تداخل الأزمنة في رواية «رَواء مكة» لحسن أوريد

عند قراءة «رَواء مكة» للروائي المغربي حسن أوريد، أو السيرة الروائية، كما جنَّسها، تذكرت بعض روايات الروائي المصري محمد عبدالسلام العمري، خاصة روايتيه «قصر الأفراح» و«اهبطوا مصر»؛ فثمة كثير من نقاط الالتقاء بينها وبين هاتين الروايتين، لاسيما ما يتصل بالرؤية النقدية لواقع المجتمع العربي في تلك البقاع المقدسة، ومدى معاناة الإنسان من الفقر والقهر وفقدان الحرية، فضلاً عن مظاهر سلبية أخرى كثيرة، عاينها المؤلف أثناء حجه، وعبّر عنها بكثير من الصدق والمرارة وعدم الرضا. ينظر أوريد إلى واقع ما يحدث في الحج نظرة نقدية، ناتجة عن معرفته بحقيقة الدين وأهداف الحج وشعائره الصحيحة. لكنه رغم ما كان يوجهه من انتقادات لمختلف الظواهر السلوكية والاجتماعية والتنظيمية وغيرها في موسم الحج، إلا أننا نجده يتميز بالموضوعية في كثير من الفقرات والمقاطع السردية. إلا أن الأمرَ هنا لا يتعلق بشخص من عامة الناس عاد إلى رشده بعد غواية وضلال، فقصد إلى حج بيت الله، معلناً توبته النصوح، بل يتصل برجل مثقف قرأ لكتّاب العبث، كما قرأ كتابات طه حسين حول الإسلام، وغيره من الكتاب والمفكرين. يقول في إحدى الفقرات السردية: «لا إمام إلا العقل، كما يقول المعري، ولا هادي سوى الغرب، أقول». ثم نجده يتساءل: «هل يمكن أن تصرف الحياةُ بالعقل وحده؟»، إنه مثل كثير غيره من المثقفين الذين اطلعوا على أدبيات الوجودية والماركسية والعلمانية، تجتاحُ عقولَهم ونفوسَهم الحيرة ُوالقلق في بعض مراحلِ عمرهم، فيبحثون لهم عن مستقر روحي ما. وسنحاول مقاربة البناء الفني لهذا العمل السردي، من خلال مكونات الخطاب السردي ..
تداخل الأزمنة وتقنية الارتداد
يُلاحظ أن السرد لا يتخذ مسيراً كرونولوجياً في السيرة الروائية. إن السارد ــ المشارك يستهل سرده في الفصل الأول بالحديث عن التوجه إلى الحج، من مكناس مقر إقامته إلى مطار الدار البيضاء، لكنه يعود بخواطره إلى الماضي، قبل أن تتهيأ الظروف للسفر لأداء الفريضة، ثم يعود إلى زمن شبابه في مدينة إفران، ليقدم أحداثاً تتعلق بأخيه عبدالله المتمرد، وإصابته بالسكيزوفرينيا. ثم يعودُ بنا إلى مرحلة الطفولة في قصر السوق، وتردده صحبة أخيه على كُتَّاب أحد مساجد المدينة. بعد هذا الارتداد الزمني المتنوع، يعود إلى الحاضر، ليتابع سرد حدث الرحيل إلى الحج «وَدَّعْنا الأهلَ والأصدقاءَ في المطار وتأهبنا لركوب الطائرة»، وهكذا يرتد السارد ـ المشارك من زمن ذهابه إلى أداء فريضة الحج سنة 2007 إلى الزمن الماضي نهاية إبريل/نيسان 1997 قرب الانتخابات التشريعية في المغرب، وقراره إنهاء شهادة الدكتوراه، وهكذا نلاحظ أن الزمن يقوم أساساً على الارتداد وتداخل الأزمنة، ما يتيح للسارد سرد العديد من المحكيات الصغرى التي تسجل مراحل حياته المختلفة.
التضمين النصي
جاءت التضمينات من خلال عدة نصوص مختلفة المصادر والدلالة، منها .. أبيات وقصائد شعرية، والتي قد ترد مفردة أو عدة أبيات أو قصيدة كاملة، والملاحظ أن هذه الأبيات والنصوص تنتمي إلى كل عصور الشعر العربي في المشرق والمغرب. فالسارد لا يورد هذه النصوص رغبة في إبراز ثقافته الشعرية، بل يوظفها في أماكنها المناسبة، كما في أبيات شوقي، التي يتذكرها حين دخل جامع قرطبة، الذي تحول جزء منه إلى كنيسة: مررت بالمسجد المحزون أسأله/ هل في المصلى أو المحراب مروان؟/ تغير المسجد المحزون واختلفت/ على المنابر أَحْرارٌ وعُبْدَانُ/ فلا الآذانُ آذانٌ في مَنارتِه/ إذا تَعَالَى، ولا الآذانُ آذانُ، أو في قصيدة للمؤلف نفسه تؤرخ لمرحلة بداية شكه واتجاهه إلى الفكر العقلاني بتاريخ فبراير/شباط 1982 م. ويبدو أن المؤلف كان يستحضرها من ذهنه ومحفوظاته، لذلك نراه يخلط بين بعض الأبيات التي أوردها، كما وقعَ في السهو، عند ذكر ديوان مدير ثانويته الشاعر محمد بن دَفعة على أنه بعنوان «زهور بلا أشواك» في حين أن الصواب هو «أشواك بلا ورد»، يعود إلى الاعتماد على الذاكرة وحدها.
النصوص القرآنية ..

وهكذا نلاحظ أن الزمن يقوم أساساً على الارتداد وتداخل الأزمنة، ما يتيح للسارد سرد العديد من المحكيات الصغرى التي تسجل مراحل حياته المختلفة.

وإذا كان السارد ـ المؤلف لا يوثق في الغالب الأبيات والنصوص الشعرية، التي ضمنها عمله السير ذاتي، فإنه يحرص كل الحرص في النصوص القرآنية، التي أوردها في الكثير من الفقرات السردية، على ذكر السورة ورقم الآية، أو الآيات التي وردت ضمنها، ولكي يكون أميناً، نقلها مصوَّرة من المصحف بالخط العثماني. والآيات القرآنية غالباً ما يأتي ورودها حثاً على الإيمان والاستقامة والتقوى والعمل الصالح، أو حضاً على الرؤية الوسطية المنفتحة على الحياة بدون إفراط ولا تفريط: «وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ ((سورة القصص آية 77).
أما النصوص التراثية العربية فمنها الأمثال العربية والحكم المأثورة. والملاحظ أن الكاتب يختار الأمثال والحكم، التي لها دلالة الخيبة أو السخرية من واقعنا العربي الراهن، أو الحث على اليقظة من أجل النهوض من الكبوة، نذكر منها مثلاً: «صيحة في واد، ونفخة في رماد» ـ «إن قومي تجمَّعوا وبقتلي تحدَّثوا/ لا أبالي بِجَمْعِهِمْ، كلُّ جمعٍ مؤنثُ» ـ «إذا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فاغْتَنِمْها/ فلِكُلِّ خَافقَةٍ سُكُونُ ـ إذا دَرَّتْ نِيَاقُكَ فاحْتَلِبْها//فلا تَدْري الفَصيلَ متَى يَكُونُ.
الشخصيات
أما الشخصيات فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنماط .. الشخصيات المشاركة في الحدث الروائي، وأهمها الأب والأم والجدة والأخ باعتبارها الشخصيات المؤثرة في مرحلة طفولة السارد ـ المؤلف وصباه، فقد كان يعود إلى الحديث عنها في ارتدادات زمنية عديدة، ليسرد مدى أثر هذه الشخصيات خاصة الجدة، في بناء شخصيته وزرع بذور الإيمان القوي في نفسه الفتية.
الشخصيات الأعلام، والتي يمكن أن نقسمها إلى قسمين، أولهما أساتذة الكاتب في المعهد المولوي، الذين تلقى على أيديهم اللغةَ العربية وآدابَها، كما حفظ ما تيسر من القرآن الكريم، نذكر منهم: الحاج أحمد بَّاحْنيني ـ شارل بيلا ـ محمد شفيق ـ المقرئ عبدالرحمن بن موسى. إنه بذكره لهؤلاء الشخصيات الأعلام، يود أن يذكر أفضالهم على تكوينه اللغوي والثقافي العام، ويرسخ ذكرهم في ذاكرة الأجيال الآتية باعتبارها أمثلة ونماذج للأساتذة المربين الأكفاء المخلصين. أما القسم الثاني فيمثل شخصيات علمية وأدبية وفنية، ويذكر منهم: ويلفريد ثيسيجر الإنكليزي الذي اجتاز الربع الخالي، وكتب كتاب «الصحراء العربية» سنة 1946. الروائي إبراهيم الكوني، عثمان بالي شاعر ومغني من صحراء «جانيت» في الجزائر. علاَّ المغني الحيي من أبناء بشار. والملاحظ أن المؤلف يورد هؤلاء الشخصيات الذين ينتمون إلى بيئة صحراوية قريبة من بيئة نشأته، لميله إلى تلك القيم النبيلة المشار إليها، والتأسف على غيابها في واقعنا العربي الراهن. يقول بأسى وألم «لن أشتط في القول، فأقولُ مثلما قال عربيٌّ قح عبدالله القصيمي عن بني جلدته من أن العرب ظاهرة صوتية».
وأخيراً الشخصيات التاريخية، هؤلاء الشخصيات تنتمي إلى بداية التاريخ الإسلامي هم الصحابة: عمَّار بن ياسر الذي مات شهيدا ـ سلمان الفارسي الباحث عن الحقيقة ـ بلال الحبشي مؤذن الرسول ـ صهيب الرومي. وقد استدعى السارد هذه الشخصيات ودخل معها في حوار، فتحول إلى شخصية روائية. وهنا يبرز عنصر التخييل في هذا العمل السير روائي، فيلتقي السارد ـ الشخصية ـ بين غفوة وصحوة ـ بعمار في مكة، وَيُذكِّره أنهما التقيا بمِنًى قبلَ أربع سنوات. ويصير السائق الذي كان يشتغل عند الكاتب، هو الصحابي سلمان الفارسي كما يقدمه له عمَّار بن ياسر، ثم يصادف بعد ذلك بلِالاً مؤذنَ الرسول ويتعرف عليه، فتملأ نفسَه الراحةُ والسكينة، ثم يصعد بلال فوق الكعبة ليصدح بالآذان. أما صهيب الرومي، فيراه يطوف بالكعبة ويرفع صوته بالإنكليزية منادياً بالنصر للفلسطينيين وغيرهم من المسلمين، ثم يمسك يد السارد ـ الشخصية ليتجه إلى صاحبيه بلال وياسر بالقول: «اضطراب عادي، نتيجة تحولات عميقة، ومخلفات سابقة سوف يعود إلى سيرته الأولى». يقرأ بلال ما يتيسر من القرآن، فيستفيق السارد ـ الشخصية وقد ذهب عنه الإحساس بالضيق والقلق والاضطراب. في هذه الفقرات السردية يمتزج التاريخ بالحاضر الواقع بالخيال، ويشيرُ المؤلف من خلال الشخصيات التاريخية (الصحابة) المتنوعة الأعراق والأنساب إلى أن الدين الإسلامي دين المساواة والوئام، وليس دين تفرقة وانقسام.

* ناقد وشاعر من المغرب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول مصطفى بنعبد القادر.:

    هذا البيت:
    فلا الأذان أذان في منارته ****إذا تعالى ولا الآذان آذان
    لم يقله شوقي عند زيارة قرطبة، بل جاء ضمن قصيدته المشهورة عند زيارته لدمشق، ولمسجدها الأموي:
    مررت بالمسجد المحزون أسأله ****هل في المصلى أو المحراب مروان
    تغير المسجد المحزون واختلفت ****على المنابر أحرار وعبدان
    فلا الأذان أذان في منارته ****إذا تعالى ولا الآذان آذان

اشترك في قائمتنا البريدية