بصمت وليونة.. إيطاليا تتموقع مغاربيا وتزيح تدريجيا فرنسا وإسبانيا

حسين مجدوبي
حجم الخط
26

لندن- “القدس العربي”: تحولت إيطاليا إلى مخاطب رئيسي لمنطقة المغرب العربي، وبدأت تعوض تدريجيا مكان فرنسا، مع تهميش إسبانيا، وذلك بفضل سياستها الصامتة، يساعدها في ذلك تاريخها الاستعماري غير الشائك مثل فرنسا. وتعد الاتفاقيات التي وقعتها إيطاليا مع الجزائر لا سيما في مجال الغاز منعطفا في هذا الشأن.

ورغم الأزمة التي كانت تمر فيها إيطاليا بسبب تهديد رئيس الحكومة ماريو دراغي بتقديم استقالته، إلا أنه قرر زيارة الجزائر، الإثنين الماضي، لضمان اتفاق استراتيجي أشرف هو شخصيا على صياغته منذ شهور. وعمليا، انتهت الزيارة بتوقيع اتفاقيات كبيرة سواء في المجال الاقتصادي مثل الاستثمارات أو السياسي.

وفي الجانب الاقتصادي، اتخذت الجزائر قرارات تسمح لإيطاليا بالتحول إلى الشريك الاقتصادي الأوروبي الرئيسي بدل فرنسا، فقد وقعت على اتفاقيات لمنح تراخيص أكثر لشركة إيني للتنقيب عن النفط والغاز. وأعرب البلدان عن وجهات نظر متشابهة ومتفاهمة في القضايا الإقليمية مثل ليبيا وتونس والصحراء الغربية، علاوة على الإرهاب في منطقة الساحل. وعلق رئيس الحكومة دراغي، الذي تراجع عن استقالته هذا الأسبوع، “الصداقة بين إيطاليا والجزائر أساسية لمواجهة التحديات من الأزمات الإقليمية إلى أزمات الطاقة”.

ويستبعد أن يتسبب الموقف الإيطالي بشأن الصحراء في أزمة سياسية مفتوحة مع المغرب لسببين. الأول، هو تفادي الرباط أزمة جديدة مع دولة أوروبية، وهي التي تعيش أزمة شائكة مع فرنسا منذ عام. والثاني، هو ليونة روما في تبني مواقف سياسية ومنها في ملف الصحراء دون أن يترتب على ذلك أي استفزاز لأي طرف، إذ تقتصر على تأييد مساعي الأمم المتحدة.

قررت الجزائر منح إيطاليا الأفضلية في الوصول إلى كميات الغاز التي كانت توجهها نحو السوق الإسبانية

غير أن الأنظار كانت موجهة إلى ملف الغاز والكهرباء، فقد قررت الجزائر منح إيطاليا الأفضلية في الوصول إلى كميات الغاز التي كانت توجهها نحو السوق الإسبانية وقدرها أربعة ملايين متر مكعب، ثم الرهان على الربط الغازي بين الجزائر وأوروبا عبر إيطاليا وليس عبر إسبانيا.

وتبرز جريدة ستامبا الإيطالية، في عدد يوم الإثنين، كيف تحولت الجزائر إلى المورد الرئيسي للغاز لإيطاليا بدل روسيا، وذلك بكميات تصل إلى 30 مليار متر مكعب وهي مرشحة للارتفاع لتزويد دول أوروبية أخرى. وكانت الجزائر قد أعلنت رسميا عن رغبتها في أن تصبح إيطاليا شريكها الرئيسي في الاتحاد الأوروبي ثم بعدها ألمانيا. وسجل التبادل التجاري بين البلدين في 2021 قرابة 7.5 مليار يورو وهو مرشح لتجاوز عشرة مليار يورو نهاية العام.

وفي ظرف سنوات قليلة وفي صمت، تحولت إيطاليا إلى مخاطب رئيسي لمنطقة المغرب العربي سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي خاصة بالنسبة لثلاث دول هي ليبيا وتونس والجزائر. كما تعد من الشركاء الرئيسيين الخمسة تجاريا مع المغرب. وتأتي هذه التطورات على حساب المخاطب الرئيسي التاريخي، فرنسا، التي كانت تقوم بهذا الدور لأسباب اقتصادية وسياسية وأمنية، وبدأت تزاحمها خلال العقد الأخير إسبانيا في كل من المغرب والجزائر.

غير أن الأزمات التي اندلعت بين فرنسا مع كل من الجزائر والمغرب جعل الرباط والجزائر تخفضان من العلاقات مع باريس. في الوقت ذاته، إذا كانت إسبانيا قد نجحت في إزالة فرنسا كشريك تجاري أول مع المغرب، فقد فقدت، وعلى شاكلة زلزال قوي، التبادل التجاري مع الجزائر، إذ يقتصر الآن فقط على صادرات الغاز تطبيقا للاتفاقيات المحمية بقوانين دولية.

ونظرا للأهمية الاستراتيجية التي بدأت تكتسبها الجزائر بالنسبة للاتحاد الأوروبي كمصدر للغاز، في ظل الأزمة مع روسيا بسبب الحرب الأوكرانية لاسيما بعد قرار موسكو التلاعب بكميات الغاز المصدر من باب الضغط على الأوروبيين، ترى المفوضية الأوروبية، إيطاليا، المخاطب الرئيسي الآن مع الجزائر. وقد تقوم روما بهذا الدور بحكم العلاقات المتوترة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر، بعدما قررت الأخيرة إعادة النظر في اتفاقية التبادل التجاري بين الطرفين وجمدت واردات مئات المواد منذ سنة 2020.

تشعر مدريد بامتعاض وتعتبر سياسة روما انتهازية بسبب عدم التضامن معها في الأزمة التي اندلعت مع الجزائر لاسيما في ظل تجميد التبادل التجاري

وكانت مجلة “النزاعات” الفرنسية المتخصصة في الدراسات الاستراتيجية قد خصصت عددها الأخير لإيطاليا تحت عنوان “القوة المجهولة”، تبرز مكامن القوة الإيطالية وعملها الصامت في تعزيز قوي لنفوذها في البحر الأبيض المتوسط ومنه في شمال أفريقيا.

وهناك قلق وسط فرنسا وإسبانيا بسبب الأهمية التي تكتسبها إيطاليا كمخاطب رئيسي لمنطقة المغرب العربي. وتشعر مدريد بامتعاض وتعتبر سياسة روما “انتهازية” حسبما وصفتها وسائل الإعلام الإسبانية، بسبب عدم التضامن معها في الأزمة التي اندلعت مع الجزائر لاسيما في ظل تجميد التبادل التجاري.

ومن جانبه، يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القيام بزيارة إلى الجزائر قريبا لاستعادة الدور الفرنسي في هذا البلد بعدما زاحمت دول مثل تركيا والصين وإيطاليا المصالح الاقتصادية والسياسية لباريس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عادل:

    الجزائر بيدها كل الخيوط هي التي ازاحت فرنسا واسبانيا وليست روما والجزائر هي التي موقعت إيطاليا

  2. يقول المهدي:

    ماذا عند ايطاليا لتقدمه لشمال إفريقيا أصلا ؟ ماهو حجم إيطاليا في الإتحاد الأوروبي و المجتمع الدولي؟ هي فقط دولة تبحث عن الغاز بسعر بخس و وجدت الفرصة في دولة تقع في شمال إفريقيا تقدم غازها بسعر شبه مجاني لأنها تعاني عزلة خانقة و مستعدة لتقديم أي تنازلات . ثم تقول في أحد الفقرات أنه “رغم أن إسبانيا عززت علاقاتها الاقتصادية مع المغرب لكنها خسرت علاقتها الاقتصادية مع الجزائر” اعطونا أرقام وليس مجرد كلام. حجم التبادل التجاري بين إسبانيا و الجزائر هو سبعة ملايير أورو منها 4 ملايير مشتريات من الغاز. بينما حجم التبادل التجاري بين إسبانيا و المغرب هو 17 مليار أورو متنوعة في كل المجالات.

  3. يقول المصطفى:

    ما يتير الإعجاب في السياسة الغربية هو برغماتيتها وقدرتها على التاقلم بحنكة ولباقة للوصول لأهدافها حتى لو تطلب منها ذلك تغيير مواقع وأدوار أعضائها …ألمانيا أكبر إقتصاد أروبي لا تتوفر على محطات لتسييل الغاز وهي مهددة بأزمة غازية أكثر من جيرانها …في المقابل إسبانيا تتوفر على محطات كثيرة تمكنها من تعويض خصاصها عبر استيراد الغاز المسال من أمريكا أو حتى روسيا إن تطلب الامر ذلك … الأولوية إدا بالنسبة للأروبيين هي ضخ مزيد من الغاز الجزائري عبر إيطاليا لأسباب عديدة منها توفرها على بنية تحتية لنقل الغاز الجزائري وشركات عملاقة للتنقيب عن الغاز عبر العالم منها من هي شريك لسونطراك بالجزائر ودخلت معها في مشاريع انتاج جديدة بالإضافة إلى سياستها الهادئة الرصينة التي تقدم في الغالب المصالح الاقتصادية على السياسة العقيمة …

  4. يقول عماري:

    الجزائر نست اسبانيا.و الى الأبد

  5. يقول ياسين:

    الى اخي المهدي يا اخي دعك من جارك و تكفل بنفسك و حالك. المثل الشعبي يقول الجمل ينسى حدبته و يشوف حدبت خوه. فقط الكل على علم بالازمة الاقتصادية المغرب.

  6. يقول قريب منك:

    إن شاء الله وبحمده سبحانه وتعالى تكون هذه بداية شروق جديدة لقطع الحبل الصري الذي يربط الوطن العزيز بفرنسا المحتلة التي دمرتنا وما زالت تمتص خبراتنا !

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية