الرئيس عبد المجيد تبون يستقبل الإمام محمود ديكو في الجزائر العاصمة
الجزائر- “القدس العربي”:
بشكل مفاجئ، تطورت الخلافات بين الجزائر ومالي إلى ما يشبه الأزمة الدبلوماسية بعد استدعاء باماكو سفيرها احتجاجا على تدخل الجزائر في شؤونها الداخلية، وهجوم الإعلام الجزائري على رأس السلطة الحاكمة في مالي الذي تنكر حسبهم لليد الممدودة المقدمة للجارة الجنوبية للبلاد.
والجمعة، أعلنت وزارة خارجية مالي في بيان أنّها استدعت، سفيرها لدى الجزائر للتشاور عملا بـ”مبدأ المعاملة بالمثل”. وسبق ذلك استدعاؤها لسفير الجزائر في باماكو لإبلاغه احتجاجاً على “أفعال غير ودّية” من جانب بلاده و”تدخّلها في الشؤون الداخلية” لمالي، وهو ما ردت عليه الجزائر عبر استدعاء سفير مالي لديها وإبلاغه أنها ترفض التدخل في الشأن المالي بشكل مبدئي وتقوم بدورها كبلد فاعل في الوساطة من أجل تنفيذ بنود اتفاق الجزائر.
ولم تُقدر العديد من الأوساط وصول الأمر لغاية استدعاء السلطة الحاكمة في باماكو سفيرها في الجزائر، في رد فعل يبدو مبالغا فيه لعدم وجود نوايا عدوانية اتجاه مالي، خاصة أن الجزائر هي الراعية لاتفاق السلام في هذا البلد، وهي من تقوم بمتابعة تنفيذ بنوده وتحرص دوريا على ذلك حتى في هذه الظروف التي عاد فيها شبح الاقتتال إلى مالي.
وقال الخبير في الشأن العسكري أكرم خريف في تصريح لـ”القدس العربي” إن ما دفع مالي لرد الفعل المتطرف هو ما تعانيه من أزمات داخلية وعزلة دولية، مشيرا إلى أن “السلطة التي جاءت بعد الانقلاب العسكري ليس لها امتدادات سياسية ومجتمعية وهي تستعمل البروبغندا لكي تثبت نفسها والوضع قد ينفجر في أي وقت”.
وأبرز خريف أن السلطات المالية قامت بردة الفعل هذه بعد أن جاء الإمام ديكو للجزائر وحظي باستقبال كبير من قبل السلطات الجزائرية التي من حقها حسبه أن تعامله بتلك الطريقة نظرا لثقله الكبير في شمال مالي، ومن واجبها أن تستقبل كل الأطراف الموقعة على “اتفاق الجزائر” لأنها هي من ترأس لجنة متابعة الاتفاق وبالتالي المخولة دوليا بالسهر على تطبيقه.
وتقود الجزائر وساطة لعودة السلام إلى شمال مالي بعد “اتفاق الجزائر” الذي تم توقيعه في 2015 بين الحكومة المالية وجماعات مسلحة يغلب عليها الطوارق. ومنذ نهاية آب/ أغسطس، استأنفت هذه الجماعات المسلحة عملياتها العسكرية ضد الجيش المالي في شمال البلاد بعد ثماني سنوات من الهدوء.
ويتنافس المتقاتلون من أجل السيطرة على الأراضي والمعسكرات التي أخلتها قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الأمم المتحدة المنتشرة منذ 2013 في هذا البلد، والتي طردها الجيش منذ استولى على السلطة في انقلاب عام 2020.
وأكد الخبير أن مالي من حقها أيضا أن تطلب شروحات حول استقبال الإمام ديكو خاصة أن هذه الشخصية كانت دائما في الاستراتيجية المالية هي تعمل كوسيط بين السلطة المركزية وعدد من الجماعات المسلحة، مبرزا أن السلطة الحاكمة في مالي كانت تتأهب مفاوضات في الشمال مع بعض الجماعات ما دفعها للتوجس من دور جزائري.
لكن حسب خريف، لم ترد الجزائر من خلال استقبالها الإمام ديكو التشويش على المفاوضات بل أرادت فقط أن تقول إن ما يجري من تفاوض يجب أن يكون تحت غطاء الاتفاق وهو القاعدة الوحيدة المقترحة دوليا. وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد استقبل شخصيا في الجزائر العاصمة، الإمام محمود ديكو، وهو أبرز المرجعيات الدينية في شمال مالي.
ويرى الخبير في تقييمه لتطور الأزمة، أن هناك رد فعل مبالغ فيه من الإعلام الجزائري الذي وقع في فخ التحريض الذي يمارسه الإعلام المالي، فالسلطات المالية تستعمل البروبغندا لتمكسها بالسلطة، وهم يفعلون ذلك ليتفادوا الأزمات الداخلية ومن الضروري عدم مجاراتهم في ذلك.
وهاجمت صحف جزائرية القائد العسكري غويتا في مالي واصفة إياه بـ”الانقلابي الدموي”، كما اعتبرت أنه يقوم بالتنكر لما فعلته الجزائر خلال سنوات طويلة من أجل المصالحة في مالي.
أما عن دور الميليشيا الروسية فاغنر في مالي، فيقول خريف إن عددهم ليس كبيرا وهم يساعدون الجيش المالي في الجانب العملياتي لتحقيق انتصارات في الأرض ودخول بعض المدن التي لم تكن محررة وهم خلال عملهم متهمون بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان لقتلهم مدنيين.
وأكد الخبير أن الجزائر من أول يوم كانت معارضة لوجود فاغنر وأي مرتزقة في مالي وليبيا وهذا كان واضحا وذلك ضمن توجه عام رافض لأي وجود أجنبي في المنطقة وليس لاعتبارهم تهديدا. وأضاف أن هذه الميليشيا تبقى صغيرة جدا فهم مجموعة أشخاص لا يشكلون خطرا على الجزائر.
وكان الرئيس تبون في مقابلة له مع صحيفة لوفيغارو العام الماضي قد انتقد بشكل غير مباشر وجود فاغنر في الساحل. وقال ردا على سؤال حول وجود رجال هذه الميليشيا بالقول “الأموال التي يكلفها هذا الوجود ستكون في وضع أفضل وأكثر فائدة لو ذهبت لتطوير منطقة الساحل”، في إشارة إلى عدم استساغة الجزائر وجود هذه القوات الأجنبية على الرغم من علاقاتها القوية مع روسيا.
الجزائر تسعة لتطور مالي والساحل وافريقيا لأن العالم الغربي لا يحب تطور تكنولوجيا افريقيا