيات، ليس فقط أمام مرضى كورونا وإنما أمام الجميع، مع منع العالقين في الخارج من العودة. تم تغيير ذلك الوزير الذي بدا عاجزاً عن تحقيق أي اختراق في المجال الصحي، كما تم تغيير وزير المالية، الذي قال إن أموال وتبرعات المانحين لم تدخل إلى خزنة الدولة، لكن هذا التغيير لم يؤد لا إلى تحسن في الخدمات الطبية، ولا إلى السيطرة بشكل جاد على موارد الدولة، التي ما تزال كثير من الجهات تتغول عليها بلا حق. أما القطاع الذي لا يختلف الناس على تراجعه، مهما كان مدى حماسهم لحكومة الأمر الواقع، فهو قطاع التعليم، الذي وكما هو الحال مع الصحة وغيرها من القطاعات، لم يتوقف الأمر فيه على تزايد الرسوم الدراسية، ومضاعفة المتطلبات المدرسية كالترحيل والوجبات وغيرها، بل وصل الأمر لاستخدام الحل النهائي، أي تعطيل الدراسة بشكل شامل في المدارس والجامعات، ما ضيع على الدارسين ما يساوي عامين دراسيين.

الأقلية الحاكمة ترفض التخلي عن مكاسبها أو أن تجري تعديلاً في طريقة توزيع السلطة، وهو ما أدخل البلاد في نفق سياسي قاتم

مثلت جائحة كورونا عذراً لمسؤولي التعليم الذين اختاروا إغلاق المراكز الدراسية، ذريعة لم تكن كافية لإقناع الناس الذين كانوا يرون من ناحية استمرار التجمعات الكبرى الأخرى، ومن ناحية أخرى عجز وزارة التربية عن المضي قدما في مشروعها لتغيير المناهج، أو دعم المدرسين، أو حتى صيانة المدارس، هكذا صارت الوعود بالتعليم المجاني مع وجبة للتلاميذ التي أطلقت في أيام الحماس الثوري الأولى مجرد أحلام وخيال، فيما تقلص الطموح وتجسد في صورة مطالبات ببدء العام الدراسي بأي طريقة كانت، وهو ما تم تطبيقه العام الماضي الذي لم تتجاوز الفترة المدرسية فيه الثلاثة شهور. في قطاع التربية تم تجريب عزل الوزير، كما تم تجريب إبقاء الوزارة شاغرة بلا وزير، والاعتماد على لجان «ثورية» من أجل التسيير والتفتيش، لكن هذا كله لم يحل شيئاً، لتبدو المسألة كما كل القضايا السابقة، وكما قضية الأمن الذي باتت تفتقده العاصمة السودانية، أكثر تعقيداً من مجرد تغيير أشخاص، أو اتهام البعض بالضلوع في أعمال التآمر أو التعطيل.
هذه بعض القضايا التي ظلت تشغل الرأي العام والتي جعلت الكثيرين ساخطين على الحكومة لدرجة تصل إلى حد عدم الاكتراث بذهابها بأي طريقة كانت، حسب الغالبية من ذوي الدخل المحدود، فإن الحياة في بلاد النيلين لم تعد فقط غالية، بل مستحيلة، فالحكومة تحاسب شعبها بالدولار الأمريكي، وتحدثهم عن أسعار المواد والخدمات العالمية، في الوقت الذي يتقاضون فيه دخلهم الشهري بالعملة المحلية المتضخمة، التي تجعل متوسط الرواتب عشرين أو ثلاثين دولاراً. ما يمكن التوصل إليه بعد النظر إلى جميع هذه القضايا هو، أن الإشكالات الحالية هي إشكالات جذرية تتعلق ببنية الدولة في تمظهرها الجديد، أما الفشل في العلاج فهو ناتج عن عدم الاعتراف بهذه الحقيقة، ومحاولة تجاوزها إلى حلول جزئية، وكأن الأزمة هي أزمة قطاع واحد أو فرد بعينه. خير مثال لتأسيس الحلول الجزئية هو الإضراب الذي دعا إليه أساتذة الجامعات، الذين طالبوا بزيادة مرتباتهم إلى ما يعادل الخمسمئة دولار. الحقيقة التي لا خلاف عليها هي، أن المعلمين وأساتذة الجامعات يستحقون هذا الراتب الذي بالكاد يكفل للمرء حياة كريمة في عاصمة الغلاء، لكن هذه المطالبة تعجز عن الإجابة عن أسئلة مهمة أولها: من أين يمكن للحكومة أن تأتي بهذه المبالغ، وهي التي عجزت عن تقديم ما وعدت به من دعم لا يتجاوز الخمس دولارات للأسر السودانية؟ أيضاً، كيف يمكن للحكومة أن توفر للمعلم راتباً بهذا المستوى، في حين تمنح موظفين آخرين ما لا يتجاوز عشر هذا المبلغ؟ هذا المثال يوضح ما ذهبنا إليه، وهو ضرورة أن يكون الحل شاملًا، لأن الأزمة برؤوس كثيرة وتحتاج نظرة شاملة.
المشكلة أن الحكومة هي من يتبنى هذه الحلول الجزئية، فهي مثلاً حينما أرادت بحث مسألة السلام، قسمت السودان إلى مسارات مناطقية، نتجت عنها اليوم مطالبات بالحكم الذاتي، ومحاولة كل إقليم الانفراد بنفسه، والسعي بطريقته الخاصة لحل مشاكله التي يعجز المركز عن تفهمها (أزمة الشرق نموذجاً). إذا كان هذا هو الحال فالبديل هو العودة إلى نقطة الصفر، إلى اليوم الذي تقاسم فيه العسكريون السلطة مع أحزاب بلا وزن، حين نعود إلى هذه النقطة يمكننا أن نبدأ بإعادة التأسيس لفترة انتقالية حقيقية غير حزبية، تكون مهمتها الحقيقية هي إيقاف هذه الفوضى والتحضير الجاد للانتخابات.
وصل إلى هذه القناعة عدد من أعضاء إئتلاف «الحرية والتغيير» الحاكم، الذين وجدوا مساندة من الحركات والجماعات المسلحة، التي انضمت للحكومة بعد توقيع اتفاق سلام جوبا. المشكلة كانت أن الأقلية الحاكمة ترفض التخلي عن مكاسبها أو أن تجري تعديلاً في طريقة توزيع السلطة، وهو ما أدخل البلاد في نفق سياسي قاتم، خاصة بعد بدء المعارضين، الذين يحظون بدعم قيادات حكومية تبنت «الميثاق الوطني» اعتصامهم المفتوح حول القصر الرئاسي، الذي هدف للضغط من أجل حل الحكومة. اليوم تعمل النخبة السلطوية ما بوسعها لتشويه المعتصمين، عبر وصفهم بأنهم فلول، أو بأنهم مطالبون بحكم العسكر، في حين تزداد على الجانب الآخر أعداد المقتنعين بأطروحة «الحل الشامل» التي تكتسب حلفاء يصعب التشكيك في ثوريتهم وأصالتهم.
كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول تيسير خرما:

    مشكلة السودان الدائمة تحجيم مصالح الولايات لصالح العاصمة الخرطوم وما نشأ عن ذلك من تهميش وإجحاف وتشوهات وبالتالي الحل الجذري يتمثل في إقامة مجلس تشريعي مؤقت من ممثلي قبائل وعشائر السودان بتمثيل متساوي للولايات مع حجب ولاية الخرطوم مؤقتاً حتى لو تطلب الأمر نقل العاصمة مؤقتاً خارج ولاية الخرطوم، وذلك إلى حين وضع دستور جديد وقانون انتخاب جديد يضمن تساوي تمثيل الولايات بمجلس النواب ومجلس الوزراء وجميع المناصب الحكومية ويضمن حصول الولايات على حصص متساوية في ميزانية الحكومة والمصاريف والاستثمارات.

  2. يقول Asharaf:

    صباح الخير

  3. يقول S.S.Abdullah:

    يا (د مدى الفاتح)، العنوان رائع (السودان: الحل الشامل أو البداية من جديد)، رغم اختلافي مع تفاصيل ما ورد تحت العنوان،

    بدون إحترام الزمن، وإحترام المصداقية، وتجاوز عقلية الخديعة والمكر أو أتغدى به قبل أن يتعشى بي، لن يمكن تأسيس شركة أو أسرة أو مجتمع أو دولة كعقلية فريق كرة قدم، يستطيع المنافسة والفوز في أجواء سوق العولمة، من استقطاب أهل العقل والمال المُنتِج،

    يجب تغيير عقلية الجباية، إلى عقلية كيفية تقديم الخدمات،

    ومن أجل خلق داينمو التطوير المستدام، من خلال أم الشركات (التي تكامل ما بين 40% القطاع الخاص و40% القطاع العام، و20% ثلاثي داينمو التطوير)

    يجب قلب الهرم في النظام البيروقراطي،

    إلى أصغر موظف بدل المسؤول عنه، في إقتراح، أفضل طريقة لتحسين كفاءة وجودة الإيرادات،

    من خلال تحسين الخدمة نفسها، فهو الأعلم بالعيوب والنواقص، ولكن لا يتكلم، بسبب الخوف من العقوبة وليس هناك ثواب، لو أصاب، ولتوضيح وجهة نظري

    In US social media, now, debate about

    Dave Chapple position, VS Facebook Boss position, within Income or Profits Border

    Or

    Culture of (I) limit VS Culture of (We) limit, within Globalization e-Economy Borders

    The easy way, on, How to push any Management and Governance, to improve, it’s AI of Facebook or Google, etc.

    Wisdom VS Philosophy
    بين الحكمة والفلسفة

    https://youtube.com/shorts/UpGttcsf62A?feature=share

  4. يقول S.S.Abdullah:

    In the link What’s the meaning of Negotiation Intelligence?!
    في الرابط، ما هو معنى ذكاء المفاوضات؟!

    ولماذا هذا السؤال في لغة القرآن وإسلام الشهادتين، لا يدخل عند المقارنة بين الحكمة أو الفلسفة؟!

    كما في سؤال، لماذا نحن بحاجة إلى المُنتَج أو معرض (الحلال) الثامن، في (تركيا) وقبلها في (ماليزيا) في موضوع السلم الاجتماعي في تخصيص طريقة استخدام لفظ الجلالة، على من يؤمن بلغة القرآن وإسلام الشهادتين فقط، بعيداً عن أي (صوفي/شيعي)

    https://www.helalexpo.com.tr/en/

    وأشكر عصام عطا، حبيبنا أبا عمر، على إرسال الرابط أعلاه،

    السؤال الآن، كيف نستطيع التكامل، بين مفهوم المُنتَج الحلال، وبين مفهوم السوق (الحلال)،

    وحل مشكلة موضوع ضياع سيادة أي دولة، مع مفهوم Blockchain أو e-Currancy، في الوصول إلى الجيل الثاني، من تكامل مشروع الفاتح التعليمي (التركي)، مع مشروع القدوة التعليمي (السنغافوري)، الذي أوصلنا إلى (التعليم عن بُعد) e-Learning،

    من أجل التخلّص من الفساد بكل أنواعه، بداية من (عدم (دفع) الضرائب والرسوم والجمارك) من جهة، ومن أجل دعم العمل الخيري (الأوقاف الإسلامية أو غيرها) من جهة ثانية،

    ومن أجل زيادة الإيرادات للجميع، الإنسان والأسرة والشركة المنتجة للمنتجات الإنسانية،

  5. يقول S.S.Abdullah:

    وتقليل مصاريف الإدارة والحوكمة مع تحسين كفاءة وجودة بشكل يمثل اقتصاد دولة الحداثة المؤتمتة (الآلة/الروبوت)، دون خسارة مفهوم الوظيفة/الخدمة الإنسانية، التي بلا ضمير حي، بالمحصلة أو النتيجة من تنفيذ مشروع صالح للسوق (الحلال) التايواني.??
    ??????

اشترك في قائمتنا البريدية