مسودة «قانون تنظيم النشر والصحافة والإعلام» الفلسطيني: هناك ما يدعو للقلق

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: تسرّب إلى مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية نص لمسودة قانون قرار بشأن تنظيم النشر والصحافة والإعلام لعام 2023. وعلى الفور أصدرت 21 مؤسسة إعلامية وحقوقية ومجتمع مدني بيانا على شكل صرخة.
وعكس بيان مؤسسات المجتمع المدني خطورة التشريع المقترح على حرية الرأي والتعبير والحريات الإعلامية، كما أكد الموقعون على البيان على أن مثل هذا النوع من التشريعات ينعكس سلبا على القضية الفلسطينية وصورة فلسطين في الخارج ومدى اعتبارها دولة ديمقراطية متمدنة تلتزم بالاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها وبالتالي تستحق الحرية والاعتراف الدولي بها.
ورغم ما عكسه البيان من رفض مطلق وتام لهذا التشريع المقترح فإنهم أعلنوا بأنهم سيمارسون كافة الوسائل والأدوات القانونية والدستورية للضغط على الحكومة الفلسطينية ومنع إصداره.
ولأجل هذا الغرض دعت مؤسسة الحق (منظمة فلسطينية مستقلة لحقوق الإنسان. تأسست في عام 1979) لعقد جلسة نقاش حول القانون المقترح في مؤسسة عبد المحسن القطان غابت عنها نقابة الصحافيين الفلسطينيين ووزارة الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة.
وحسب الحقوقي شعوان جبارين، مدير مؤسسة «الحق» فإنه في الحالة الفلسطينية ما يقلق، ويضيف: «النظرة الإجمالية لحال البلد وما يحدث فيه من قرارات بقانون مثل: قانون الجمعيات وقانون الشركات غير الربحية..الخ تجعلنا ندرك أن هناك خيطا ناظما يجمع كل هذه القوانين، وهو منطق السيطرة والهيمنة والتحكم وإغلاق الباب، وهو أمر يدفعنا إلى القلق.
ويرى أن مشروعا أو مسودة تحمل اسم «تنظيم النشر والصحافة والإعلام لعام2023» لا تخرج عن هذا السياق وهو ما يقلق فعليا.
ويقول جبارين: «المسألة لم تعد مسألة إعلامية، إنما هناك عقل واحد ووحيد ويعبر عن سوء نية وعدم إدراك لما يحتاجه البلد من ناحية، إلى جانب التناقض بين قرارات القوانين والتزامات فلسطين الدولية، فكل ما توقع عليه السلطة غير حاضر في القوانين الجديدة وتحديدا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية».
وتابع في ندوة نظمتها مؤسسة»الحق» في مؤسسة عبد المحسن القطان بحضور صحافيين ومؤسسات ودور نشر: «زمان كانت المشكلة أن كل يد في البلد تصفق لوحدها، أما اليوم فكل أصبع في اليد الواحدة يصفق لوحده، أما الناظم بين كل الأصابع التي تصفق فهو أنها تعمل بمنطق إغلاق الباب والتحكم والسيطرة».
ويسخر جبارين قائلا: «نسي المشروع الجديد الذي أعلنوا من خلال التواصل معنا أنه ليس رسميا ولم يناقش، ونسي السيطرة على الإعلام الحزبي، إنها غلطة كبيرة كان يجب ان ينتبه لها لتكتمل دائرة السيطرة».
وشدد في نهاية مداخلته على أهمية تدارس وتدارك ما يحدث في البلد، فالمسألة أكبر من نص أو مسودة «المشكلة في عقل يكمن داخله السيطرة والتحكم بعيدا عن الحرية والاستقلال والمجتمع المدني».
وجاء في نص بيان مؤسسات المجتمع المدني والهيئة المستقلة لحقوق الانسان أن مشروع «تنظيم النشر والصحافة والإعلام تمت صياغته وإعداده بصورة سرية».
وتابع البيان: «من المفارقات التي تسجل على الحكومة الفلسطينية ووزارة الاعلام أن هذا التشريع والذي ينظم حقوق النشر والإعلام والصحافة تتم مداولته بصورة سرية وبعيدا عن النشر والمشاورات المجتمعية والمؤسسات المجتمعية والإعلامية التي تعتبر المخاطب والمتأثر الرئيسي بأحكامه».
وشدد على أن التشريع المقترح تضمن أحكاما تمثل خرقا وانتهاكا صريحا للمبادئ والمعايير الدولية ذات العلاقة بالتشريعات الناظمة للحريات الاعلامية والصحافية التي كرستها الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ومن ضمنها تلك المعاهدات التي وقعت عليها دولة فلسطين وأصبحت ملزمة بأحكامها. كما أن بعض الاحكام الواردة في هذا التشريع المقترح تمثل انتهاكا ومخالفة دستورية للمبادئ التي نص عليها القانون الأساسي الفلسطيني المعدل بخصوص الحقوق والحريات الإعلامية والصحافية وحرية الرأي والتعبير».

نهج رجعي

وعلق الباحث في مؤسسة أمان، بلال البرغوثي، أن المسودة تضمنت كما كبيرا من المخالفات «فمثلا هناك مساس بمكافحة الفساد، وكذلك بحرية الرأي والتعبير، وممارسة العمل والحصول على التمويل في مؤسسات المجتمع المدني، كما أنه يمس بالحقوق الدستورية ويظهرنا دولة تسير بنهج رجعي ولا تستحق التحرر».
وأكد أن القانون يعكس نهج التشريعات والممارسات السياسية والقانونية ونهج تعزيز الهيمنة وتعزيز السيطرة على مفاصل السلطة الحاكمة.
وتابع: «ولأن القانون يمس بمفهوم النزاهة فهو يعكس حالة من الفساد السياسي بامتياز حيث تتم تنحية التشريعات التي تعزز الشفافية جانبا».
وتحدث عماد الأصفر ممثلا عن مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت، معتبرا أن الاجتماع الاستباقي خطوة مهمة، لكن لا يجب أن نرفض القانون ونقده كما حدث مع قانون الضمان الاجتماعي.
وشدد على أن المسودة يمكن النظر إليها على أنها لم تعد قائمة (في ظل تنصل الجهات الرسمية منها) لكن النوايا ما زالت قائمة، وهو ما يفرض على الإعلاميين ومؤسسات المجتمع المدني التحرك والعمل على وضع قانون ينظم العمل الصحافي وكل المؤسسات التي تنضوي تحت لواء الإعلام والنشر.
وطالب بأن تكون هناك رؤية واضحة وشاملة وواسعة، رؤية ترفض أي قانون يصاغ ويقر من دون أن تكون الفئات التي ينظم عملها طرفا فيه «وهو أمر يؤكد على أهمية أن يضع أصحاب الشأن قانونهم الذي ينظم مهنتهم».
وطالب الأصفر بالعمل على تشكيل لوبي ضاغط لتنظيم رؤية قانونية مناسبة للإعلام وتراعي التطورات التي تحدث في المجال.

مخالفات في الجملة

وتحدث المستشار القانوني لمؤسسة «الحق» أشرف أبو حية عن المخاطر التي حملتها المسودة الجديدة التي تعكس نهجا قائما على عدم المشاركة، ومعززة بفرض القيود والتحكم، وغياب لكل الالتزامات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
وعرض ورقة بحثية تقيميه لمسودة القانون تناولت مختلف جوانب المسودة المكونة من 29 صفحة و(73 مادة).
ومن أبرز المخالفات أن المسودة تتعارض مع المعايير الدولية المتمثلة بالفحص ثلاثي الأجزاء (Three Part Test) للحكم على سلامة أيّ ضابط أو مصطلح يرد في مجال حرية الرأي والإعلام على المستوى التشريعي، حيث تبين بفحص ما ورد من مصطلحات وضوابط في التشريع المقترح أنه مليء بمصطلحات غامضة وضبابية تفتح المجال واسعا للسلطات والصلاحيات التقديرية للسلطة التنفيذية في تقييد الحريات الاعلامية وملاحقة الصحافيين وأصحاب الرأي جزائيا ومعاقبتهم، كمصطلحات (السلم الأهلي، الرواية الفلسطينية التاريخية، تعكير صفو العلاقات بين الدول، الأخلاق والآداب العامة).
وقال إن التشريع المقترح يسعى الى تعزيز وصاية السلطة التنفيذية ممثلة بوزارة الإعلام ومن ورائها المؤسسة الأمنية على المؤسسات الإعلامية والصحافية والمؤسسات البحثية والمواقع الإعلامية من خلال فرض مفهوم الترخيص والحصول على الموافقات والأذونات لممارسة أعمالهم تحت طائلة الملاحقة الجزائية، على نحو يتعارض مع ما هو سائد في النظم الديمقراطية التي تتبنى أسلوب «الإشعار» والذي يعني الاكتفاء بإعلام الجهات الرسمية بإرادة استخدام «الحق الدستوري» في إنشاء وسائل الإعلام وممارسة النشاط الصحافي والاعلامي.
وأكد أن التشريع المقترح يمنح صلاحيات للسلطة التنفيذية في اعتماد الصحافيين والإعلاميين العاملين في فلسطين المحليين والأجانب وإصدار البطاقات الصحافية لهم، بما يمثل تعديا صارخا على حرية التنظيم النقابي ودور نقابة الصحافيين في هذا الموضوع وبما يفتح المجال للتدخل الأمني في عملية اعتماد وعمل وحرية الصحافيين في فلسطين.
ويفرض التشريع المقترح وصاية غير مبررة للسلطة التنفيذية على المؤسسات البحثية والدراسية خصوصا فيما يتعلق بمراكز الدراسات والأبحاث ومراكز قياس الرأي العام بما يقيد ويحد من قدرة وحرية مؤسسات المجتمع المدني في البحث وجمع المعلومات العامة الذي يمكنها من ممارسة حقها الدستوري في المشاركة وتوجيه النقد والمساءلة لمن يتولون وضع السياسات العامة وإدارة الشأن والمال العام.
كما يتيح للسلطة التنفيذية التدخل في عمل القطاع الخاص المستثمر في المؤسسات الإعلامية والصحافية من خلال اشتراط الموافقة والرقابة على رأس مال المؤسسات الإعلامية ومصادر تمويلها واشتراط الموافقة المسبقة على المنح والتبرعات والتمويل الذي يقدم للمؤسسات الإعلامية على نحو يتعارض مع حرية ممارسة النشاط الاقتصادي المكفولة في القانون الأساسي، وبصورة تتيح للسلطة التنفيذية خنق المؤسسات الإعلامية والسيطرة عليها من خلال الرقابة واشتراط الموافقة على التمويل.
ويمنح التشريع المقترح السلطة التنفيذية تعليق ووقف المؤسسة الإعلامية عن ممارسة نشاطها بصورة تتعارض مع نص الفقرة 3 من المادة 27 من القانون الأساسي المعدل التي نصت على انه: « 3 ـ تحظر الرقابة على وسائل الإعلام، ولا يجوز إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغاؤها أو فرض قيود عليها إلا وفقاً للقانون وبموجب حكم قضائي».
وشدد متحدثون خلال اللقاء أن خطورة المسودة أنها تأتي مرتبطة بمحورين، الأول يتمثل في أن الأجهزة التنفيذية الرسمية تمارس على أرض الواقع أكثر مما ذكر في المسودة في جزئية علاقة السلطة مع وسائل الإعلام، فالمسودة تعكس الحال والواقع في الميدان، وثانيا أنها تشير الى أنها وغيرها من التشريعات الجديدة تعكس خدمتها لحالة وأجندة سياسية مقبلة، فهناك من يسعى إلى تعزيز نهج السيطرة والتحكم في ظل الحديث عن تحول سياسي آت في ظل التجهيزات لخلافة ما بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية