مصر ومسافة السكة الطويلة

يمكن أن يلمح المتابعون لمسار العلاقات المصرية ـ الخليجية إحباطا مبطنا يسود بعض العواصم الخليجية من الموقف المصري، الذي تراه غير كافٍ منذ بداية استهدافها من الجانب الإيراني في مطلع شهر مارس، وإذا كانت الأطر الرسمية لم تعبر رسميا عن موقف واضح، فالدوائر المقربة من مراكز القرار، في أكثر من دولة صرحت ولمحت بصدمة خليجية من السلبية المصرية تجاه الأحداث غير المسبوقة، وحاولت هذه الدوائر أن تخفض نبرتها لتتحدث عن بعض الأصوات المصرية التي بررت، أو قللت من خطورة الهجمات الإيرانية على دول الخليج لاستبقاء الدولة المصرية خارج إطار الانتقاد المباشر.
إلى جانب ذلك، توظف المواقف المصرية، التي أتت بعد غزو العراق للكويت لتظهر الهوة بين ما يتوقعه الخليجيون وما يرونه حاليا، وتعمق شعورهم بالخذلان وانكشاف ظهورهم، خاصة أن القاهرة كان يمكن أن تبدأ بإرسال مئات من الجنود إلى دول الخليج في لفتة رمزية، كما فعلت ألمانيا في مطلع العام الجاري عندما أرسلت 13 جنديا إلى جزيرة غرينلاند، بناء على طلب الدنمارك صاحبة السيادة على الجزيرة موضوع المطامع الترامبية.
ترى التقديرات المصرية أن التصعيد الإيراني تجاه دول الخليج يأتي في إطار انفعال انتقامي من الإيرانيين، بأكثر مما تمثل استراتيجية متماسكة يمكن أن تؤثر على دول الخليج في المدى البعيد، وأن دول الخليج لديها القدرات على التعامل مع القصف الصاروخي المتواصل، في الوقت الذي يوجد فيه الأمريكيون في مياه الخليج، ويقومون بالتعامل مع التهديدات داخلها. ضمن هذه الرؤية يفضل المصريون التراجع خطوة للوراء، لأنهم ينظرون إلى الصراع من زاوية أوسع تجعله جزءا من حلقات متصلة، وصلت إلى ذروتها مع الحرب على غزة وتفاعلت مع سقوط النظام السوري السابق، وتكتفي القاهرة بالحضور ضمن منظومة الوساطة القائمة، التي تجمعها مع باكستان وتركيا والسعودية، والتي هي بذرة لتكتل مرتقب يسعى إلى دور يتعامل مع النتائج التي ستترتب على الأزمة المفتوحة الحالية، بفرضية إنهاء المعادلة القائمة التي فرضتها طهران لأكثر من عشرين سنة، وتحييدها بوصفها مصدرا للتوتر الإقليمي، سواء من خلال إنهاء نظامها أو إعادة إنتاجه.

تخشى القاهرة أن تفهم أي تحركات ولو رمزية بأنها إعلان حرب، وهو ما لم تعلنه دول الخليج نفسها، وترى أن موقعها داخل الوساطة يؤدي خدمات أفضل لمصالحها وللمصالح الخليجية

هذه المبررات لا تظهر مقبولة لدى دول الخليج الأخرى، التي تجد أن القاهرة تفكر بمنطق من يده في الماء، مقابل الأيدي المعرضة للنار في الخليج، بل يظهر السؤال حول حقيقة استيعاب القاهرة لعلاقتها مع الخليج على مختلف المستويات. باستبعاد الاستثمارات والمساعدات الخليجية لمصر من المعادلة، بوصفها أتت كإجراءات لمساعدة مصر على تجاوز آثار وتفاعلات ما بعد ثورة يناير 2011، يبقى أن دول الخليج تستضيف أكثر من أربعة ملايين مصري في أسواق العمل لديها، معظمهم يحصلون على فرصة الوجود ضمن معاملة تفضيلية، تفرضها عوامل ثقافية وسياسية مختلفة، وترسل هذه العمالة تحويلات نقدية تتراوح بين 35 و40 مليار دولار سنويا تدخل السوق المصري بوصفها سيولة متاحة للاستثمار والانفاق، الأمر الذي يجعل للخليج دوره الهيكلي في الاقتصاد المصري، وتصبح سلامته واستقراره استثمارا مصريا بعيد المدى. في المقابل، تواجه القاهرة عقبات تقنية وميدانية تتعلق بطبيعة الحرب القائمة، وتصميم الجيش المصري، الذي على الرغم من قدراته الهائلة، ما زال يصنف جيشا تقليديا يتطلب حضوره مسرحا واضحا للعمليات، ومساحات اشتباك محددة، يمكن أن يظهر خلالها سطوته، وهو ما لا توفره هذه الحرب، التي يمكن اعتبارها الفصل الثاني من الحروب التي طرحت سؤال تكلفة الأسلحة الرخيصة مثل المسيرات في مواجهة تقنيات التصدي عالية التكلفة في الدفاعات الجوية، وهذه الحالة المغرية دفعت بالرئيس الأوكراني زيلينسكي لزيارة المنطقة في ما يمكن فهمه بمحاولة تسويق الخبرات الأوكرانية في هذه النوعية من الحروب.
تخشى القاهرة أيضا بأن تفهم أي تحركات ولو كانت رمزية بأنها إعلان حرب مبكر، وهو ما لم تعلنه دول الخليج نفسها حتى اللحظة الراهنة، وتنظر إلى موقعها داخل الوساطة بأنه يمكن أن يؤدي خدمات أفضل لمصالحها وللمصالح الخليجية، خاصة أن المصريين كما رشحت من أكثر من جهة تمكنوا من التواصل مع الحرس الثوري، الذي يظهر وكأنه ينفرد بالقرار الميداني داخل إيران، وفتحوا معه قنوات للاتصال يمكن أن تخدمهم لاحقا. إعادة التموضع في دور مصر والذي يمكن أن يفهم انكفاء ليس مستجدا، والإشارات التي لم يلتقطها الخليج، كثيرة والتحركات المصرية حتى في النطاق الحيوي للأمن المصري في ليبيا والسودان لا ترتقي للخطاب المعلن إعلاميا، وبذلك يمكن أن فهم العبارة «مسافة السكة» التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2016 جرى تحميله بأكثر مما ينبغي وبصبغة عاطفية أكثر منها واقعية تستند إلى قراءة الأولويات المصرية.
بعد عقد كامل تبدو مصر حاليا موزعة بين تحديات داخلية ضاغطة، حيث تتعالى المطالب الشعبية بثمار التضحيات التي بذلت خلال الأعوام الماضية، وتحديات إقليمية كبيرة، حيث تبدو إسرائيل متأهبة للاستحواذ على مزيد من النفوذ في المنطقة، من خلال تعدياتها المستمرة في سوريا، والاحتمالات المفتوحة على تأسيس وضع جديد في لبنان. لا تحمل مصر رؤية تتجاوز العبور من أزمة تفكيك وضع قائم قديم، كان عنوانه التمدد الإيراني المقلق والمكلف إلى مخاطر بناء نموذج إسرائيلي بديل، يحمل السطوة والهيمنة على المنطقة، وهو ما يمكن أن يحمل آثارا ارتدادية على الداخل المصري تتجاوز التفاعلات في دول الخليج التي تنشغل هي الأخرى بمقاربة أمنية جديدة، بعد ما رأته من تفرد أمريكي بقرار الحرب، على الرغم من التكلفة الباهظة، المباشرة وغير المباشرة، على دول الخليج.
انتقال محور التهديد لمصر من إيران البعيدة وغير الملموس أثرها، إلا من مدخل العلاقة الوطيدة والحيوية مع الخليج، إلى إسرائيل التي تحتل موقعا سلبيا كعدو وجودي إلى مصر، يدفع القاهرة إلى مقاربة أهدأ نسبيا، لأن إسرائيل المتوثبة التي ظهرت في الحرب على غزة تشكل مصدرا لقلق متعدد المستويات، وكانت مصر تفضل المراوحة في المنطقة الرمادية السابقة على الدخول في منطقة جديدة غامضة تمس توازنها القائم مع الجانب الإسرائيلي. ما زال الطريق مفتوحا أمام إعادة تمركز لمصر خارج فكرة ردة الفعل تجاه حدث كان مفاجئا للجميع في تفاصيله المتعاقبة، والطريق الممكن هو الحديث عن منظومة أمن إقليمي متكاملة تقوم على مبادئ واضحة ومستقرة لتكفل لدول الخليج ما تتطلع له من محيط هادئ، يمكنها من مواصلة استثمارها في التنمية وفي التأهب لمرحلة تراجع النفط بوصفه ميزة طاغية تجاه التداول والنقل على المستوى العالمي، والمعادن والطاقة البديلة، وجميعها تتطلب محيطا ايجابيا.
الخلاف بين مصر ودول الخليج ليس جوهريا، ولكنه يتخطى التوصيف الشكلي، واللفتات الرمزية المصرية كان يمكن أن تحضر، لتحدث نوعا من الطمأنينة في الخليج وتكون أرضية لحديث لاحق عن منظومة أمنية لا تقوم على الاستدعاء المتعجل ولا توحي بالفراغ في أمن الخليج، لتصبح مقولة مسافة السكة أمرا يمكن تصريفه وتحديده بصورة صائبة بعد أن وظفته المخيلة السياسية في خانة الكارت الجاهز للاستخدام من غير معاينة ما المطلوب تحديدا وكيف يترجم إلى فاعلية على الأرض. الحاجة تبدو ملحة لهذه المنظومة على أن تخرج أصلا من التصورات السابقة التي رافقت حرب الخليج الثانية تجاه توزيع مناسب للأدوار بين مختلف الأطراف والموازنة المستمرة بين الردع والاستقرار.

كاتب أردني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سامي الصوفي:

    مسافة السكة؟ لو عالجمل كان وصل الريس!

  2. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مصر ومسافة السكة الطويلة، انا مصري عربي انتمى للامة العربية رغم اقامتي في الخارج 54 عام ولكن لا اقبل أي شيء على بلدي مصر مهما كان المصدر ولم اسمح من أحد ان يهين أي دولة عربية مهما كان هذا الشخص، وهذا هو موقفي الثابت من البداية، ولكن هل معنى هذا ان نصمت على الإهانة؟ لماذا أقول هذا الكلام؟ هل أحد اهان مصر؟ أقول نعم، نعم، نعم، في كل ازمة تظهر على الساحة بين مصر وبين دول الخليج فورا يتم معايرة وتذكير مصر والشعب المصري: انتم أربعة او خمسة مليون تعيشون في بلادنا وترسلون مكاسبكم إلى مصر 35 او 40 مليار في سنة، ولا يكفي هذا بل انتم شحاتين، شعب شحات وحكومة شحاته، ونفس الكلام يقال في كل ازمة، وهنا المشكلة الحقيقية، ليس في الخلاف، بل في تكرار نفس الخطاب المؤلم وكأن العلاقة تختزل في المال فقط، وهذا غير مقبول ولا يليق بحجم مصر ولا بتاريخها، ويجب ان يفهم الجميع ان المصريين في الخليج يقفون مع الاقتصاد في جميع المجالات، ولولا احتياج الخليج لهذه العمالة ما تركتها تعمل، وللذكرة نفس الكلام سمعه السادات ورد السادات رد في منتهي القسوة، وأيضا فيه قلة الادب، ويجب ان تعرف الأجيال الصاعدة ان مصر عندما ( 1 )

  3. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    عندما كانت في وضع اقتصادي جيد لم تبخل على الدول العربية في أي شيء، ولا ارغب ان أعاير احد، ولكن مما يحزنني نكران الجميل، وفورا ينقلب البعض على الوجه الذي لا يليق بدولة في حجم مصر 110 مليون وشعب طيب ومسالم، وسأذكر موقف للعقيد معمر القذافي عندما حصل من الشعب الليبي بعض تجاوزت ضد المصريين ماذا فعل القذافي؟ عمل اجتماع للشعب الليبي في الميدان وذهب اعداد لا يستهان به، وامام الجميع بعد ان قال للحضور لماذا تتكلمون عن الشعب المصري بهذه الاهانات، وتعمد القذافي ان يكسر المكروفون وطلب من الحضور أي شخص يصلح المكروفون، ولم يتقدم أحد ولكن تقدم مصري وأصلح ما أفسده القذافي، ماذا فعل القذافي؟ هو أيضا مع الحرس يضربون الحضور بالبيض، وعلينا ان نتخيل رئيس دولة يفعل ما فعله القذافي، وأيضا صدام حسين له مواقف مشرفة مع الشعب المصري، ومع ذلك وقفت مصر مع الخليج في الحرب ضد صدام حسين لحماية ليس الكويت فقط بل المنطقة بالكامل، لأن مصر تنظر للأمن العربي ككل وليس بشكل جزئي، وصدام اطماعه ابعد بكثير من الكويت، ويعمل في الخليج الهنود تقريبا نفس عدد المصريين، ومعروف ( 2 )

  4. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    الهنود كرههم للدين الإسلامي بل الحقد عليه، والمسلمون يتم التنكيل بهم في الهند، ولم نسمع شيء يقال لحكومتهم، وللعلم هؤلاء الهنود في يوم من الأيام سيصبحون طابور خامس، ومن الممكن من الان هم طابور خامس، ومع ذلك هم على الرحب والسعة، ومن حقنا ايضا ان نقول كلمتنا، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ محيي الدين أحمد علي رزق إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9 / 10 / 1971 ( 3 )

  5. يقول ابو سلامه:

    السوآل هنا هل النظام المصري واعً لما حوله . هل هو آمن من اِسرائيل التي تدعي انها تطمع في شرق اوسط جديد .
    أين مصر من ذلك وهي المفروض فيها ان تكون درة تاج الشرق الاوسط . الشكر لتركيا التي اعطت دوراً كعنصر وساطه في موضوع الحرب الايرانيه ولكن مصر لم تسستغل هذه الفرصه . النظام ينتظر التفاته من الرئيس ترامب لحل مشكلة سد النهضه…… يا نظام مصر أخبرنا ماذا تريد وماذا تنوي ؟

اشترك في قائمتنا البريدية