الخوف يشوه الأعصاب والملامح. تحت المجاهر الحديثة، يمكننا الآن رؤية مدى تأثير هذا الشعور القبيح على الدماغ، إنسانياً كان أم حيوانياً، الذي لا تتركه أبداً أول بصمة من بصماته المريعة. الخوف لا يؤسس الا بلاداً فاسدة وفاسقة. كمرض الجذام، يأكل جسد وأطراف المجتمع وكل قطعة من وجهه المشرق.
هل هناك عربي من جيلي عاش بدون أن يُحكم بالخوف؟ خوف من أن يُكتب به تقرير بقلم من اعتقده صديقاً. خوف من أن يختفي لأنه عبّر عن رأي، حتى لو كان رأيه بريئاً أو حتى بليداً. خوف من أن يُفصل من وظيفته بدون تعويض، بعد عمر من الخدمة، لأنه لم يركع لصعلوك مخابراتي نال رتبته لمجرد أنه يتقن الأمية والوحشية، أو يمت بصلة قرابة للمافيا الحاكمة. خوف من أن تُؤخذ منه ممتلكاته التي نالها بعرق جبينه، لأن المسؤول الفلاني قد أعجبه بيته، أو استهوته سيارته، أو طاب له محله، أو اشتهى زوجته أو ابنته.
في عام1973 ، كنت خارجة من مدرسة دار السلام (أو «الفرانسيسكان» كما كانت تُعرف قبل التأميم البعثي للمؤسسة التربوية التي ألغت، ولأجيال، تعليم اللغات الاجنبية، لأنها اعتبرتها لغة «المستعمر») مع صديقاتي، نتحدث عن فحص الجغرافيا الذي كنا قد قدمناه منذ ساعة عن جزيرة كوبا ومحصول السكر النباتي فيها. وقفت واحدة منا لتشتري الجانرك مع رزمة من الملح الصخري من بائع متجول في اول طلعة شارع أبو رمانة في دمشق. كانت الفتاة شقراء خجولة اسمها كاميليا، مسيحية من مذهب الروم الأرثودكس. لم ننتبه، ونحن نمشي مشية الفتيات المتمتعات بيوم كان الطقس فيه بديعاً، أن سيارة ميرسيدس سوداء لا تشبه السيارات الأخرى، قد وقفت أمام كاميليا، وهي تعد نقودها لتدفع ثمن الخوخ الأخضر الحامض. خرج من السيارة عدد من الأوباش، حاولوا غصبها على الذهاب في «مشوار» مع قائدهم زير النساء، أحد أقرباء حافظ الأسد.
ولكن ابو مصطفى، الذى رأى المشهد من محله الصغير لبيع الغاز، انتبه فوراً، وخرج على «المرافقة» الخسيسة تلك، حاملاً بيده أداة معدنية طويلة، كان يستعملها ليركب ويفك قوارير الغاز المطبخي النيلية اللون، والتي كانت تستعمل في كل بيوتنا. وقتها، لم تكن قد مضت ثلاث سنوات على النظام الأسدي، فكانت سوريتنا ما زالت مليئة بأناث لا يخفن الا الله عز وجل. وعندما صرخ أبو مصطفى بوجه حثالة ذلك المسؤول (الذي كان في بدايات تاريخه الإجرامي في وقتها)، هربت السيارة بسرعة البرق بمن فيها. و شربت كاميليا، التي كانت ترتعش كالورقة من هذه الحادثة، قليلاً من الماء من «طاسة الرعبة» القديمة التي كانت دائماً موجودة وراء أبوابنا، محفورة بآيات من القرآن الكريم، لكي تبعد الخوف عن الشارب، كما كان يُعتقد آنذاك. فالخوف كان له حجمه الطبيعي في حياتنا، ولم يكن قد أصبح ذلك الشبح الشبيح السافل المرتزق المجرم، الذي استطاع، بعد 41 سنة، أن يُهجر نصف أهل سوريا عن بيوتهم المدمرة أو عن بلادهم كلياً، وجعل منهم سكان الخيام والمعدمين في الأرض، التي شكلوا حضارتها على مر60 قرناً على الأقل!
بعد أذان صلاة العصر، وقبل ان يقفل محله المتواضع ليعود الى داره في حي المهاجرين الفقير، عادت السيارة نفسها لترغم أبو مصطفى على الذهاب في مشوارها، لتقوده الى مصير لا يزال حتى هذه اللحظة مجهولاً. أدركنا كلنا، والدرس كان لمدينتنا، أن شهامته ونخوته وشجاعته وقعت باهظة الثمن عليه وعلى عائلته، وعلى كاميليا وأهلها وصديقاتها. فقد اختفى الرجل، وخُتم محله بالشمع الأحمر، وأُخرجت الفتاة المتفوقة بالرياضيات من المدرسة، وفي ظرف أسابيع هاجرت مع أهلها الى كندا، وتزوجت من أول من طلبها. كان زوجها مهندساً مهاجراً أيضاً، ترك سوريا وراءه لأن المشاريع الهندسية كانت قد بدأت توزع على حسابات سريالية، تتناسب مع حجم موالاة المهندس للنظام، لا لمهارته التقنية او مفهومه لفن العمارة واحتياجات المواطن السكنية المتغيرة. عرفت بعد سنين طويلة، ان هذه الفتاة التي كانت تحب دمشق وربيعها الأبدي مثلنا كلنا، أصرت ان تزيد على اسم جوزيف، ابنها البكر، اسم أبو مصطفى، خلال لحظة التعميد في كنيسة من الكنائس الكندية، لكي تشهر ولاءها لذكرى ذلك الدمشقي المسلم الذي اختفى أثره من على وجه الأرض حين دافع عن شرفها، ولم يختف يوماً من ذاكرتنا الجماعية.
هاجر عن سوريا خيرة أدمغتها، وأصبحوا من أنجح الأطباء والعلماء والباحثين والمهندسين والعاملين في مجالات الكمبيوتر والفن والموسيقى والغناء والشعر والتمثيل والسينما والكتابة والصحافة والفن الفوتوغرافي في العالم، وأصحاب مطاعم ومعامل تنتج الحلويات وكل ما بقي لنا من ذاكرة المائدة السورية العامرة. والجاليات السورية المهاجرة، يهودية كانت أم مسيحية أم مسلمة، لم تنس جذورها، ولن تنسى مسؤوليتها، في إعادة إعمار وطننا حين تزول عنه هذه الفترة الوجيزة من تاريخنا الطويل. سيتكاتف كل سوري حر ليبني وطناً يليق بحضارة هي ملك كل سكان الارض، لا مزرعة لآل الأسد والمخلوف وشاليش ونجيب وغيرهم، وأعوانهم من المماليك السنة والشيعة، الذين اغتصبوا نساءنا ودمروا بيوتنا وبتروا أعضاء أطفالنا، ولكنهم لم يهزموا الحلم المستقبلي القادم.
رنا قباني
نعرف مكانك يا أبا مصطفى فانت مع الصديقين والشهداء والصالحين فقد تقبل الله شهامتك وانت حي عند ربك في الجنة وعند كاميليا في كندا على الأرض
صبرا يا أحباب في سورية فان الله جاعل لهذا الأمر فرجا ومخرجا
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
نعم أرادوا يا سيتدي ان يسلبوا السوريين من مشاربهم ومذاهبهم ودياناتهم وشهامتهم ،واعتقدوا أنهم حققوا ذلك وكانت المفاجئة كبيرة ،نعم لن تختفي شهامة ابو مصطفى من قاموس الشام وخير دليل آلاف الشهداء الذين قدموا أرواحهم ثمن شهامتهم لرفض الأجرام الذي يرتكبه النظام ،وكأن روح ابو مصطفى تعيش بيننا وبنا ،شكرًا على للكاتبة المبدعة على مقالاتها الرائعة وشكرا لوفاء صديقتك لأبو مصطفى .
هذا هو المقال الثاني الذي اقرأه لك، أظن القدس العربي قد كسبت ناقد أدبي آخر لا يقل عن قامة صبحي حديدي إلى طاقم كُتابها
هل نقول هنيئا لأبو مصطفى أم هنيئا لرنا قباني
ما أحلى الأقلام عندما تحس بمصداقية مقاومة كل كلمة تصدر منها ضد الظلم والاستعباد
أنا على موعد مع البكاء يوميا مع مشاهدة مسلسل باب الحارة حتى ان ابنتي تقول لي لا تجلسي للمشاهدة ، اما عند مشاهدة الاخبار يجتاحني زلزال من القهر ،وهستيريا من البكاء ، وليس بيدي الا الدعاء لإصلاح الامة العربية فبلاد العرب أوطاني . شكرًا لك يا رنا واتمنى ان اقرأ لك كل يوم
قصة مؤثرة،غرغرت الدموع في عيني! هل هي دموع على أبومصطفى أم على سوريا أم على الشهامة والمروءة التي يريدون ان ينتزعوها من صدور شعبنا؟
لقد اكتشفنا عند السيدة رنا موهبة ادبية تذكرني بقصص أنطون تشيخوف القصيرة الرائعة. لاعجب فهي قد ورثت هذه الموهبة ولابد من عائلتها الدمشقية العريقة التي اعطتنا واحد من أكبر الشعراء العرب نزار القباني.
بانتظار المزيد من القصص القصيرة التي تؤرخ للحياة اليومية لشعبنا قبيل الغزو الايراني
أشكركم جزيل الشكر يا اخواني وأخواتي على الود والوفاء لسوريا. وطالما مازال هناك أناس مثلكم ومثل الرجل الذي هو من الابطال الأوائل لثورتنا على الظلم، فبلدنا هي بألف خير، وتعبق دوما بالأمل بذاكرة من دافع على شرف سكانها. علينا ان نكفكف دعمنا مهما صعب ذلك لكي نرسم حلمنا الآتي لبلد يحترم فيها كل مواطن ومواطنة، ولا يعذب او يجوع او يختفي او يموت من طلب الحرية. الفرج لكل سجين و سجينة والرحمة لكل شهيد وشهيدة. ما اعظم شعبنا. و ما ألطفكم أنتم يا قراء كرماء حساسين بوجعنا المزمن القبيح.
رنا قباني
أرحب كل الترحيب بالسيدة رنا القباني ابنة الشام العريقة .. و آمل أن يكون لها تواجد اسبوعي على صفحات جريدة العرب الدولية لننعم بفكرها و اسلوبها الراقي