عام من الحراك الجزائري: محاولات السطو مستمرة

حجم الخط
12

حدّثني مصدر موثوق عن جهود زوجة مسؤول جزائري كبير (جداً) لتبرئة زوجها المسجون في قضايا فساد مالي وسياسي. انتقدتْ هذه السيدة النظام الحاكم بشدة، ثم قالت خلال تبادل أطراف الحديث بثقة: زوجي مع الحراك.. وأنا كذلك!
لا يستغرب مَن خَبَر المسؤولين الجزائريين، ولو قليلاً، هذا الكلام. ولا يُستبعد أن اللواء محمد مدين، لو تسربت إلى الرأي العام أحاديثه الخاصة بعد الإطاحة به، سيصبح هو الآخر معارضاً للنظام ومع الحراك. والكلام نفسه ينسحب على المسجونين معه، بل حتى على أحمد أويحيى الذي تجسدت فيه شرور النظام كلها.
لا يفاجئني كل هذا وأكثر منه. فالمعروف عن المسؤولين الجزائريين أنهم عندما يكونون في مناصب الحكم والمسؤولية، هم مرادف للإخفاق وعدم الكفاءة، وفي كثير من الأحيان للفساد. لكن بمجرد إزاحتهم من المناصب يتحوَّلون إلى معارضين أشداء للنظام، ويصبحون عارفين في مجالاتهم وعباقرة ونظيفي الكف وطاهري النفس مخلصين لوظيفتهم والوطن.
لقد أتيح لي، بحكم المهنة، أن التقيت بعدد من المسؤولين الكبار بعد إقالتهم. لم أسمع من أحد إقراراً بالذنب أو اعترافاً ولو ضمنياً بالإخفاق أو بالفساد. بل سمعت انزعاجاً من النظام ومن عجز «الآخرين»، ثم شكاوى من ضيق الحال تجعل المرء يفكر في مدّ يده إلى جيبه والتصدق عليهم!
لهذا لم أستغرب أن أبرز ما ميّز الاحتفال بمرور سنة من عمر حراك الجزائريين، تلك الجهود المبذولة للسطو على هذا الحراك وتمييعه. كثرت الأساليب وتنوَّعت لكنها بقيت كلها تحت عنوان واحد: السطو والتمييع من خلال ادعاء كل الناس بأنهم أصحاب فضل، والمزايدة في منح أشخاص أفضالاً لا يستحقونها على حساب أصحاب الفضل الحقيقي. الخطاب السياسي الرسمي، مدني وعسكري. تصريحات رئيس الدولة ومَن يدُورون في فلكه. اللغة الحزبية، ولا فارق بين معارضة وموالاة. المنظمات الأهلية والنقابية. الإعلام بشقَّيه، الحكومي والخاص.. كل هذا سُخِّر ليصب في التمييع والسطو. الجزائريون لم ينتفضوا ضد المخلوع وشقيقه وأقاربه فقط، وإنما أيضاً ضد ما كان يرمز له من ممارسات سياسية وحزبية وإعلامية. لكن من طرائف السياسية في الجزائر أن الذين انتفض المجتمع أصلاً بسببهم ومطالباً برحيلهم، احتفوا بالحراك وكأنهم هم القوة المخططة والمحركة له. هل هناك عملية سطو أسوأ من هذه؟

أغلب الذين زايدوا في الاحتفاء بالحراك، من الرئيس تبون ونزولاً إلى شخصيات وهيئات ومنظمات لم تفوّت فرصة لتكريس الفساد السياسي، لا يؤمنون بالحراك ولا يكتفون بتجاهله وإنما يفعلون الكثير لعرقلته وشيطنته

بمنطق ولغة الاحتفال الذي عاشته الجزائر خلال الأيام القليلة الماضية، كل هؤلاء «حراكيون»! طيب، وماذا عن الذين يصرّون على التظاهر كل جمعة وثلاثاء، بلا ملل، بينما تلاحقهم سياط واتهامات هؤلاء الذين أقاموا الولائم والحفلات التلفزيونية؟
كيف يرضى الرئيس ببقاء العديد من خصوم المخلوع ورموز الحراك في السجون منذ عدة أشهر، بلا محاكمات، ثم يحتفي بالحراك فيصفه بالمبارك ويعلنه يوماً وطنياً؟ وكيف يصمت كل هؤلاء المحتفلون عن وجود رموز الحراك في السجون، ثم يقيمون الولائم بلا خجل؟
في مثل هذا الأسبوع من العام الماضي كانت زمرة المخلوع تناور لوأد الحراك في المهد. بعد عام بالتمام تناور زمرة، بل زُمَر، أخرى لتنفيذ المهمة ذاتها من أجل الهدف عينه. تغيّرت الواجهة فقط. ومع ذلك يجرؤون على الاحتفال والاحتفاء كأنهم صنعوا معجزة تاريخية، بينما يقبع كثيرون من دعاة التغيير الحقيقي ومَن سعوا له في السجون أو يعيشون حرية مقيّدة خارج أسوار المعتقلات.
مرة أخرى لا غرابة. هي تفرعات الثقافة السياسية المذكورة في بداية هذا الكلام: النظام يصبح شريراً في عيون المسؤولين عندما يلفظهم فقط. والحراك مبارك قبل أن يرفض الخطة التي فرضها النظام ويُبدي إصراراً على الاستمرار. النظام يكون طيباً في عيون ذرّيته فقط عندما يضمها ويوفر لها الامتيازات والنفوذ. ويكون الحراك مباركاً فقط عندما يهلل للانتخابات الرئاسية ويذوب في خطاب قائد أركان الجيش السابق (رغم أنه وصف المتظاهرين في بداية الحراك بالمغرر بهم، ودعواتهم للاحتجاج بالنداءات المشبوهة).
أغلب الذين زايدوا في الاحتفاء بالحراك، من الرئيس تبون ونزولاً إلى شخصيات وهيئات ومنظمات لم تفوّت فرصة لتكريس الفساد السياسي، لا يؤمنون بالحراك ولا يكتفون بتجاهله وإنما يفعلون الكثير لعرقلته وشيطنته.
من سوء حظ هذا الحراك المسكين أن صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية، وضمن تغطيتها لذكراه السنوية الأولى، اختارت نشر تحقيق عن دور الشواذ جنسياً في الحراك (عدد الجمعة 21 فبراير/شباط). نشرت الصحيفة شهادة اثنين وقالت إن الشواذ، الذين شاركوا في الحراك قبل اليوم كمنتسبين لأحزاب ونقابات وجمعيات، سيتظاهرون في الجمعة 53، نساء ورجالاً، ولأول مرة «بشعارات موحدة تعبّر عن هويتهم الجنسية».
كأن الطعنات التي تلقاها الحراك من ذوي القربى لا تكفي! لم يكن هناك داعٍ لهذه «الهدية» من «ليبراسيون» لخصوم الحراك وهي تدرك تماماً أن المجتمع الجزائري ليس هو السويدي، وأن آخر ما يحتاجه الحراك اليوم هو ذلك التقرير الضحل والمسموم.

كاتب صحافي جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول النرويجي الأسمر:

    لابل تمت الاستعانة حتى بإسرائيل للحصول على قشة تخرج النظام من ورطته، عبر حادثة رئيس اللجنة الأولمبية الجزائرية الذي وقف احتراما للنشيد الوطني الاسرائيلي، وكذلك مؤخرا ” تويتة” ايدي كوهين الذي سب فيها تبون وثورة نوفمبر، وادعى مناصرته للمغرب، وذلك في محاولة لتطبيق لسياسة الإلهاء يمكن من خلالها النظام من إخراج قاموس النظام المتغني بكونه الوحيد الباقي من جبهة الصمود والتحدي

    1. يقول جزائري:

      انت لست النرويجي الاسمر انت جيمس بوند الاسمر

    2. يقول النرويجي الأسمر:

      الغاية تبرر الوسيلة

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    يجب محاسبة كل من شارك من العسكر في العشرية السوداء!
    كان العسكر الجزائري يتنكر بملابس السلفيين وبلحى مستوردة من الصين ويقتل القرويين بالفؤوس بالقرب من ثكنات الجيش!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يقول عبد الوهاب قليوات:

    المخابرات العسكرية بقيادة الراحل كايد صالح جربت عدة وسائل وتكتيكات للإجهاز على الحراك الشعبي بداية بمحاولة إخماد جذوته بتقديم بعض مقربي بوتفليقة للمحاكمات إلى محاولة شق الصفوف بإشارة النعرات الجهوية والإثنية باستهداف حاملي الرايات الأمازيغية مرورا بتلفيق تهم للناشطين المناهضين لمحاولات الإلتفاف على المطالب الشعبية… أما خبر الجريدة “ليبيراسيون” فما هو إلا حلقة جديدة تليها أخرى من إنتاج وتوزيع نفس الجهة التي تشرف على إعادة إنتاج النظام المنبوذ بواجهة جديدة.

  4. يقول ايوب:

    السطو عمل لايجيده غير اللصوص.والمنحرفين الذين تخلت عنهم السجون وعجزت عن اعادة تربيتهم من جديد..وما أكثر هذا اللفيف المتربص بحراك الشعب الجزائري….لكن .ستجري الرياح بماتشتهيه سفن الشعب… وبما لاتشتهيه(ياخوتات اللصوص )..وسيكون (شعب 2020) غير (شعب1962)….فشعب الستينات كان أمي وعلى نياته..على عكس شعب الألفية الثالثة..ألفية الفيس بوك والتويتر اللتان صفعتا وركلتا وجوه ومؤخرات هؤلاء اللصوص المنحرفين الطغاة…

    1. يقول حميد:

      وكأن قصة انتقام تبون لكرامة العمال المطرودين من شركة ” اوريدو” عبر طرد رئيس الشركة , مازالت من القصص التي يطرب الجزائريون لمثيلاتها

  5. يقول عادل:

    المسؤول السامي الوحيد الذي كان يعترف بالاخطاء ويقول اننا لم نقم بواجبنا هو الرئس بومدين رحمه الله

  6. يقول صالح/ الجزائر:

    1)- هي تبرئ زوجها لأنها تقارنه بأقرانه وليس بعامة أو بخيرة أبناء الشعب الجزائري .
    المتلبسون بفساد السرقة للمليارات مثلا ، من الذين ينطبق عليهم الشعار “كليتو لبلاد يا السراقين” ، لم يكونوا يقرون بالاختلاس ، وإنما كثيرا ما كانوا يصرحون ، في المحاكم و في الصحافة ، بأن ما أخذوه لا يساوي شيئا بالنسبة لما أخذه الآخرون .
    من حق المخلوقة أن تقول : زوجي مع الحراك.. وأنا كذلك! ، لأن من شب على شيء (من النفاق) شاب عليه .
    كنا ، قبل 12 جوان 1990 ، نشاهد قليلا جدا من الملتحين ، وأقل منهم بكثير ممن كان يطلق عليهم “لخوانجية” ، لكن عندما نجحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات 26 ديسمبر 1991 ، أصبحت الهجرة للحزب موضة لدى الكثير من الجماعات والأفراد ، رغم أن محلات بيع الخمور لم تتناقص .
    لأن أغلب المسؤولين الجزائريين ، الموصوفين بالإخفاق ، بعدم الكفاءة وفي كثير من الأحيان بالفساد ، عندما يكونون في مناصب الحكم والمسؤولية ، كانوا يدربكون للنظام ولفخامته ، لكن

  7. يقول صالح/ الجزائر:

    2)- بمجرد إزاحتهم من المناصب يتحولون إلى معارضين أشداء لهما ، ويدعون أنهم عارفين في مجالاتهم وعباقرة ونظيفي الكف وطاهري النفس مخلصين لوظيفتهم والوطن ، وإن هم كانوا لا يقوموا بخدمة البلاد والعباد فلأنهم كانوا يطبقون برنامج الرئيس ، فلهذا دمروا البلاد والعباد وثار ضدهم الشعب .
    وهذا دليل على أن رؤوس “النظام” الفاسد كانت تحبذ المداحين حتى ولو كانوا من الفاشلين والفاسدين لأنهم لا يسمعون ، لا يرون ولا يتفوهون .
    السطو والتمييع من خلال ادعاء كل الناس بأنهم أصحاب فضل، والمزايدة في منح أشخاص أفضالاً لا يستحقونها على حساب أصحاب الفضل الحقيقي . هذه الظاهرة ليست جديدة على المجتمع وليست خاصة على فئة دون غيرها . هناك من “الحراكيين” من سلط لسانه ضد “النظام” الحاكم وضد حتى الرئيس الجديد ، إلا أنه بعد ذلك قبل بمنصب الوزير.

  8. يقول صالح/ الجزائر:

    3)- لكن من حق الجزائريين ، شعبا وحكاما ، أن يحتفلوا (إن كان هناك احتفال) بالذكرى السنوية ل”الحراك المبارك” لأنه يمثل “إرادة الشعب التي لا تقهر” ولأن “الكثير من المواطنين فهموا أن ما دُمر خلال عقد من الزمن، لا يمكن إصلاحه وترميمه في شهرين” ، و ب” اليوم الوطني للأخوة والتلاحم بين الشعب وجيشه من أجل الديمقراطية” .
    لا أظن أن الصحيفة الفرنسية “ليبراسيون” تدربك ل”النظام” ، وإنما لمن كتبت عنهم . وهذا
    دليل آخر على أن هناك “الحراك المبارك” الذي أنقذ البلاد من الكارثة، و”الحراك” غير المبارك ، لأن هناك بوادر اختراقه من الداخل ومن الخارج ، وهذا ليس صحيا ولا يخدم لا الجزائر ولا “الحراك المبارك” نفسه .

  9. يقول حواس:

    تبون يقول أنه مع الحراك و داعم للحراك بل و جعل يوم بداية الحراك يوما وطنيا. و منذ أيام أصدر عفوا عن حوالي عشرة ألاف سجين من المجرمين, و لم يصدر عفو حتى على مسجون واحد من الحراك؟؟؟ الكلام في إتجاه و الأفعال في إتجاه, نصدق الكلام أم الأفعال؟

اشترك في قائمتنا البريدية