«هم مجرد دراويش»، هذا كان الوصف الأشهر الذي قدمته المخابرات البريطانية للحراك الذي قاده الثائر محمد أحمد، الذي عرف بلقب «المهدي» نهاية القرن التاسع عشر. لم يكن ذلك التوصيف يشير فقط لكون المهدي ورفاقه مجرد متصوفة متحمسين، ولكنه كان يشير بشكل أقوى لبعد آخر أكثر سلبية، وهو أن هؤلاء الثوار ليسوا سوى مجموعة مسدودة الأفق السياسي وغير قادرة على القيام بتخطيط بناء بما يشكل خطراً فعلياً على الوضع الإقليمي الذي كان لبريطانيا اليد العليا فيه.
ورغم أن المهدي ودراويشه كانوا قد بدأوا ينتصرون في معارك متصلة، إلا أن وجهة النظر البريطانية كانت ما تزال هي التقليل من شأنهم، ومما يحققونه من تقدم. في وقت لاحق سيرد سياسيون فاعلون تلك الهزائم المريرة أمام جيش المهدي، لأسباب داخلية متعلقة بالجيش الغازي وليس لأسباب تتعلق بقوة الطرف الآخر. هذا هو ما فعله ونستون تشرشل حين رد هزيمة الجيش المختلط (بريطانيا ومصر) في معركة شيكان 1883 لكون ذلك الجيش المختلط لم يكن منضبطاً بما يكفي، ما عجّل بهزيمته. كان ذلك الجيش بحسب وصف تشرشل: «أسوأ جيش سار على وجه الأرض، بلا تدريب أو نظام أو مرتبات»، كما «كان له من الروابط مع أعدائه ما يفوق ما له مع قادته».
قد يكون في تعليق تشرشل على تلك المعركة الحاسمة بعض التحامل المفهوم، لكن عبارته تعيد إلى أذهاننا بعض الحقائق التي منها تلك العلاقة الخاصة والتاريخية بين شعبي وادي النيل، وهو العامل الذي سيلعب لاحقاً دوراً مهماً في السياسة الاستعمارية تجاه كل من مصر والسودان. كان كثير من الجنود المصريين لا يستطيعون فهم منطق تلك الحرب، ما جعلهم لا يرون حرجاً في الهرب وعدم التقدم، خاصة أن عصب تلك الحملة كان بقايا جيش الثائر الآخر على الجانب الآخر من الوادي، أحمد عرابي.
لم يمض وقت طويل على تلك الهزيمة حتى كان جيش المهدي يقترب من الخرطوم. رد الفعل الاستعماري تجاه ذلك الاقتراب كان أقرب للامبالاة، إما بسبب أن السلطات البريطانية كانت ما تزال ترى أن هذه الحركة لا تشكل تهديداً إقليمياً جاداً، أو بسبب عدم وجود قدرة أو رغبة قوية في تحمل تكاليف الاحتفاظ بالحدود السودانية. كان للجنرال غوردون المتحصن في الخرطوم وجهة نظر أخرى. كان يؤمن بأهمية هذه المنطقة وبضرورة بقاء بلاده فيها. اللافت أنه، وحتى مع اقتراب الخطر وتحوله لحقيقة وشيكة، فإن غوردون كان يكتفي بإبعاد النساء والأطفال، بدون أن يفكر هو نفسه بالانسحاب أو بوضع خطة بديلة للهرب أو النجاة. في تلك المرحلة بدا غوردون متصوفاً على طريقته الخاصة، ومقتنعاً بأنه هنا لأجل تقديم رسالة تبشيرية في مواجهة بربرية الدراويش. بفضل هذا الإيمان تولدت قناعة لديه بأن بريطانيا لن تتركه وأن السماء سترسل له في الوقت المناسب من ينقذه وينقذ الخرطوم من السقوط بين يدي زمرة من المهووسيين.
انتظر غوردون لوقت طويل في حين كانت النقاشات تتصاعد في لندن، حول ما يجب فعله. بدا الأمر وكأن الحكومة البريطانية قد تخلت عن رجلها في الخرطوم. في الواقع فقد تحركت فرقة إنقاذ متباطئة، لكنها لم تصل، لسوء حظ القائد البريطاني، إلا بعد أن كان الأوان قد فات. لم تدم الدولة المهدية لأكثر من خمسة عشر عاماً، وهي بلا شك فترة شديدة القصر في تاريخ الأمم، رغم ذلك فإن التغيرات وعمليات التأسيس الاجتماعي التي وضعتها الحركة المهدية ما تزال مؤثرة على الوضع السوداني حتى اليوم.
كانت المهدية حالة خاصة امتزج فيها اليقين الصوفي بالحرب والدروشة بالسياسة
من اللافت أن الحركة الثورية المهدية، ومن ثم الدولة التي بنيت عليها قد وجدت كثيراً من المدح ليس فقط على الصعيد الوطني السوداني، بل العربي أيضاً. هذا المديح كان محل إجماع من قبل أشخاص وجماعات بتوجهات فكرية مختلفة، فقد رأى الإسلاميون في المهدية تجربة متقدمة للحكم الإسلامي، في حين رأى فيها القوميون العرب وغيرهم من العلمانيين والليبراليين ثورة ناجحة ضد النفوذ العثماني/الإسلامي، الذي كان يضم إسمياً أو فعلياً كل المنطقة تحت مظلته. البعض حاول توظيف النقطة الأخيرة ووضعها في سياق الحراك العربي للخلاص من السيطرة العثمانية، وهو ما سيسمى في بداية القرن العشرين بالثورة العربية الكبرى، التي ستساهم في تقويض الخلافة الإسلامية. «ثورة» ساهمت فيها القوى الاستعمارية بالتخطيط وتولي القيادة، وبتغذية المبالغات المجحفة في سرد أخطاء الحكم العثماني، كما ساهمت فيها شخصيات عربية سياسية وثقافية كان ترى أن طريق التقدم الوحيد يكمن في التخلص من نظام الخلافة والانفصال عنه لتكوين اتحاد عربي بديل.
كان تحمس الإسلاميين للدولة المهدية مفهوماً، لكن حماس القوميين لها لم يكن يخلو من تناقضات، سرعان ما تم الانتباه لها، وهي التي تتمثل في أن مدح هذه التجربة هو بشكل ما مدح للمشروع الإسلامي الذي كان قد دخل في حالة من التنافس مع غيره من المشاريع الليبرالية والعلمانية، التي حاولت بناء مشروع نهضة بمعزل عن المرجعية الدينية. ليس هذا فقط، ولكن إدخال السودان في سياق الحراك من أجل الثورة العربية، لم يكن أيضاً متسقاً مع السياق التاريخي الذي يخبرنا أن تلك الدولة العربية الموحدة الكبرى، التي كان يحلم بها بعض سياسيي المشرق لم تكن في الغالب، حتى إن تحققت، لتشمل بلاد السودان.
في وقت المهدية كانت الامبراطورية العثمانية قد بدأت تتآكل، وكانت قبضتها قد بدأت تخف بالفعل على كثير من الأقاليم التي كان على رأسها الإقليم المصري، الذي لم يكن تحت سيطرة العثمانيين بقدر ما كان واقعاً تحت السيطرة البريطانية، التي امتدت لتشمل أجزاء واسعة من السودان. أبرز مثال على هذا هو أن بريطانيا دفعت قائدها المخضرم غوردون من أجل المساهمة في استعادة الإقليم السوداني، الذي خرج بشكل شبه كامل عن النفوذ المصري بعد الثورة. هذه المفارقة وغيرها تدل على أن إطلاق اسم «الحكم التركي المصري» أو «الحكم العثماني» على تلك الحقبة التي سبقت قيام دولة المهدي ليس دقيقاً من الناحية الواقعية، وإن كان شائعاً.
من المبالغات الرائجة كذلك الحديث عن الظلم والتجبر الذي مارسه الأتراك، وعن الضرائب الباهظة التي كانت مفروضة على الأهالي، والتي تسببت في حماس الناس للثورة بغض النظر عن أيديولوجيتها. هنا يجب أن نتذكر أن الضرائب لم تخف بعد الثورة، بل زادت والحالة الاقتصادية لم تتحسن بشكل عام، بل ازدادت سوءاً بسبب السياسات الخاطئة وموجات الحروب. أما التجبر في عهد المهدية فقد وصل درجة أبعد بكثير، حيث كان الإيمان بالمهدي يساوي الإيمان بالله ورسوله، وكان كل من لا يقر بهذا يدخل تحت طائلة العقوبات القاسية التي تصل حد الإعدام بتهمة الردة، الحكم الذي تعرض له بالفعل عدد من شيوخ القبائل ومن علماء الدين ممن كانوا يرون في الدعوة المهدية مجرد بدعة.
كانت المهدية حالة خاصة امتزج فيها اليقين الصوفي بالحرب والدروشة بالسياسة. هذا الامتزاج النادر لعب الدور الأهم في تأسيس الدولة وفي تغلبها على بعض التحديات في البداية، لكنه ساهم أيضاً في ذبول المهدية السريع وسقوطها.
كاتب سوداني