أطياف ماكنمارا تخيم على الأردن مع أزمة المعلمين

أضافت حرب فيتنام مغالطة جديدة إلى قاموس المغالطات المعروفة، التي تبين المنطق المهترئ أو الضعيف في القرارات العقلانية أو القيادية، وتلازمت هذه المغالطة مع اسم مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت ماكنمارا، الذي كان يعتبر الأمور القابلة للقياس هي الموجودة حصراً، ويهمل ما لا يمكن قياسه بسهولة، وصولاً إلى استبعاده من التقييم تماماً، في خطوات وصفها المفكر دانيال يانكفوفيتش بالتدرج من التضليل إلى الانتحار.
ركزت تقييمات ماكنمارا على مقارنة الخسائر البشرية بين صفوف الجيش الأمريكي والمقاومة الفيتنامية، وهو معيار يقبل القياس، ويميل لمصلحة الأمريكيين، وعلى ذلك تواصلت الحرب ليخرج الأمريكيون بهزيمة منكرة، فالواقع أن تقييمه للموقف تجاهل تفوق الفيتناميين في الروح المعنوية، والعقيدة القتالية والقناعة الأخلاقية، وهي جميعها أمور غير قابلة للقياس، ولكنها حسمت الحرب لمصلحتهم.
الرجال مثل ماكنمارا لا يعترفون بالفشل، ويحيطون أنفسهم بهالة كبيرة تقوم على الإرهاب الفكري والنفسي، وتحول دون أن يلقوا مصيرهم المناسب في سلة مهملات التاريخ، ولذلك وجد نفسه على رأس البنك الدولي لفترة طويلة وحاسمة في تاريخ المؤسسة الدولية، التي أصبحت من الرموز الكبرى للرأسمالية والسيطرة الاقتصادية في العالم.
انتقلت مغالطة ماكنمارا إلى البنك الدولي، وتحولت إلى أسلوب عمل يسيطر على المنظمة الدولية، بل أصبحت تتمدد إلى مؤسسات أخرى أممية وعابرة للدول، وأصبحت الماكنمارية نمطاً يتبناه خريجو هذه المؤسسات، وعلامة فارقة في الذهنية الرأسمالية، والمشكلة أن إخفاقات ماكنمارا كانت تلهم آلاف الأتباع، الذين تولوا مناصب مهمة في العديد من الدول، والذين لا يهمهم تقييم الآخرين، لأنهم يمتلكون نوعاً من الحصانة الخفية، التي تمكنهم من إعادة إنتاج مشروعهم الشخصي، من خلال منظومة تدور في الكواليس وتتم تسوية حساباتها من خلال الأدوار والمناصب الكثيرة. وحتى غير المتورطين في هذه الحسابات، والمؤمنين بالعناوين العريضة التي ترفعها هذه المؤسسات، فإن الماكنمارية تتحول إلى جزء من عقليتهم وأسلوباً لحياتهم المهنية، وأحياناً الشخصية لتأثرهم بالمنظومة الكاملة من حولهم وتقاليدها وبريقها كذلك.
شهد الأردن في مايو 2014 في مرحلة ما احتكاكاً صريحاً بين أحد ممثلي البيروقراطية العميقة والمحافظة، وممثلة متفوقة لمدرسة ماكنمارا، حيث واجه رئيس الوزراء في ذلك الوقت الدكتور عبد الله النسور مدير صندوق النقد الدولي، الفرنسية كريستين لاجارد، برأيه في العقلية المحاسبية التي تتحكم في الصندوق، على حساب الاعتبارات الاقتصادية الأوسع، وبصورة مستفزة وعاجزة ردت لاجارد: «نحن لسنا مجموعة محاسبين، فقط ننظر إلى الأرقام»، وكأن الأمرين مختلفان!
الأرقام تقبل القياس، بينما التكلفة الاجتماعية للقرارات الاقتصادية معقدة وتحتاج وعياً مختلفاً ورغبة حقيقية في فهم خصوصية الظروف في كل بلد، والموظف الأنيق في أروقة منظمات مثل، البنك الدولي وصندوق النقد ليس في وسعه أن يتقدم بمصالح المجتمعات المختلفة التي يفترض أن يشارك في تنميتها على مصالحه الشخصية، التي تتمثل في التأكد من الالتزام في سداد المديونية في وقتها، ولذلك تأتي توصياته في إطار فرضيات جامدة، بأن أي قرار سيؤثر على الأرقام، وسيوفر الأموال التي تقوم بخدمة الدين، ولكن لم يحدث ذلك في الأردن، حيث تشابكت مجموعة من الظروف المعقدة الإقليمية والمحلية في أزمة اقتصادية خانقة.

أتى إضراب المعلمين لتتدحرج وراءه سلسلة من القرارات الخاطئة التي قامت على الوقوع المستمر في مغالطة ماكنمارا

تصدى رئيس الوزراء الحالي الدكتور عمر الرزاز، وهو موظف سابق في البنك الدولي، لمتطلبات الدائنين بمهنية وفق معاييرهم، واتخذ الإجراءات الاقتصادية الصعبة، بناء على الافتراضات الرقمية، ولكن العوامل الأخرى غير القابلة للقياس تفاعلت، وأتت قراراته الاقتصادية بنتائج سلبية على مختلف المستويات، ومع ذلك بقي المزاج الشعبي، غير متحمس لحراك سياسي لإدراكه بأن الحلول الممكنة محدودة، وتخوفه من تكلفة التغيير، وواصلت الحكومة شعورها بالراحة وأطلقت العنان لوزرائها، الذين قدموا مادة بدورهم مادة خصبة لاستثارة المواطنين في الأردن، حتى بعد الزيارة الملكية لرئاسة الوزراء، التي أمهلت الحكومة ضمنياً حتى نهاية العام.
أتى إضراب المعلمين لتتدحرج وراءه سلسلة من القرارات الخاطئة التي قامت على الوقوع المستمر في مغالطة ماكنمارا، فالتركيز على تكلفة المطالب العمالية للمعلمين أعمى الحكومة عن التكلفة الاجتماعية الكامنة في استعداء فئة من المواطنين تصل إلى نحو مئة وعشرين ألف معلم، أي ما يقارب مليوناً من المواطنين، بإضافة أسرهم وأقاربهم، وبعد أن تحولت المعركة من الصراع حول الأرقام التي تكلفها علاوة المعلمين، وهي قابلة للقياس، أصبحت علائم شرخ اجتماعي يتمحور حول كرامة المعلم، غير القابلة للقياس، هي المحك الجديد الساخن، وما يبدو أن النقابة تنتويه هو الاحتفاظ بالنقطة الأخيرة تحديداً، بعد أن بدأت تتراجع تكتيكياً عن العلاوة كما طرحت في البداية.
لن تستطيع حكومة الرزاز أن تمتلك الشجاعة على الاعتذار، ويبدو أن معظم أعضائها يفكرون في الذي سيفعلونه بعد الخروج من الوزارة، وربما سيلتحق بعضهم بمنظمات دولية، كالتي احتضنت ماكنمارا بعد الفخ الفيتنامي، ولكن ما يثير القلق هو استغلال الحكومة لمكونات أخرى في الدولة للاختباء وراءها، من خلال محاولتها الإفلات من موقعها على الحافة، وهو ما يشغل وعي المواطن الأردني، الذي أثبت خلال سنوات فهماً عميقاً وفطرياً لطبيعة الأرض التي يقف عليها، وتمسكاً بمنجزه الوطني الذي تواصل على امتداد عقود من الزمن. كان يفترض أن تضطلع حكومة الرزاز بمشروع نهضة اقتصادي واجتماعي يستغل تناقضات واحتمالات الإقليم المفتوحة، إلا أن إصرار الرئيس على التركيز على موضوع واحد ذو قابلية عالية للقياس وقلة خبرته في التضاريس السياسية للأردن وتاريخية التحالفات الاجتماعية القائمة، وعدم قدرته على تفهم خصوصية المنطق البسيط للمواطن الأردني، المغلف بكثير من الحياء والذكاء جعله يهدر فرصة تاريخية، وعموماً ليس على أحد أن يقلق بخصوص مستقبل الرئيس فالأولى أن ينصرف القلق تجاه استدراك الأوضاع التي أنتجتها حكومته وفريقه الوزاري.
كاتب أردني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول احمد -الاردن:

    قراءة واقعية ومبسطة لنخبة ترطن بمصطلحات وعبارات هي نفسها لاتفهمها …..الامور غير القابلة للقياس وهي التكلفة الاجتماعية لقرارات الحكومة للاسف غاءبة منذ عقدين من الزمن ….مما راكم الاخطاء وشكل الازمات الاقتصادية ذات التاثير المباشر والمكثف على حياة الناس وازمة المعلمين اظهرت بشكل واضح اننا في بداية ازمة اعمق سيكون لها ابعاد سياسية عميقة انها ازمة او كارثة التمزق المجتمعي والانقسام الطبقي اي ان النسيج الاجتماعي اخذ في التفتت والتنافر

  2. يقول ابراهيم:

    مقال رائع ووصف دقيق للورطة التي أوقعت الحكومه نفسها بها . وليس من مخرج الا الاعتذار والاعتراف.

  3. يقول تيسير خرما:

    عقد الأردن الاجتماعي دستور ملكي نيابي وليس نقابي شوارعي فقد نشأ الأردن على شرعية مبايعة عشائر وقبائل وذوات من كل منبت لقيادة هاشمية بنظام حكم ملكي نيابي وانتهاك ذلك يقود لفوضى، والمستهجن أن يتصرف مجلس نقابي كدولة فوق الدولة متجاهلاً سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ويحول نقابته لمركز تحريض ممنهج لإنتقاص سيادة الدولة وخلق فوضى وإخلال بالنظام العام وخرق قوانين وابتزاز الدولة بمطالب تحبط الأداء المتميز وتزيد عجز موازنة الحكومة وتتطلب فرض مزيد من الضرائب وتقود لمزيد من قروض دولية ومراكمة مديوينة فلكية

  4. يقول تيسير خرما:

    يجب اقتصار الحكومة على تنظيم ورقابة وترك كل مجال لقطاع خاص وانسحاب من تعليم ثانوي وجامعي واقتصار على إلزامي ومهني وفرض مواطنين متعطلين بدل مليون وافد ووقف تحويل 2 مليار سنوياً لدولهم ووقف خدمات مجانية لهم، ولتحقيق نمو اقتصاد يجب خفض متدرج لمجموع نفقات الحكومة وسلطاتها وهيئاتها المستقلة وجامعاتها وبلدياتها 10% سنوياً لينزل مجموعها إلى سدس الناتج القومي الإجمالي وخفض متدرج للمديوينة وإلغاء الضرائب على المواد الأولية والخدمات اللازمة لإنتاج كل عمل ونقل وتنقل كضرائب اتصالات وسيارات وسولار وبنزين الخ

اشترك في قائمتنا البريدية