النوايا الفارغة: بلزاك وستاندال في محكمة الكتابة!

حجم الخط
4

في الفلسفة الظاهراتية، وتحديداً مع مؤسسها إدموند هوسرل، فإن الكتابة لا تكتفي بتمثيل ما نراه. إنها، في عمقها، إدارة دقيقة بين ما يُقصد وما يُعطى. من هنا يظهر مفهوم لـ»النوايا الفارغة»: أن يتجه الوعي نحو شيء قبل أن يمتلكه حضورياً أو حدسياً. أفكر في مدينة لم أزرها، أو أكتب عن موت لم أشهده، أو أستدعي شخصية لم توجد قط. فالقصد موجود على الدوام، لكن الامتلاء مؤجل. المعنى يشير إلى موضوعه، لكنه لا يمسك به كاملاً بعد. يميز هوسرل بين القصد الفارغ أو الدلالي، وبين القصد الممتلئ حين يجد الموضوع ما يحققه في الإدراك أو الحدس أو التجربة المباشرة. هذا المفهوم يصلح مدخلاً لافتاً إلى قراءة الأدب، فالكاتب يعمل غالباً داخل فراغ مقصود. فهو لا يملك العالم كاملاً، لكنه يضع إشارات تقود القارئ إليه. من هنا نستطيع القول إن الرواية ليست تمثيلاً للواقع فقط، بل هي، بمعنى من المعاني، وعدٌ بهذا الواقع. لا تشرح الجملة الجيدة كل شيء؛ تترك نقصاً محسوباً يدفع القارئ إلى المشاركة. وبهذا المعنى، لا يملأ الأدب العظيم كل الفراغات، بل يعرف أين يتركها. بهذا، تصبح مقارنة بلزاك وستاندال عند خوسيه أورتيغا إي غاسيت أكثر إضاءة. في مؤلفه «ملاحظات حول الرواية»، يرى أورتيغا أن المشكلة ليست في الحكاية وحدها، بل في طريقة جعل العالم الروائي حاضراً. وعنده، يمكن اختصار موضوع «الأحمر والأسود» في خبر صغير: مدام دو رينال تقع في حب جوليان سوريل. لكن الرواية لا تعيش في هذه الجملة. قيمتها في أن ستاندال يجعل الواقعة حاضرة، ملموسة، متوترة، لا مجرد معلومة. ستاندال، بهذا المعنى، كاتب امتلاء داخلي. لا يبني العالم بكتل اجتماعية ضخمة، بل بلحظات نفسية حادة. يقترب من الوعي وهو يتردد، ويرغب، ويخاف، ويخدع نفسه. إنه يملأ «النية الفارغة» ليس بالمصطلحات والعبارات البلاغية، إنما بكل ما ينبض. أما بلزاك، فيذهب إلى الاتجاه الآخر: يريد أن يمنح المجتمع جسداً كاملاً. المال، والميراث، والصالون، والمدينة، والمهنة، والطبقة، والطموح، والسقوط. مشروعه في «الكوميديا الإنسانية» يبدو كأنه محاولة لإلغاء الفراغ عبر تراكم كثيف من التفاصيل. لكن أورتيغا لا يمنح بلزاك تفوقاً تلقائياً. على العكس، يلاحظ أن القارئ قد يُطرد أحياناً من حلم الرواية عند بلزاك لأنه يصطدم بـ«السقالات» الروائية؛ أي بالبناء الظاهر، بالشرح، بالآلية التي تكشف نفسها. هنا تصبح المفارقة واضحة: الامتلاء الزائد قد يتحول إلى فراغ من نوع آخر. حين يشرح الكاتب أكثر مما ينبغي، يخسر القارئ وهم الحضور. هذه المقارنة تفتح نافذة أوسع. فلوبير، مثلاً، يقف بين الطرفين. في «مدام بوفاري»، لا يريد موسوعة بلزاكية، ولا يكتفي بومضة ستاندالية خالصة. يريد دقة باردة تجعل الأشياء العادية قاتلة: فهناك قبعة، ونافذة، وعربة، وديون، وصيدلية، وجملة مبتذلة. النية الفارغة عند إيما بوفاري هي الخيال الرومانسي نفسه: رغبة لا تجد ما يملأها في الواقع. حياتها كلها فجوة بين صورة الحب كما قرأتها، والحياة كما عاشتها. أما مارسيل بروست فيذهب أبعد؛ عنده لا يمتلئ القصد عبر الحدث، إنما من خلال الذاكرة. الأشياء لا تُمنح على الفور، بل تأتي متأخرة. فقطعة المادلين التي مثّلت أشهر مفتتح للتداعي الحر، لا يعاملها القارئ تفصيلاً حسياً عابراً؛ إنها آلة «ظاهراتية»، إن جاز لنا استعارة لغة هوسرل. فالوعي لا يستعيد الماضي كما كان، بل يخترقه حين يظهر فجأة في الحاضر. هنا يصبح الامتلاء نفسه مشروطاً بالتأخير.
يقدم دوستويفسكي نموذجاً مختلفاً؛ فشخصياته لا تعاني لأن العالم ناقص التفاصيل، بل لأن المعنى نفسه يتفجر لديه إلى شظايا. راسكولنيكوف، إيفان كارامازوف، ستافروغين: كل واحد يحمل نية فكرية تريد أن تمتلئ أخلاقياً، لكنها تفشل أو تنقلب إلى عذاب. كان أورتيغا مهتماً بالبناء البطيء والزمن الكثيف في الرواية، ووجد عند دوستويفسكي نموذجاً خاصاً لهذا التمديد الذي يجعل الشخصية تُستنزف أمام القارئ. أما كافكا، فهو شاعر النية الفارغة بلا امتلاء. في «المحاكمة»، جوزف ك. متهم، لكن التهمة لا تظهر للعيان. فالقصد موجود: لدينا قانون ومحكمة وذنب، لكن الموضوع لا يُعطى أبداً. لهذا يبدو كافكا حديثاً بعمق: إنه لا يملأ الفراغ، بل يجعله بنية العالم. والقارئ لا يبحث عن جواب؛ لأنه في هذه الحال يعيش تجربة غياب الجواب. يمكن القول إن تاريخ الرواية الحديثة هو تاريخ إدارة الفراغ. بلزاك يريد ملء فراغات المجتمع. ستاندال يريد ملء اللحظة النفسية. فلوبير يكشف فراغ الأحلام الجاهزة. بروست يملأ الغياب بالذاكرة. دوستويفسكي يحمّل الفراغ صراعاً ميتافيزيقياً. كافكا يحوّل الفراغ إلى قدر. وهنا يعود هوسرل إلى قلب الكتابة. كل جملة أدبية تبدأ كنية فارغة: تشير إلى شيء، وتعدنا بشيء، وتفتح لنا احتمالات لا نهائية. بتقديري أن الكاتب المبتدئ يهرع إلى شرح الأشياء، أما الكاتب الذي درّبته المسودات، فيعرف أن الامتلاء لا يعني التفسير الكامل. أحياناً، أعظم ما تفعله الرواية أنها تترك القارئ داخل قصد لم يكتمل، لا لأن الكاتب عجز، بل لأنه فهم أن التجربة الإنسانية نفسها لا تُعطى دفعة واحدة. الأدب، في أفضل حالاته، ليس مرآة جاهزة للعالم. إنه وعي يبحث عن امتلائه، ويجعلنا نشعر بأن الحياة نفسها مكتوبة بهذه الطريقة: إشارات كثيرة، وحضور ناقص، ومعنى لا يتوقف عن الاقتراب.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول إبراهيم بومسهولي-المغرب:

    أحيانا ، ومن شدة الإتقان و الصنعة، لا ينتبه القارئ لتفاهة الحبكة بل و الشخصيات أيضا. ذلك ما حدث لي و لعشرات الآلاف من القراء بخصوص رواية « دير بارم» لستاندال. فالرواية رائعة و تشد القارئ وكتبت عنها دراسات مهمة و أطروحات جامعية. لكن تعاملي معها لمدة 3 أشهر في إطار تدريسها ، جعلني مدهوشا أمام جرأة ستاندال و إستخفافه بالقارئ. ذلك أن بطل الرواية، الذي قاتل إلى جانب نابليون وعاشر جمهرة لا حصر لها من النساء و قتل في إطار المبارزة رجلا صنديدا، هذا البطل أقول لا يتجاوز الخامسة عشر من عمره! وأما حبيبته التي ذاق الويلات من أجلها والتي قبلت أن تعاشره كزوجة ثم زوجة خائنة فعمرها 12 سنة! و الغريب أني تأكدت أن هذه الأعمار كانت تعتبر طفولة في زمن كتابة الرواية. هى كان ضروريا للكاتب أن يشير لأعمار الشخصيات أم أنه الإمكان في الضحك على البشر ؟

  2. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، النوايا الفارغة: بلزاك وستاندال في محكمة الكتابة إلى الأستاذة شهد الراوي،
    تحياتي لحضرتك. هذا المقال مختلف تمامًا عن المقالات السياسية التي عادةً ما يبحث عنها إنسان مثل حالتي، من منطلق الأمل في العثور على حلول لما تعانيه شعوب المنطقة. إنه مقال أدبي وفلسفي عميق، يحتاج إلى قراءة هادئة أكثر من مرة، بل وإلى التأمل فيه مرات عديدة. قررت أن أكتب تعليقي وأتوكل على الله، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه وتحدى نفسه. نعم، الإنسان بطبيعته يعيش في التفكير والخيال، ويتجه أحيانًا إلى أشياء غير موجودة أصلًا. وصدقيني، ما أجمل بعض هذه الأشياء. فقد يتخيل زيارة بلاد لم يزرها قط، فيشعر بالسعادة كأنه رآها بعينيه، أو يتخيل أنه يمتلك المال ويوزعه بسخاء على المساكين والمحتاجين، وخاصة أبناء الشعب الفلسطيني. هذه الخيالات البسيطة تزيح بعض الهموم عن النفس البشرية المثقلة بالأحزان، ولو إلى حين، وهذا ليس أمرًا بسيطًا. وأقسم بالله أنني تخيلت جنازتي وكيف ستكون، وكانت سعادتي تكتمل عندما أتمنى أن تقتصر على أسرتي فقط، بعيدًا عن المنافقين. كما أتخيل أحيانًا أنني قاضٍ أعقد جلسة محاكمة لشخص ظالم ظلمني أو ظلم غيري، فأصبح أنا الشاهد والقاضي والدفاع ( 1 )

  3. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    والمستندات وحتى الجمهور. وتزداد سعادتي عندما أصدر حكمًا عادلًا، رغم أنني لا أخضع لرقابة أحد، ثم أسأل نفسي: لماذا حكمت عليه بالعدل؟ فأعرف الجواب فورًا: خوفي من عدالة السماء. أما حديثك عن الوعي واستعادة الماضي، فقد لامسني كثيرًا. نعم، الوعي يستعيد الماضي، ولكن أي ماضٍ؟ إذا كان الماضي مؤلمًا، فإنه لا يستأذن، بل يدخل دون أن يطرق باب الذاكرة، ويقتحم النفس البشرية بقسوة. أما الماضي السعيد، فقلّما يقتحم الإنسان بالقوة نفسها. ولعل السبب أن الألم يترك شرخًا عميقًا لا يلتئم بسهولة. ولهذا حرم الله الظلم على نفسه، لأنه سبحانه يعلم أن آثار الظلم لا يمحوها الزمن، ولا تعالجها الأموال، ولا تلغيها اللحظات السعيدة. ولهذا أتذكر دائمًا الحديث القدسي العظيم: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا». شكرًا لكِ على هذا المقال الجميل الذي جعلني أتوقف قليلًا لأفكر في الإنسان، وفي الذاكرة، وفي الخيال، وفي تلك المسافات الغامضة بين ما نعيشه وما نتخيله، وبين ما نتذكره وما نحاول نسيانه. تحياتي لحضرتك.
    ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ محيي الدين أحمد علي رزق إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9/10/1971 ( 2 )

  4. يقول أسامة كلٌيٌَة سوريا/ألمانيا:

    “أن يتجه الوعي نحو شيء قبل أن يمتلكه حضورياً أو حدسياً. أفكر في مدينة لم أزرها، أو أكتب عن موت لم أشهده، أو أستدعي شخصية لم توجد قط. فالقصد موجود على الدوام، لكن الامتلاء مؤجل”إهـ.. لا أعرف لماذا لدي مشكلة في فهم الأدب! حيث أظن أن المقصود هنا هو الخيال الذي هو واحد من محاولات العقل البشري في فهم الواقع أو تقديره. ومن ثم هل يوجد إمتلاء للمعنى! الواقع هو دوماً أبعد من الخيال، ومن ثم فهم الواقع عندها لن يكون مكتملاً ولايمكن أن يكون أبداً كما تعلمنا النظريات العلمية، نظراً لتعارض المنطق مع الإكتمال.

اشترك في قائمتنا البريدية