عودة إسرائيل إلى أمريكا اللاتينية لا تعني استعادة نفوذها كما كان سابقا، بل قد تتحول إلى عامل سيضر بالاستقرار في مجموع أمريكا اللاتينية.
لندن ـ «القدس العربي»: تحاول إسرائيل استعادة نفوذها في أمريكا اللاتينية، مستفيدة من فوز عدد من قادة اليمين القومي والمحافظ في الانتخابات الرئاسية خلال السنوات الأخيرة، وآخرهم الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي أسبريا، الذي يراهن على تطوير العلاقات مع إسرائيل بعد فترة من التوتر الدبلوماسي. غير أن هذه العودة قد تسهم في زيادة الاستقطاب السياسي داخل المنطقة، بالنظر إلى الانقسام الحاد بين الحكومات اليمينية واليسارية في مواقفها من إسرائيل والقضية الفلسطينية.
وشكلت منطقة أمريكا اللاتينية خلال الثلاثة عقود الأخيرة تحديا كبيرا للكيان الإسرائيلي، فقد كانت المنطقة ما بين الستينات وحتى منتصف التسعينات معقلا للاستخبارات والدبلوماسية الإسرائيلية، حيث ساعدت الأنظمة الدكتاتورية على مواجهة حركات اليسار المسلحة، لاسيما وأن هذه الأخيرة كانت تعادي إسرائيل وتدافع عن القضية الفلسطينية.
وانتهى التواجد الذهبي للكيان بعدما بدأ اليسار يصل إلى الحكومة في دول ذات ثقل كبير مثل البرازيل مع لولا دا سيلفا في ولايته الأولى، وكذلك مع هوغو تشافيس ابتداء من سنة 1999. وأضحت دول مثل بوليفيا والأوروغواي ولاحقا التشيلي من أبرز المعارضين لسياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين، حيث عند كل أزمة كانت هذه الدول تقطع العلاقات مع الكيان أو تسحب السفير. وعمليا، تميز عدد من رؤساء دول أمريكا اللاتينية من بين الأكثر حدة على المستوى الدولي في انتقاد إسرائيل، وعلى رأسهم الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، الذي أثار جدلا واسعا عندما شبّه العمليات العسكرية الإسرائيلية بما ارتكبه النازيون خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ما أدى إلى أزمة دبلوماسية حادة بين البرازيل وإسرائيل. ومن جانبه، دعا الرئيس الكولومبي المؤقت غوستافو بيترو بإرسال قوات دولية لحماية الفلسطينيين.
وترى إسرائيل أن الظروف السياسية الراهنة التي تمر بها أمريكا اللاتينية تمثل فرصة مهمة لاستعادة جزء من نفوذها السابق في المنطقة، بل وتحويلها إلى منصة للحصول على الدعم السياسي والدبلوماسي، وتعزيز التنسيق مع الحكومات الجديدة، خصوصا تلك التي تتبنى مواقف أكثر تقاربا معها. ويأتي هذا المسعى في ظل تراجع نسبي في مكانة إسرائيل داخل عدد من الدول الأوروبية، حيث اتخذت حكومات مثل إسبانيا وإيرلندا مواقف أكثر انتقادا لسياساتها، ووصل الأمر إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية وعقوبات مرتبطة بالحرب على غزة ولاحقا ضد لبنان. وهكذا، بعدما تحولت القضية الفلسطينية إلى عامل مؤثر في العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول الغربية ومنها ما يجري في الولايات المتحدة حيث ترتفع أصوات تنتقد تل أبيب، وبدأ أنصار القضية الفلسطينية يصلون إلى مراكز مؤثرة مثل بلدية نيويورك مع زهراني، تمثل عودة النفوذ الإسرائيلي إلى أمريكا اللاتينية رهانا استراتيجيا.
وكانت إسرائيل قد وجدت في فوز جايير بولسونارو برئاسة البرازيل عام 2018 أحد أبرز الداعمين لها في أمريكا اللاتينية، إذ تبنى خلال ولايته مواقف أكثر تقاربا مع إسرائيل مقارنة بالحكومات السابقة. غير أن خسارته الانتخابات الرئاسية اللاحقة، إضافة إلى صدور أحكام قضائية بحقه، حدّت من قدرته على لعب دور إقليمي في الترويج لعلاقات أكثر تقاربا مع إسرائيل، ما جعل تل أبيب تفقد أحد أهم حلفائها في المنطقة. وبدأ المنعطف الحقيقي والجديد لإسرائيل مع أمريكا اللاتينية مع وصول اليميني المتطرف خافيير ميلي إلى رئاسة الأرجنتين في نهاية عام 2023، إذ رأى فيه الكيان أهم حليف في القارة الأمريكية بعد الأمريكي دونالد ترامب.
فقد تبنى ميلي منذ حملته الانتخابية خطابا داعما لإسرائيل، وحرص بعد وصوله إلى السلطة على إظهار تقارب سياسي ودبلوماسي واضح معها، حيث كانت أولى زياراته الخارجية إلى إسرائيل، وأعلن خلال زيارته عن نيته نقل السفارة الأرجنتينية إلى القدس، إضافة إلى مواقف مؤيدة لإسرائيل في سياق الحرب على غزة بما في ذلك في الأمم المتحدة.
وتنفست إسرائيل الصعداء أكثر بعد فوز خوسيه أنطونيو كاست برئاسة التشيلي في كانون الأول/ديسمبر الماضي، إذ يمثل وصوله تحولا مهما بالنسبة للعلاقات بين سانتياغو وتل أبيب. فمن جهة، تضم التشيلي أكبر جالية فلسطينية في العالم خارج الشرق الأوسط، ما جعلها تاريخيا من أكثر الدول اللاتينية ارتبطًا بالقضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى، كان الرئيس السابق غابرييل بوريك قد اتخذ موقفا متشددًا تجاه إسرائيل، وصل إلى حد سحب السفير التشيلي من تل أبيب على خلفية الحرب في غزة.
أما التطور الجديد الذي تعتبره إسرائيل في صالحها، فيتمثل في فوز أبيلاردو دي لا إسبرييّا برئاسة كولومبيا خلال الأسبوع الجاري، وهي الدولة التي شهدت خلال عهد الرئيس السابق غوستافو بيترو تصعيدا كبيرا في انتقاد السياسات الإسرائيلية، بما في ذلك اتخاذ إجراءات دبلوماسية ضد تل أبيب على خلفية الحرب على غزة. وقد تعهد دي لا إسبرييّا، خلال حملته الانتخابية، بالعمل على إعادة بناء العلاقات مع إسرائيل وتعزيز التعاون السياسي والأمني والعسكري بين البلدين. ويحذر المحلل السياسي الأرجنتيني أتيليو بورون من أن عودة التنسيق مع إسرائيل يعني فقدان أمريكا اللاتينية لجزء من استقلاليتها في السياسة الخارجية وفي الدفاع عن القضية الفلسطينية.
غير أن عودة إسرائيل إلى أمريكا اللاتينية لا تعني استعادة نفوذها كما كان سابقا، بل قد تتحول إلى عامل سيضر بالاستقرار في مجموع أمريكا اللاتينية، وذلك لسببين، الأول أن الرأي العام في مجمله لصالح القضية الفلسطينية، وأن التصويت على مرشح يميني متطرف يكون لدواع داخلية وليس له علاقة بالسياسة الخارجية. في حين أن العامل الثاني، وهو خطير، أنه ما زالت تعرف منطقة أمريكا اللاتينية حركات مسلحة مثل حالة كولومبيا، وترى هذه الحركات في عودة إسرائيل خطرا عليها، ما قد يؤدي إلى عمليات عنف أخطر من الماضي. وهو ما يذهب إليه مضمون عدد من تقارير المركز الاستراتيجي الأمريكي اللاتيني للجيوبوليتيك الذي يؤكد الانعكاسات السلبية لعودة التنسيق الأمني والسيبراني والعسكري لإسرائيل مع دول المنطقة، بما في ذلك تنسيقا أمريكيا-إسرائيليا مع حكومات اليمين في أمريكا اللاتينية.