في النقاش الدائر حول أزمة الديمقراطية في كتاب «حالة الأزمة»، يستبق كارلو برودوني أي عرض بالتساؤل الرئيسي: هل الديمقراطية في أزمة؟ ومع أن الجواب كان، على ما يبدو، بالإثبات، إلا أن ذلك لم يمنعه من تقديم لمحة تاريخية عن هذه الفكرة؛ محاولا في الوقت نفسه إسقاط تلك الأوهام العالقة بها؛ نافياً أن تكون الديمقراطية قد عاشت على مرِّ تاريخها في وضع مثالي أو في عصر ذهبي، لأنه، كما يشهد التاريخ ويدل الواقع «لم يظهر عصر ذهبي للديمقراطية قط»، في الحقيقة ظلت الديمقراطية مجرد فكرة غامضة متغيرة بطبيعتها، ما جعلها، تُستغل من طرف القادة الشرهين للقمع والسيطرة، كأداة لتنفيذ مآربهم الشخصية؛ إذ أدى استغلال الديمقراطية بهذه الطريقة المبتذلة إلى إفراغها من معناها الأصلي، حتّى تحولت من أداة يفرض بها الشعب إرادته وخياراته؛ فالديمقراطية في التحليل الأخير هي: «حكم الشعب»، إلى أداة للسيطرة على الشعب وإخضاعه.
لعل ذلك يرجع أساساً إلى مفهوم الديمقراطية نفسه، غموضه وتعقيده؛ إذ يصعب تحديده؛ فصار عرضة للمسخ والابتذال، الكل يسعى إلى ضبطه وتفسيره وفق ما يريد، وبما يحقق مصالحه، كما أن توسيع معنى الديمقراطية، جعل الكلمة أكثر عمومية، وأكثر تجريداً؛ فقد شملت الديمقراطية «الحرية والتضامن والمساواة وحقوق احترام الآخرين «حتّى غدت بذلك فكرة مثالية، من الصعب تطبيقها على أرض الواقع، أو كما قال برودوني: «فكرة مركبة تفوق مجموع مكوناتها». على صعيد آخر، أن الطابع الإكراهي لفكرة الديمقراطية، والممارسة الديكتاتورية، التي تفرضها الأغلبية على الأقلية، يقرّان، بما لا يدع مجالا للشك، بصعوبة التوفيق بين الديمقراطية وفكرة الحرية، إلا إذا تمّ قصر حق الحرية، بحسب برودوني، «على ذوي الحظوة الذين يملكون سلطة اتخاذ القرارات نيابة عن الجميع».
فشل الديمقراطية أدى في الأخير إلى الأزمة المالية الراهنة؛ إذ استغلت هذه الأخيرة في إعادة خلق اللامساواة الاجتماعية
هنا، يستحضر برودوني من روسو تلك الكلمات، التي تبين حقيقة الديمقراطية؛ فعلى الرّغم ممّا قيل عن الديمقراطية، باعتبارها الفكرة الأفضل، التي توصل إليها الفكر الإنساني على مرِّ تاريخه، إلا أن هذه الفكرة للأسف لم تتحقق على أرض الواقع قط، بل، كانت في الغالب، أقرب إلى شعار يستغله السّاسة لإخضاع الحشود الجماهيرية: «أنه لا توجد ديمقراطية، ولن توجد أبداً»، وفقاً لاستنتاج روسو الواقعي، إلا أن ألكسيس دو توكفيل تفطن إلى هذه السلبية في الديمقراطية؛ فعمل على إنزالها من برجها العاجي، لكي تلامس واقع الناس وأشواقها؛ إذ أضفى عليها «معنى ذا طبيعة اجتماعية، بحيث تشير إلى فكرة المساواة، ونزعة نحو امتداد عام لمجموعة واحدة من الحقوق والواجبات: مساواة الحقوق أمام الدولة، ومعاملة متساوية أمام القانون»؛ فكانت هذه الإضافة بمثابة تقييد لامتيازات النخبة، في المقابل تسعى إلى «إعطاء كل إنسان الفرص نفسها، وإمكانية الارتقاء».
من ثمّ، يرى برودوني أن هذا النموذج، بالإضافة إلى أنه احتفى بالفرد، أطاح بفكرة السلطة القمعية للأغلبية، ومخاوف انعدام الحرية، من خلال التأسيس لتصور ناعم للديمقراطية يرمي إلى «ضمان حقوق متساوية لكل المواطنين، وليس لأغلبيتهم».
تبدو الديمقراطية التمثيلية هي الترجمة الحقيقة عن هذا النموذج، والمعبّرة بصدق عن إرادة الجماهير وخياراتها، لأنها تحاول أن تحقق حاجات الأغلبية، بدون أن تنسى في المقابل حقوق الأقلية، على الرّغم من ذلك، تعاني هي الأخرى أزمة عميقة؛ «فأزمة الحداثة، على ما يبدو، جلبت معها أزمة الديمقراطية التمثيلية»؛ ذلك أن النظام التمثيلي يتعرض في الوقت الراهن إلى امتحان صعب، وإلى عملية هدم وتقوّيض ممنهجة: من الداخل بسبب الفساد المتنامي، في حين أن فقدان الثقة بين الناخبين، يقوض النظام من الخارج، غير أن هذا النظام سيتشبث بوجوده، ويقاوم من أجل بقائه، ما دام أنه لم ينفجر بعد، أو أنه لم يتم إصلاحه على أسس مختلفة، ولم تظهر النية لتركه من طرف القادة؛ فالتحول عن النظام الديمقراطي، سيصبح ضرورة ملحّة «عندما يراه رجاله تهديداً لسلطتهم»، أو عندما يظهر بديل حقيقي.
فضلا عن ذلك؛ فإن أزمة الديمقراطية تتجلى، وفقاً لبرودوني، في «الإفراط في الديمقراطية»، نتيجة سياسة الرفاه والأمن الاجتماعي المنتهجة من قبل، هذه السياسة كانت لها عواقب وخيمة، وتسببت في أزمات كبيرة، لمّا أصبحت الإمكانات الواقعية قليلة مقارنة بحجم الطلب والاستهلاك، بحيث يجعل الاستمرار في هذه السياسية عملية انتحارية، بالتالي، «فإن الإفراط في الديمقراطية مسؤول عن الأزمة المالية التي وقعت عام 2008».
ما بعد الديمقراطية
هي مرحلة القطيعة مع الديمقراطية بسبب «أزمة المساواة، وابتذال العمليات الديمقراطية»، التي أضحت مجرد عملية شكلية فقط، لا تسعى إلى حل الأزمات بل، في أكثر الأوقات، على إدارتها فحسب؛ فأدى، والحال هذه، إلى قطع الاتصال بين السياسة والمواطنين؛ فكانت النتيجة في الأخير الابتعاد عن السياسة ومعاداتها، كوسيلة للمقاومة والرّفض من خلال «الاحتجاجات الغاضبة ضد الفساد والفضائح، وإهدار المال العام، واستغلاله في تحقيق مصالح شخصية»، زيادة على ذلك، فقدان الثقة في الأحزاب السياسية، و»تضاؤل الاهتمام بالمشاركة في الانتخابات».
غير أن الابتعاد عن السياسة؛ وإن كان شكلا من أشكال المقاومة والرفض للواقع المأساوي، إلا أنه قد يأتي بعواقب وخيمة، وآثار مدمرة، قد لا تحسب لها الجماهير حساباً، نستشفها اليوم بوضوح في عودة السلطوية، والأفكار الفاشية، والشعبوية المتنامية، وفي استفحال مشكلة التمثيل السياسي، عندما «تضع الديمقراطية والتمثيل في تعارض، باعتبارهما مصطلحين لا يمكن التوفيق بينهما».
في السياق نفسه، يسعى برودوني إلى تحديد الآثار السلبية المترتبة عن الانتقال إلى ما بعد الديمقراطية، واللافت للنظر أن هذه المرحلة تعادي الديمقراطية إلا أنها تستغل عناصرها، وتدمّر الحرية غير أنها تستغلها في تسويق نفسها، مرحلة تسعى إلى «الإبقاء على العناصر الشكلية للديمقراطية، بما يحافظ على مظاهر ضمان الحرية»، ما أدى إلى انخفاض كبير في مشاركة المواطنين في الحياة السياسية والانتخابات، كما أن تدهور دولة الرفاه، وعودة الليبرالية الاقتصادية، ضاعف من معاناة الفقراء أكثر، بدون نسيان طغيان المال وسطوة الأسواق المالية، وتحكم وسائل الدعاية والتسويق السياسي. على أن السؤال الذي يثار هنا هو: هل هناك فرق بين التحول عن الديمقراطية وما بعد الديمقراطية؟
هناك فرق بين التحول عن النظام الديمقراطي، والانتقال إلى ما بعد الديمقراطية، مع أنهما قد يشيران إلى مفهوم واحد، وهو تقليص الضمانات الديمقراطية، ومن ثمّ، تدمير الحرية، غير أن التحول عن هذا النظام غالباً ما يكون مرتبطاً بظروف طارئة وحالات استثنائية (كالإرهاب، والكوارث الطبيعية) بالتالي، قد تكون أضراره، على الرّغم من فداحتها، من الممكن «الخروج منه بلا أذى، واستعادة الزمن المفقود»، في حين «ما بعد الديمقراطية»، هي مؤامرة على الديمقراطية، يتم تسويقها على أنها عملية طبيعية، ضامنة للحريات الشكلية، «بينما، هي في الواقع، تحتقرها أو تفرغها من مضمونها الديمقراطي الحقيقي»، ما يجعل الخروج منها صعباً، لأنها، بحسب برودوني، «تصدر من مصالح قوية مشتركة»، بل، أكثر من ذلك، أصبحت جزءاً من ثقافة هذا الزمن السّائل، على حد وصف باومان؛ فحالة اللايقين الطاغية؛ الرافضة للديمومة، والمتسمة بالتوقيت، تطلب المؤقت، لهذا تعتبر وظائف العقود المؤقتة أفظع عواقب ما بعد الديمقراطية.
بناءً على ما سبق، فإن فشل الديمقراطية، قد أدى في الأخير إلى الأزمة المالية الراهنة؛ إذ استغلت هذه الأخيرة في إعادة خلق اللامساواة الاجتماعية، وتقليص الديمقراطية، وأن أزمة الدولة تسببت هي الأخرى في إحداث خلل في النظام الديمقراطي؛ فالدولة التي تسرّب إلى كيانها الضعف؛ صارت عاجزة عن الفعل؛ فكانت، بالتالي، مضطرة إلى التخلي عن أدوارها في حماية المواطن، وفي توفير الآمان الاجتماعي له؛ خلق هذا الوضع الجديد حالة من اللااستقرار واللااطمئنان؛ تتجلى، بصورة واضحة، في الاحتجاجات الغاضبة في الميادين والشوارع، نتيجة الظروف الحياتية الصعبة؛ كالربيع العربي، وحركة احتلوا وول ستريت، واحتجاجات السترات الصفراء في فرنسا هذه الأيام؛ فالاقتصاد اليوم، بالنتيجة التي يحددها برودوني: «هو الذي يدفع دوماً إلى الاحتجاج»، كما أنه «أفضل أداة للسيطرة الاجتماعية»، غير أنه لا يملك، على ما يبدو، أدوات الخلاص من الأزمة؛ لذا يحاول في كل مرة أن يمنح السياسة بعض الحرية في اتخاذ القرار، من أجل إطفاء جذوة الغضب، بانتهاج سياسة الهروب إلى الأمام، إلا أن ذلك الغضب سرعان ما يظهر مرة أخرى، لأن الأزمة عميقة ودائمة، وإيجاد الحلول يتطلب إعادة النظر في بنية النظام الغربي من جديد؛ لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تحلى العقل الغربي بالشجاعة والجسارة.
كاتب مغربي
احسنت القول عمي