أين أمريكا؟ 

لعل أكثر ما سعت إليه هوليوود منذ عرفناها أن ترسخ في أفلامها صورة البطل القادر على صناعة المعجزات، الذي دائماً ما ينتصر لخير البشرية. ومع هذا البطل الدرامي عشنا جميعاً على الأمل بأن فصول الفيلم الواحد، مهما بلغت من حزن وألم فإن النهاية لا بد أن تكون سعيدة، حتى يحقق المخرج مبتغاه الواضح من ضرورة إسعاد الناس، وجذب المزيد من المشاهدين، ورفع حجم العائدات المالية.
صعوبة السيناريوهات لأفلام هوليوود، وفرحة النهايات باتت السمة الأعظم في مسيرة الأفلام الأمريكية، لينسج على منوالها الكثير من مدارس السينما حول العالم. أما شخصية البطل فغالباً ما سعت لتسييد الخير المزعوم على الشر، وغلبة الحق على الباطل، وانتصار العدالة على الظلم، في واقع حاول معه النظام الرسمي في أمريكا أن يقنع الشعب الأمريكي وعبر هوليوود، بأن بلاده تشكل القطب الأوحد في معادلة الخير في العالم، لتتبعها استماتة بشعور العظمة والقناعة، بأن كل ما تفعله أمريكا في العالم، يعني أنها صاحبة الحق في الفعل والحرب والسيطرة.

ترامب لا يقبل إلا أن يكون مالئ الدنيا وشاغل الناس. يريدك أن تراه في كل مرة تلجأ فيها إلى شاشة التلفزيون، أو تستمع إلى المذياع، أو تبحر في عالم الإعلام الاجتماعي

وبالنهج ذاته، تعاملت المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الأمريكية حول العالم، فأطلت وأوغلت في التمويل والتنظير لمفاهيم الديمقراطية والحكم الرشيد والشفافية ومكافحة الفساد، ودولة القانون وحقوق الإنسان وسيادة العدل، ورفض العبودية، وإعمال حقوق الطفل ودور المرأة والعدالة الاجتماعية، وقائمة لن تنتهي من المثاليات المزعومة. واليوم ومع وجود ترامب في السلطة لنتساءل: أين الدولة، وأين أمريكا؟ أين الحكم الرشيد المزعوم وسيادة القانون والشفافية ودولة المؤسسات وحقوق الناس؟ أين حقوق المهاجرين والناشطين ومجالس الطلبة وحرية الفكر والرأي؟ أين احترام الأديان والأعراق والأقليات، أين احترام استقلال الدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟ أين الديمقراطية وحقوق الطفل والمرأة والمساوة والتعددية الفكرية؟
أين أمريكا فعلا في ظل ترامب؟ إذ لا نرى إلا شخصاً واحداً يأخذ القرار، ينصب ويرفع، يكسر ويجزم. لا نرى دولة ولا «كونغرس» ولا مؤسسات ولا جيشا. لا نرى إلا ترامب، ترامب يقول، ترامب يصرح، ترامب يأمر! ترامب يوقع، ترامب يفرض، ترامب يغرد، ترامب يهّجر، ترامب يعتقل، ترامب يهدد، وترامب يفعل ما يحلو له في ظل غياب النظام والدولة. ترامب يفعل ومن ورائه دولة غائبة تماماً.. لا مؤسسات ولا قضاء ولا حقوق ولا رأي، وقريباً لا حق في التنفس!
أين البطولات والمزاودات والمفاهيم؟ والمسلكيات والقوانين؟ أين الشفافية ومؤسسات حقوق الإنسان تحمي حقوقها وتنقذ ما تبقى من الدولة؟ ماذا عن المثاليات والقيم التي لم تبق مؤسسة أمريكية إلا ونظّرت علينا بها؟ ترامب لا يقبل إلا أن يكون مالئ الدنيا وشاغل الناس. يريدك أن تراه في كل مرة تلجأ فيها إلى شاشة التلفزيون، أو تستمع إلى المذياع، أو تبحر في عالم الإعلام الاجتماعي. فالنرجسية ومع انتهاء جولة الخليج الأخيرة، بلغت ذروتها اليوم. فكيف يا ترى سيكون حال أمريكا في المستقبل؟ ننتظر ونرى!
كاتب فلسطيني
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أين أمريكا؟
    الشعب الأمريكي الآن يشرب ويسكي “جوني ووكر بلاك ليبل” على صحة ترامب،
    ذلك الذي جلب لهم المال من العالم العربي، وبسخاء منقطع النظير!
    وإذا استمر ترامب في جلب الأموال، وجعل البنزين برخص تراب الصحراء في بلاد العرب،
    فلا حقوق إنسان، ولا ديمقراطية، ولا مؤسسات، ولا قضاء، ولا حتى حقوق الطفل الرضيع الذي يُقتل في فلسطين على يده، ولا المرأة التي تُقتل مثيلاتها هناك، ولا الشيوخ.
    حتى لو دُمّر العالم، المهم أن يتمتع الشعب الأمريكي بما أنعم الله به على عالمنا العربي من المال الوفير!
    والنبي أوصى ص. على سابع جار، لكن بعض علماء الأمة قالوا إن الوصية تشمل الجار السبعين من كل الجهات.
    إذن، ترامب، والشعب الأمريكي، والغرب… داخلون جميعًا في مربع الوصايا!
    طيب، الشعوب العربية. لماذا لا تدخل في هذه الوصايا؟ يا محي الدين، كفى غباء! نحن من يقوم بالعطاء،
    ويجب على فقراء الأمة أن يتحلوا بالصبر، فالدور عليهم قادم الصبر من الإيمان، أما الجشع. فمن شغل الشيطان وإذا كنت ترغب في رؤية “تضحيات أمريكا” من أجل الخير، فادخل إلى أي فيلم لرامبو، أو أي فيلم ( 1 )

  2. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    في سينما “ترسو وشاهد بعينك ماذا تفعل أمريكا “من أجل البشرية وإذا كان ترامب، ومعه أمريكا والغرب، يقتلون الشعب الفلسطيني في غزة، فلأنهم أشرار. ومصمّمون على عدم مغادرة غزة طب ليه ترامب قصده يعمر غزة حتى يقيموا فيها منتجعًا سياحيًا، يأتي إليه مساكين الأمريكان والغربيين ليتنفسوا هواء غزة، ويستمعوا إلى أغنية عبد الحليم: “الهوى هوانا . ( 2 )

  3. يقول د. رامي:

    – إنقاذ ما يمكن إنقاذه على الصعيد الإنساني، وإستمرار النشاط السياسي والدبلوماسي على طريق الإستقرار الطويل بدولة وإستقلال (حل الدولتين).
    – اليمين مهووس بأفكار الهدم والتهجير. شعب بلا دولة هو شعب يقع في الفراغ وينثر في الهواء.
    – هل هناك إطلاع وتنسيق ومتابعة عن قرب لمجريات ومسارات مفاوضات المبعوث الأمريكي في هذه المرحلة والتي كما يتسرب يجري فيها إستكشاف مسائل أوسع؟!.
    – في حال إعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية وتبعتها بخطوة مماثلة بريطانيا، فهذا يعني اعتراف النظام الدولي، وبما يشكل توطئة لإعتراف مجلس الأمن الدولي. عمل وتوفير كل ما يلزم لضمان حدوث الإعتراف الفرنسي وحث بريطانيا على أخذ خطوة مشابهة.
    – إستمرار عملية الإصلاح الحكومي والوطني والمؤسساتي في تجربة الحكم أمر في غاية الأهمية. تقييم تجربة الحكم أمر أساسي لدعم مبررات وحجج توسيعها وتحقيق إستقلالها.

  4. يقول معتصم عرفات الميناوي:

    هكذا حال الطغاة في آخر زمانهم
    فقارون عندما غلا في الاستكبار قائلا لقرنه “ما علمت لكم من إله غيري” لم يدم بعدها طويلا فهلاك الطغاة سنة عرفها الكون منذ خلقت البشرية

اشترك في قائمتنا البريدية