باتت مواسم الزيارات الدينية في العراق تمثل محنة حقيقية على عدة أصعدة؛ أمنيا واقتصاديا وخدماتيا. فالزحام يخنق العديد من المدن وفي مقدمتها العاصمة بغداد، أما بقية المحافظات فإن الاختناق يرتبط بمدى قربها أو بعدها عن مركز الزيارة الدينية. ونحن نعيش هذه الأيام إحياء ذكرى وفاة الإمام موسى الكاظم، ونشهد ما تعانيه العاصمة في كل عام مع حلول هذا الموسم، وقد وجه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بتعطيل الدوام الرسمي يوم الثلاثاء الثاني من إبريل/نيسان الجاري، بمناسبة الذكرى، وقد أعلن رئيس الحكومة الأمر أثناء مؤتمره الصحافي الأسبوعي.
وتعد ظاهرة مواكب الزوار للمشاهد المقدسة ظاهرة قديمة تعود لمئات السنوات، فهي موغلة في القدم في التاريخ العراقي، لكنها لم تشهد الزخم الذي نعيشه الآن، إلا بعد إطاحة نظام صدام حسين عام 2003، اذ تحول مشهد حشود الزائرين الماشين متوجهين لمدينة كربلاء في زيارة أربعين استشهاد الإمام الحسين، بعيد إطاحة نظام صدام في شهر إبريل 2003 إلى مظاهرة، لإعلان هوية وتبيان زخم الوجود السياسي الطائفي أمام كاميرات التلفزة العالمية، التي غطت الحدث ونقلت الرسالة إلى العالم. مع تصاعد زخم الإسلام السياسي في العراق بعد التغيير، بات التركيز على مظاهر الأسلمة من النقاط المهمة في تأطير الهوية الطائفية، والنفخ فيها لمواجهة الخصوم الافتراضيين، الذين بات فرزهم يتصاعد يوما بعد آخر، حتى بات الفضاء الاحتفالي الديني يمثل أحد أهم عناصر التغالب الاجتماعي الذي أفرزه واقع العراق بعد التغيير.
من المعلوم أن مواسم الزيارات الدينية في أي بلد في العالم يشهد مثل هذه النشاطات، تمثل موسما لازدهار السياحة الدينية، ومكسبا للعاملين في قطاعات عدة، بالإضافة إلى ما تمثله هذه الفعاليات من فضاء معرفي وفولكلوري وديني، يلعب دورا مهما في توطيد لحمة الهوية الوطنية، لكن الأمر في العراق مختلف جملة وتفصيلا، فالفعاليات تعد خسارة اقتصادية من عدة أوجه، فمئات الآلاف من الزوار القادمين من خارج العراق لا يدفعون رسوما لدخولهم، كما تقدم لهم الخدمات المختلفة من مأكل ومبيت وخدمات صحية وخدمات لوجستية مجانا، من جهات عراقية متطوعة لأداء هذه الخدمات، وبالتالي فهي تحمل نفقات وجود كل هذا الكم من الزوار على عاتق الاقتصاد العراقي. ومن جانب آخر فإن كل أو جل مؤسسات الدولة العراقية تصاب بالشلل، وتتوقف عن العمل، وفي الكثير من الأحيان يعلن عن إجازات رسمية لعدة أيام نتيجة إغلاق الشوارع وعدم قدرة الناس على الوصول لأشغالهم. كما أن قوى الأمن والجيش تكون في حالة إنذار قصوى لمنع حدوث الهجمات الإرهابية المتوقعة في هذه المواسم. ونحن نعيش هذه الأيام أحد أضخم الزيارات الدينية التي تشهدها محافظة بغداد، وهي زيارة وفاة الإمام موسى الكاظم، المدفون في مدينة الكاظمية شمال بغداد. وهنا لابد أن نتساءل هل يجرؤ أحد مهما علا شأنه دينيا أو سياسيا على مواجهة زخم مواكب العزاء، سواء في هذه المناسبة أو غيرها من المناسبات، التي أصبحت تتناسل وتتكاثر بشكل غير مسبوق؟ والإجابة القاطعة هي بالتأكيد أن لا أحد يجرؤ على ذلك.
ظاهرة مؤذية ظاهرها التقرب لآل البيت وباطنها مكاسب تديرها أقلية ترتزق من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
ففي بداية الاحتقان الطائفي عام 2005 في زيارة مماثلة للزيارة التي نعيشها هذه الأيام، كان عشرات الآلاف من الزائرين يزحفون باتجاه مدينة الكاظمية، ونتيجة انطلاق صرخات ادعت وجود انتحاري بين الجموع، حدثت الكارثة نتيجة التدافع وإلقاء الناس أنفسهم من على جسر الائمة الرابط بين مدينتي الأعظمية والكاظمية، والنتيجة كارثة بكل معنى الكلمة، ذهب ضحيتها حوالي ألف انسان بريء سقطوا نتيجة التدافع الشديد على جسر الائمة، بسبب اكتظاظ الجسر بالمشاة وإغلاقه من أحد طرفيه بنقطة تفتيش، فسقط العديد من الزوار في النهر، أو دهسوا بسبب الفوضى التي عمت بعد انتشار الإشاعة، ما أدى إلى موتهم دهسا أو غرقا. وقد شكلت حكومة إبراهيم الجعفري حينها تحقيقا في الأمر لم يسفر عن أي نتيجة. وحينها طرح عدد من المتابعين والصحافيين تساؤلا مفاده؛ لماذا لا تقول المرجعية الشيعية في النجف رأيها في هذا الأمر، وتوقف مراسم الزيارات حتى استتباب الأمن وتوفر الظروف الملائمة لأداء مناسك الزيارات الدينية، حفاظا على دماء الناس التي تذهب هدرا نتيجة هجمات الإرهابيين أو الحوادث المؤسفة التي تحدث. فقامت الدنيا ولم تقعد، واتهم من طرح هذه الأفكار بمعاداة الإسلام والمذهب، وتعرض بعضهم للتهديد والتهجير والقتل من عرابي هذه المواسم.
ومع تنامي كثرة عدد مواسم الزيارات الدينية التي تكاد تغطي كل أشهر السنة، لانها تزيد عن عشرين موسم زيارة في السنة، باتت مظاهر المبالغة في طقوس هذه الزيارات أمرا لافتا، فالمعروف تاريخيا أن زيارة مرقد الإمام الحسين في كربلاء في زيارة الأربعين، أو ما يعرف محليا بزيارة (مرد الرؤوس) هي الزيارة الوحيدة طقوسيا التي كانت تحوي ظاهرة المسير على الأقدام باتجاه المشهد الحسيني. أما بقية المواسم فكانت تتم في مواقيتها علما بأنها من الأمور المستحبة وغير الواجبة دينيا، ولم يكن الشيعة حتى الملتزمون دينيا منهم يتركون أشغالهم ومصالحهم لأدائها. لكننا نشهد اليوم ما يمكن وصفه بظاهرة انفجار وتغول طقوسي غير مبرر دينيا، وهي ظاهرة مؤذية على كل الأصعدة، ظاهرها التقرب لآل البيت وزيارة مراقدهم وتذكر فواجعهم، وباطنها مكاسب تديرها أقلية ترتزق من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها جو الاحتقان المفروض على الشارع العراقي في هذه المواسم.
كما أن ثمة اشتغال على ممارسة طقوس دخيلة على المذهب وعلى الدين، وتعكس صورة سيئة للطقوس، مثال ذلك مواكب الجمال والخيول التي تسير على طول الشوارع التي تقطع وتوقف حياة السكان، بسبب مرور هذه المواكب التي لا أصل ديني أو مذهبي أو فقهي لها، فما معنى أن تسير مئات الهوادج المحمولة على الجمال لتقطع الطرق السريعة من مدن وسط وجنوب العراق، متجهة لزيارة مرقد الإمام الكاظم في ذكرى وفاته؟ من أين أتوا بهذه البدعة؟ وماذا تخدم؟ وما هي رمزيتها؟ إنها مشاهد لا تثير في نفس من يشاهدها إلا مشاعر الاستياء والاستنكار والغضب، مما يفعله بعض المتكسبين ممن يقودون قطعان الجهلة من الناس عبر طقوس لا أصل ديني أو تاريخي لها.
ومع كل ما يعانية البلد من أزمات ومحن وتحديات، تجد سياسيا وقياديا في أحد أحزاب السلطة هو سامي العسكري القيادي في كتلة دولة القانون التي يقودها رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي يغرد في صفحته على تويتر قائلا في هذا الصدد؛ «أليس من السخرية والتناقض أن تحيي بغداد ذكرى استشهاد الامام موسى الكاظم (ع) وتعطل الحكومة الدوام في الدوائر الرسمية، ويبقى أحد ابرز شوارع بغداد وأقدمها يحمل اسم هارون الرشيد القاتل الذي استشهد الامام الكاظم بامر منه؟». فإذا كانت النخب الحاكمة تتعاطى مع الأمر بهذه العقلية فيمكننا أن نتوقع ما ستؤول له الأمور في المستقبل.
كاتب عراقي
لا غرابة من “النخب الحاكمة” ، فكل ذي عقل لبيب يدرك أنها غارقة في الجهل و التجهيل و يبدو أنها في أعماقها تحمل حقداً أسود دفين. ألا يكفي دليل على ذلك سيرها في ركب. غزاة مجرمين
…جعلونا على وشك أن نعتذر عن معارضتنا لمن في وقته عارضنا سياسته !