وأفلتت أعصاب الرئيس المؤمن محمد أنور السادات، وتلفظ بعبارات مثل (قف مكانك.. اتعلموا الأدب في مخاطبة الناس.. الزموا حدود الأدب)، ووصف الرئيس نفسه، برئيس (العيلة) ورئيس البلد، أما الموضوع الذي أغضب الرئيس فكان في مداخلة رئيس اتحاد طلبة جامعة القاهرة عبد المنعم أبو الفتوح، طالب الطب والمنضوي في تنظيم الإخوان المسلمين، وكان الزمان، بعد أسابيع قليلة من أحداث يناير 1977، ثورة الجياع كما وصفها الإعلام وانتفاضة الحرامية، كما أصر السادات على تسميتها.
بقامته الطويلة، ولحيته غير المشذبة في ذلك الوقت، كان أبو الفتوح يقف بثبات ويحاول مقاطعة السادات الغاضب وتفنيد أقواله، وكان الرئيس يشعر بأن طالباً صغيراً من الفئة التي أخرجها من العتمة ليطلق لها العنان في مواجهة الشيوعيين والناصريين يتمرد على سلطته الأبوية، ويرفض تبني رؤية السادات وروايته، وبعد ذلك الحدث بسنوات قليلة يعتقل أبو الفتوح في حملة اعتقالات سبتمبر 1981 مع مئات من معارضي اتفاقية كامب ديفيد، ليصبح أبو الفتوح بجانب موقعه القيادي في الإخوان المسلمين شخصاً يمتلك علاقات وطيدة مع مختلف أطياف الحركة الوطنية المصرية، لأن حملة السادات الشهيرة لحقت ببابا الأقباط شنودة الثالث الذي عزل ونفي إلى وادي النطرون، ومرشد الإخوان المسلمين عمر التلمساني، ومعهم شخصيات كبيرة مثل محمد حسنين هيكل وفؤاد سراج الدين.
يتحول السادات في 1981 إلى عدو وخصم للجميع، ويبدأ مشوار أبو الفتوح صديقاً للجميع، ولكن جيل ثورة يناير 2011 لم يكن قد ولد في تلك المرحلة، أو كان في طفولة لاهية عن كل هذه التطورات، والثورة التي انطلقت من غير رأس أو زعامة محددة، وحاول كثيرون اعتلاءها، لم تترك فرصة وسط الفوضى لإنضاج قيادة حقيقية يمكنها التوافق على الحد الأدنى من التمثيل، الذي يمكن أن يواجه تراث ثورة يوليو 1952 ومؤسساتها، فالجميع كان يحاول أن يخطف المشهد ويستقطب حوله بعض المناصرين، أو جماعات من الشباب التي تبحث عن الأبوة وسط ظرف تاريخي معقد يفوق قدرتها على الفهم، وفي وسط غرائزية الجماهير كان البرادعي يحاول أن يلتحف بغطاء سعد زغلول، ويلوذ حمدين صباحي بظل عبد الناصر، ويقفز عمرو موسى على ظهر شعبان عبد الرحيم وشهادته بأنه يحب عمرو موسى ويكره إسرائيل.
الجماعة كانت تتأهب لفرصتها التاريخية، حضرت متأخراً في الميدان، ولكن بطريقة منظمة، واستغلت قدرتها التنظيمية على تعزيز مناعة الميدان أمام محاولات الترهيب وفض المتظاهرين من استهداف كائن هلامي مجهول وغامض يسمى الطرف الثالث، إلى عشوائية وانحطاط موقعة الجمل، وبعد إعلان مبارك عن تنحيه أخذت الجماعة تمضي بصورة حثيثة وشهوانية لتحقيق مشروعها في التمكين، ولم يكن أبو الفتوح هو الشخص المناسب في هذه المرحلة، فالتمكين يتطلب شخصاً يمكنه أن يستوعب غرائزية الجماعة في مقاربتها للأوضاع السياسية، شخصا يمتلك رؤية لتمكين سريع بعقلية التاجر والمقاول والمدير التنفيذي، مثل خيرت الشاطر، أو شخص مطيع وغير تفاوضي يمكن أن يترجم توجهات الجماعة، مثل محمد مرسي، ورأت الدولة العميقة أن تدفع الشخص الأقل كاريزمية، فهو المناسب. في الانتخابات الأولى ومع أنه تحصل على دعم متنوع من وجوه متباينة الانتماءات السياسية، فكان خياراً يتقبله السلفيون والليبراليون، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لتمريره للجولة الثانية التي انحصرت بين محمد مرسي وأحمد شفيق وأخرجت المرحلة الغارقين في قسمة الغرماء، فبجانب أبو الفتوح الذي تصدى للسادات، كان زميله الجالس صامتاً حمدين صباحي خصماً في الانتخابات، واستغرقت وجوه الثورة التي تحلق حولها الشباب في قسمة الغرماء.
أبو الفتوح وبحكم تاريخه النضالي والوطني، ومهما كان الاختلاف حول رؤاه ومسيرته يجب أن لا يخضع من حيث المبدأ لتجربة المحاكمة
بعد انفضاض المهرجان الانتخابي بما حمله من طموحات مرتفعة وانفلات للأدرينالين الوطني، بدأت الدولة في تصفية وتحجيم المرشحين الذين تنافسوا في الجولة الأولى، فتواصلت إجراءات التضييق والعزل، وبقي أبو الفتوح يحاول التعامل مع الظروف الجديدة، إلى أن سقطت ورقته بعد لقائه مع قناة «الجزيرة» سنة 2018 وانتقاده للرئيس السيسي، وكانت قائمة بالاتهامات ذات الطبيعة السياسية في انتظاره بعد الوصول إلى مصر، وكالعادة تواصلت الإجراءات القانونية لفترة طويلة، وصولاً إلى صدور حكم قضائي بحبس أبو الفتوح 15 سنة، وهو الحكم المفرط في تطرفه قياساً حتى بالحاسة السياسية السليمة، وكأن الدولة اكتفت بتمكنها من استعادة حمدين صباحي لمشروع حوار وطني، ما زال غير واضح المعالم ولا الأهداف.
الشخصيات السياسية يجب أن تتحمل التكلفة السياسية والشعبية لوجودها وقراراتها، وبلد مثل مصر لم يمارس التطرف في تصفية الحسابات السياسية في تاريخه، منذ خروج الملك فاروق بكامل التشريفات العسكرية على متن يخته «المحروسة»، إلى محاكمة حسني مبارك بعد ثورة يناير، ورجل مثل أبو الفتوح بحكم تاريخه النضالي والوطني، ومهما كان الاختلاف حول رؤاه ومسيرته يجب أن لا يخضع من حيث المبدأ لتجربة المحاكمة في هذه الظروف وللأسباب التي حملتها لائحة اتهامه. لم تفعل دراما التاريخ ما تفضله من مفارقات وأعاجيب مع عبد المنعم أبو الفتوح، ولم تجعل الطالب الأعزل الذي تحدى رئيس الجمهورية الممعن في اعتداده بنفسه وغطرسته في الحديث، رئيساً بعد ذلك بعقود من الزمن، ولكن التراجيديا قالت كلمتها الأخيرة، وأصبح أبو الفتوح سجيناً بحكم متشدد على رجل في السبعين من عمره.
*كاتب أردني
*اللهم فك أسر كل مسجون ظلما وعدوانا.
حسبنا الله ونعم الوكيل في كل فاسد وظالم.
1..
واضح جدا ومن طبيعة الحكم اللاعقلاني على الرجل لتهم لا اساس لها، فكلامه في قناة الجزيرة لا يعارض اي قانون في مصر اللهم الا اذا اعتبره البعض من مطبلي السلطة نوع من ازدراء لرئيس الجمهورية فتلك عقوبتها لا تصل بأية حال من الأحوال إلى هذا الحكم الجائر ناهيك عن أن خبرة ابو الفتوح السياسية و الخطابية لا تجعله ينزلق إلى ما يؤاخذ عليه
كما أن تسريبات المسلسل اياه من قبل السلطة نفسها بعض النظر عن خرقها لكل خلق و عرف قويم بالتجسس على الناس دون علمهم (و لو كانت مصر دولة قانون لحوسبت السلطة نفسها على هذه التسجيلات و على تسريبها، لكن من يستطيع تعليق الجرس في رقبة الاسد؟!) اثبتت هذه التسريبات ان الرجل انفصل عن الجماعة بالتأكيد بل يعارض وصولها للسلطة و أقر بلسانه انه يفضل ان يأتي احد من العسكر و لا يأتي احد من الجماعة رئيسا لمصر!
2..
بالتالي اقول انه من الواضح أن هناك أمور أخرى شخصية من قبل رأس السلطة تجاه الطبيبب السياسي السبعيني تجعله لا يطيقه
و يريد له أن يتعفن و يموت في السجن موتا بطيئاً
و ذلك واضح من خلال تسريبات رأس النظام الانقلابي مع الصحفي الراحل ياسر رزق حين اتفقا على أن خروج ابو الفتوح من الجماعة لأسباب إدارية لا تجعله غير منتميا إلى الجماعة، علما ان التعبير الذي استخدم في الحوار المسرب كان مختلفاً و كان كالتالي :
لو أن فرد ما ينتمي إلى جماعة من الشواذ، فإن اختلافه معهم على أمور إدارية لينفصل عن تلك الجماعة لا يجعل منه غير شاذ!!
هذا هو الوصف الذي استخدم في حوار رأس النظام المسرب، بالتالي
هناك امر شخصي يجعل السيسي المنقلب ينظر إلى جماعة الإخوان و الى ابو الفتوح المنشق عنهم انهم مجرد مجموعة من الشواذ و كل من انتمى إليها يوما ما حتى لو انفصل عنها فهو شاذ
متناسيا ان جمال عبد الناصر نفسه كان في يوم ما منتمياً إلى الجماعة ثم انشق عنها!
و يلفت النظر ان وصف الشذوذ بالذات و ليس غيره هو الذي خطر على بال الرجلين في حوارهما!
فهل هناك مركب نقص تجاه هذا الأمر يحملانه من طفولتهما؟!
االخوف المزدوج من الخيانة المزدوجة هو تساوي الانتقام المزدوج مع الفرق في الإمكانيات. لهذا تظل الادارة
الدولية هي المحرك للانتقام ، و للانتصار ، والانهزام . اذن الطرفين عبيد.. ولا بكاء على العبيد