ssسامي مهديsssppصدر حديثاً في بغداد كتاب جديد عنوانه (إشكالية الرواية والرواة ـ دراسة في رواية الشعر العربي قبل الإسلام). ومؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عبد اللطيف حمودي الطائي أستاذ الأدب العربي القديم في كلية الآداب بجامعة بغداد. لكن موضوع هذا الكتاب ليس بالجديد، فقد بدأت مشكلة الرواية مع بداية تدوين الشعر الجاهلي في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، عندما انقسم رواته إلى فريقين متنافسين (بصريين وكوفيين) وراح كل فريق يطعن في روايات الفريق الآخر، وواصل هذه المنافسة بعض تلاميذهم وأنصارهم فاستمرت قروناً، حتى إذا بلغ الأمر عصرنا الحديث اتكأ بعض المستشرقين على تلك الطعون واتخذ منها ذريعة للطعن في أغلب الشعر الجاهلي، وفي صحة نسبته إلى ذلك العصر، وشكك حتى في حقيقة وجود الكثير من شعرائه، وكان في مقدمة هؤلاء: د. س. مارغوليوث. ppp وكان أبرز من أخذ برأي المستشرقين من العرب المحدثين الدكتور طه حسين في كتابه المشهور (في الشعر الجاهلي) الصادر عام 1926، فقد شك، بل شكك، في (قيمة) هذا الشعر، وفي حقيقته، وحقيقة شعرائه، حتى انتهى به الشك (إلى ما يشبه اليقين) بـ (أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين) و(أن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جداً لا يمثل شيئاً ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي) حسب قوله. إذن فالإشكالية التي تصدى لها الدكتور الطائي، صاحب الكتاب الجديد، ليست جديدة، وقد تصدى لها آخرون قبله، منهم مستشرقون ردوا على مارغوليوث وفندوا آراءه مثل: جارلز جيمس ليال وجورجيو ليفي دلافيدا، ومنهم أدباء مصريون ردوا على كتاب الدكتور طه حسين بعد صدوره في مقالات كثيرة وفي كتب مثل: نقد كتاب الشعر الجاهلي لمحمد فريد وجدي، والشهاب الراصد لمحمد لطفي جمعة، ونقض كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد الخضر حسين، ومحاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي للشيخ محمد الخضري، والنقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي لمحمد أحمد الغمراوي، وكذلك فصول من كتاب (تحت راية القرآن) لمصطفى صادق الرافعي. وقد تناولت هذه الكتب بالنقد المنهج الذي اعتمده الدكتور طه حسين في تأليف كتابه، وفندت فروضه وحججه واستنتاجاته، وكشفت ما انطوت عليه من تناقضات، ومن تحريفات للأخبار التي اعتمدها في بناء بعض فروضه وطوعها لخدمة استنتاجاته، ثم ما كال للرواة من اتهامات بهذا الشأن، وما جاء به من أسباب للوضع والنحل. غير أن أهم المؤلفات العربية التي تناولت هذا الموضوع في رأيي هو كتاب الدكتور ناصر الدين الأسد: مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية. فهو، والحق يقال، كتاب جامع مانع في موضوعه، فقد درسه من جميع جوانبه دراسة متأنية، ولم يدع شيئاً يتعلق به من قريب أو من بعيد إلا وعرض له ووضعه في سياقه من بحثه. واستعرض في هذا البحث شتى الآراء، وناقشها بموضوعية وتجرد قبل أن يعطينا رأيه فيها. وإلى جانب هذا الشمول في البحث اتسم منهج الكتاب بالحذر والتدقيق وتغليب العقلانية العلمية على العاطفة القومية. وبرغم أن الأسد اقتصر على دراسة الشواهد الخارجية، بخلاف طه حسين الذي اعتمد على الشواهد الداخلية في أغلب الأحيان، كان كتابه في جملته أقوى رد عليه وأشمل من سائر الردود. فالشواهد الداخلية التي اعتمدها الدكتور طه حسين ذاتية المقاييس، تلعب فيها الأهواء والتخمينات والمبالغات، وربما الألاعيب اللفظية، أما الشواهد الخارجية فمقاييسها موضوعية بحكم طبيعتها. ولعل من المهم أن نلاحظ هنا أن مارغوليوث كان قد بدأ منذ أوائل القرن العشرين بنشر ثلاثة مقالات في الأقل يشكك فيها عرضاً بالشعر الجاهلي، ثم خصه بمقال كامل نشر في مجلة الجمعية الملكية في تموز (يوليو) عام 1925، أي قبل أن ينجز طه حسين كتابه بشهور. ومن يقارن بين الأفكار الرئيسية التي وردت في هذا الكتاب وتلك التي وردت في مقال مارغوليوث، وخاصة ما يتعلق منها بالأدلة الدينية والأدلة اللغوية، لا بد أن يلاحظ أن طه حسين أعاد إنتاج أفكار هذا المستشرق وتوسع فيها بما يملكه من معرفة واسعة بالأدب العربي، وكان هذا أحد الطعون التي وجهها النقاد إلى كتابه. لقد قرأت كتاب الدكتور طه حسين منذ زمن بعيد، وأعجبت به في حينه وإن لم أقتنع بالكثير مما جاء فيه. وحين عدت إليه اليوم، عند كتابة هذا المقال، وجدت فيه من الشطط في الافتراض والتعسف في الاستنتاج، ومن المبالغات وتحريف المقولات واللعب بالألفاظ، بقدر ما وجدت من الجرأة في مناقشة الأفكار والمفاهيم القارة. فهو وإن بدا كتاباً تنويرياً في تصديه لهذه الأفكار والمفاهيم، بدا في الوقت نفسه مضللاً في تطبيق منهجه واستراتيجيته. ففي مقابل الافتراضات الكبيرة والخطيرة التي افترضها لم أجد عنده سوى حجج مركبة بمنطق شكلي يستثمر قلة ما توفر من معلومات عن العصر الجاهلي ليضفي عليها قدراً من العقلانية والتماسك ويبني عليها استنتاجات مصوغة بلغة الظنون والاحتمالات، ولكنه يعاملها معاملة الحجج الدامغة. وقد اعتمد في تطبيق منهجه استراتيجية التشكيك المطلق في كل ما يتعلق بالعصر الجاهلي، واتبع في تنفيذ هذه الاستراتيجية ما يمكن أن أسميه: تكتيك التشويش والإيهام، سواء تعمد ذلك أم لم يتعمده. فهو يبدأ كل مبحث من مباحث كتابه بإحاطة مسألة ما من المسائل بشكوك يبني عليها فرضيته، وما يكاد ينتهي منها حتى يلقي بشكوك جديدة على مسألة أخرى تتصل بها، ثم يواصل هذه الطريقة مرة بعد أخرى حتى يجد قارئه نفسه في زوابع متلاحقة من الشكوك تشوش تفكيره فلا يكاد يقوى على التقاط أنفاسه ليتثبت من مشروعيتها. وهذا ما أسميه: التشويش. أما الإيهام فهو يلقي في روع قارئه بأن ما استنتجه بشأن هذه المسألة أو تلك حقيقة قد برهن تواً على صحتها فلم تعد تقبل النقاش، وهي في واقعها مجرد استنتاج شخصي يمكن أن يفند ويدحض، ولكنه لا يمهل قارئه ليراجع نفسه ويفنده، بل يبني على هذا الاستنتاج استنتاجاً آخر شبيهاً به، ثم آخر فآخر، حتى يجد القارئ نفسه في متاهة من المزاعم المفروضة عليه وكأنها حقائق ثابتة متفق عليها. ولكن مع ذلك لا تقوى فرضيات الدكتور طه حسين واستنتاجاته على الصمود في أي حجاج علمي دقيق، أو أية مناقشة متأنية كهذه التي تنكب لها الدكتور ناصر الدين الأسد. وإذا كان في كتابه ما يحمد عليه فهو جرأته المبكرة في وضع الأفكار والمفاهيم القارة موضع المساءلة والنقد، وهي جرأة كانت بنا، وما تزال، حاجة إليها، ولكن شرط أن تلتزم بمتطلبات البحث العلمي وشروطه. أما الدكتور الطائي، مؤلف الكتاب الجديد، فقد أعرض عن كل جهد تقدم جهده في بحث هذا الموضوع، كما لو كان موضوعاً بكراً لم يسبقه إليه أحد في عصرنا، واكتفى في بحثه بالعودة إلى المصادر والمراجع العربية القديمة واستخراج شواهده منها. وقد يكون معذوراً في ذلك، فالمؤلفات التي تصدت لكتاب الدكتور طه حسين قديمة نسبياً، وهي ليست ميسورة للباحث العراقي، وقد لا تكون موجودة إلا في دار الكتب المصرية. ولكن كتاب الدكتور ناصر الدين الأسد موجود ميسور، وثمة دلائل تؤكد أن الطائي ذهب إليه كما ذهبت، واستفاد من أفكاره كما استفدت، وتأثر بمنهجه ومناقشاته، ولكنه لم يشر إليه بوصفه مرجعاً من مراجعه، بل اقتصر على ذكره ذكراً عابراً في متن أحد فصول كتابه. يتكون كتاب الدكتور الطائي من أربعة فصول، تناول في أولها الرواية الشفوية لغة واصطلاحاً، وحدد أنواع الرواة، وقدم قائمة بأسماء من سماهم الدكتور الأسد: الرواة العلماء، وبيّن محاسن الرواية الشفوية ومساوئها، ثم انتقل إلى مشكلة النحل والانتحال والوضع، وذكر أسباب هذه المشكلة وبواعثها. أما الفصل الثاني فخصصه للدفاع عن حماد الراوية، ففكك فيه الأخبار التي اتهمت هذا الرجل بالوضع، ونقدها نقداً داخلياً، وكشف دوافعها وبطلان التهم التي وردت فيها، وانتهى إلى تبرئة حماد من تهمة الوضع والنحل، وعده من الرواة العلماء الموثوق بهم. وأما الفصل الثالث فخصصه للدفاع عن الراوية خلف الأحمر، وذهب فيه مذهبه في الفصل الثاني وانتهى به إلى النتيجة نفسها. ثم انتقل إلى الفصل الرابع وتناول فيه الرواية المكتوبة للشعر الجاهلي. فالعرب، كما ثبت قطعاً، كانت تعرف الكتابة منذ القرن الثالث الميلادي في الأقل، وكان كثير من الشعراء الجاهليين يكتبون، وكانت للقبائل كتبها التي تجمع فيها أخبارها وأشعارها، وكثير من هذه الكتب وصل عصر التدوين واستفاد منها الرواة في جمع الشعر الجاهلي وتدوينه، مثلما استفادوا من الرواية الشفوية. على أننا حين نقارن بين كتاب الدكتور الطائي وكتاب الدكتور الأسد لا نكاد نجد في الأول أي جديد يضاف إلى ما جاء به الثاني، بل ان الثاني، كتاب الأسد، أشمل وأدق وأوفر في أفكاره ومعلوماته ومعالجاته. فالطائي ذهب إلى مشكلة الوضع والنحل مباشرة دون أن يدخل في تفاصيل الشكوك التي أثارها مارغوليوث وطه حسين من بعده. ولعله رأى أن الذهاب إلى الاتهامات في مظانها القديمة وتفكيك نصوصها واقتلاعها من جذورها أجدى من الخوض في تفاصيل تثير المزيد من التساؤلات والالتباسات. وهذه وجهة نظر كانت ستكون وجيهة لو أن المشكلة اقتصرت على تلك الاتهامات ولم يجيء مارغوليوث وطه حسين بشكوك أخرى تتعلق بحقيقة الشعر الجاهلي نفسه وحقيقة شعرائه، ولا تقتصر على ذمم رواته. ولذا يبقى كتاب الدكتور ناصر الدين الأسد هو المرجع الأساسي في كل ما يتعلق بمصادر الشعر الجاهلي وقضايا روايته وتدوينه، ويظل أقوى الردود على تلك الشكوك وأشملها وأبلغها، كما لو أنه لم يترك زيادة لمستزيد. شاعر من العراق84